مالي.. بين الحكم العسكري والحركات المسلحة
شهدت دولة مالي،
الواقعة في قلب منطقة الساحل الأفريقي ذات الأهمية الإستراتيجية، في أواخر أبريل
الماضي، تطورًا دراماتيكيًا في المسارين الأمني والعسكري، كاد أن يفضي إلى تحول
سياسي كبير في بلد يعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتعقيدات سياسية متراكمة، إلى جانب
تمدد الدور العسكري الذي يتدخل في الحكم كلما تفاقمت الأزمات.
غير أن التطورات
الأخيرة تبدو مرشحة لتداعيات أعمق، في ظل طبيعة أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل
الدينية المرتبطة ببعض الحركات المسلحة، مع الأبعاد الاجتماعية التي تعكسها
الحركات الانفصالية، في مواجهة سلطة عسكرية تستند إلى أدوات خارجية لطالما
استخدمتها هذه الحركات -الجهادية والانفصالية- لتبرير تحركاتها، خصوصًا في شمال
البلاد.
مشهد بالغ التعقيد
وفي هذا السياق،
يبدو المشهد المالي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع التشابكات
السياسية، في ظل حضور عسكري يتوسع مع كل أزمة، ما يرسم صورة قاتمة للعاصمة باماكو،
التي تقف اليوم على أعتاب مرحلة تحول دقيقة، بين تمرد الأطراف المدعوم بقوة السلاح
من جماعات دينية وانفصالية، وسلطة عسكرية تتراجع قدرتها على الضبط والسيطرة، لتصبح
الدولة برمتها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على البقاء والاستمرار.
وفي 25/ 4/ 2026م،
شهدت مالي سلسلة هجمات منسقة وغير مسبوقة، شنتها الحركات المسلحة جماعة نصرة
الإسلام والمسلمين، بتحالف مع المتمردين الطوارق- جبهة تحرير أزواد، ضد مواقع إستراتيجية
للمجلس العسكري الحاكم.
هجمات أسفرت عن
سيطرة القوى المهاجمة على مدينة كيدال الإستراتيجية شمالي البلاد، قبل أن يعلن
مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (47 عاماً)، الذي يعد أحد أبرز مسؤولي
المجلس، بعد يومين من معارك مع الجيش في تطور أدخل البلاد في أوضاع أمنية حرجة،
وألقى بظلاله على مستقبل المجلس العسكري.
وعلى الرغم من
أن مالي ظلت تشهد منذ أكثر من 10 سنوات أزمات أمنية متتالية، لكن الهجمات التي
شنتها الحركات المسلحة متحالفة مع جبهة تحرير أزواد الانفصالية، تُعد غير مسبوقة
منذ تولي المجلس العسكري الحكم في العام 2020م.
ووصف الباحث
والمحلل بالشؤون الأفريقية عباس محمد صالح الأوضاع التي شهدتها مالي أواخر أبريل الماضي،
بالتطور الأخطر، وقال، في تصريحات لـ«المجتمع»: إن التنسيق العملياتي بين قوات
الحركة الوطنية لتحرير أزواد وعناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في غرب أفريقيا
كان التطور الأخطر والأكبر على الإطلاق، حيث أضاف بعداً جديداً لطبيعة الصراع في
شمال البلاد.
وأكد أن هذه التطورات
شكلت نقطة تحول إستراتيجية، مع انتقال الهجمات من الأطراف إلى قلب العاصمة باماكو
ومدن ذات ثقل ديني وسياسي، حيث طالت رموز السلطة، من بينها مقتل وزير الدفاع، وبذلك،
تحولت طبيعة الصراع إلى حرب شاملة متعددة الأدوات؛ عسكرية واقتصادية ونفسية؛ ما
يعكس انتقال الأزمة من مجرد تمرد مسلح إلى تهديد وجودي يطال الدولة والنظام معًا.
وفي هذا السياق،
يرى صالح أن الهجوم الأخير أعاد ملف مالي وقضية شمال أزواد إلى صدارة المشهد
مجددًا، مشيرًا إلى أن السلطة الانتقالية، رغم وراثتها لوضع مأزوم، لم توفّق في
إدارة ملف الشمال، الذي يُعد من أكثر القضايا الوطنية تعقيدًا وحساسية، حيث شاب
تعاملها قدر من سوء التقدير، خاصة فيما يتعلق بموقفها من اتفاق الجزائر، الذي كان
يوفر إطارًا تفاوضيًا بين الحكومة المركزية والفاعلين الأزواديين.
ويضيف صالح أن
ذلك الاتفاق أسهم سابقًا في الحفاظ على التمييز بين الحركات الأزوادية ذات المطالب
السياسية المرتبطة بحقوق سكان الإقليم، والجماعات الجهادية الناشطة في منطقة
الساحل الكبرى، والمرتبطة بتنظيمات الجهاد العالمي مثل «داعش» و«القاعدة»، لا سيما
في السياق المالي.
الأسباب والفاعلون
في سياق البحث
عن طبيعة الأزمة التي تعيشها مالي اليوم، وتحديد أبرز الفاعلين ومآلات الأوضاع،
يرى مراقبون أن ما شهدته العاصمة باماكو يمثل تحولًا دراماتيكيًا يعكس أزمة حقيقية
تستدعي قراءة معمقة لمكونات المشهد، وفي مقدمة هذه الفواعل، تبرز الجماعات
الإسلامية المتشددة التي باتت تحتل موقعًا متقدمًا، وعلى رأسها جماعة «نصرة
الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تكمن خطورتها في تبنيها إستراتيجية
الخنق عبر استهداف طرق الإمداد والوقود، بهدف إنهاك الدولة تدريجيًا بدل الاكتفاء
بالمواجهة المباشرة، وهو ما تجلّى بوضوح في الفترة التي سبقت أحداث 25 أبريل
الماضي.
ولا يقتصر
المشهد على هذه الجماعة، إذ تحضر تنظيمات أخرى بدرجات متفاوتة، مثل «داعش في
الصحراء الكبرى»، إلى جانب فصائل محلية غير جهادية، أبرزها جبهة تحرير أزواد التي
تمثل الطوارق في شمال البلاد، وهي حركة مسلحة ذات مطالب سياسية تتراوح بين الحكم
الذاتي والانفصال، وقد دخلت مؤخرًا في تحالفات تكتيكية مع جماعات جهادية في مواجهة
الدولة؛ ما زاد من تعقيد الأزمة وتشابك مساراتها.
في المقابل، تقف
الدولة ممثلة في المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا، الذي يعتمد على الجيش الوطني،
مدعومًا بشراكة أمنية مع روسيا عبر ما يُعرف بـ«فيلق أفريقيا» (البديل لمجموعة «فاغنر»)،
وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للأزمة ويعمّق من تعقيداتها.
أما على صعيد
الفاعلين الخارجيين، تجدر الإشارة إلى أن روسيا برزت بوصفها الشريك الأمني الأهم
بعد انسحاب فرنسا وبعثة الأمم المتحدة، حيث سارعت موسكو إلى ملء الفراغ الأمني
الذي خلفه هذا الانسحاب؛ ما أعاد تشكيل موازين القوى في البلاد.
وفي ذات السياق،
يرى مراقبون أن الساحة السياسية والاجتماعية في مالي، لا تقتصر على حضور الجماعات
الإسلامية المتشددة فحسب، بل تضم أيضًا طيفًا واسعًا من الجماعات الإسلامية
المعتدلة، وفي مقدمتها الطرق الصوفية والعلماء التقليديون، مؤكدين أن موقف هذه
المكونات، التي تمثل شريحة معتبرة من المجتمع المالي، ظل قائمًا على رفض العنف،
والدعوة إلى الاستقرار وتغليب الحلول السلمية، ورغم محدودية تأثيرها السياسي
مقارنة بالجماعات المسلحة، فإن هذا الموقف الراسخ يظل رصيدًا مهمًا يمكن البناء
عليه في جهود إعادة الاستقرار واستعادة الأمن في البلاد.
التداعيات
وفي هذا الإطار،
يرى عباس صالح أن تداعيات الهجمات الأخيرة تتجاوز حدود الفاعلين المحليين بين
باماكو وأزواد، لتشمل فاعلين دوليين معنيين بتوازنات المنطقة، مشيرًا إلى أن هذه
التطورات أبرزت الدور المحوري لـ«فيلق أفريقيا» في الصراع بين السلطة المركزية
والحركات الأزوادية.
ولم يستبعد أن
يتطور الانخراط الروسي في مالي إلى نمط من حروب الوكالة الموسعة، موضحًا أن تعاظم
الحضور الروسي قد يستدعي انخراط أطراف دولية أخرى، بما في ذلك أوكرانيا، في حين قد
يدعم الغرب تحركات مضادة لروسيا، ما ينذر بتدويل أكبر للأزمة وتعقيد مساراتها
المستقبلية.
ويتوقع صالح أنه
في ضوء أحداث 25 أبريل ازدياد حدة الصراع في شمال مالي، مع تصميم الحكومة
الانتقالية القضاء على التهديد في شمال البلاد وستزيد روسيا من عملياتها ضد
المتمردين، ويتوقع أيضاً أن تزيد الدول الغربية من دعمها لباماكو حتى في ظل
التواجد الروسي؛ ما يفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة في المشهد المالي المأزوم.
في المحصلة، تقف
دولة مالي اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ إذ لم تتمكن الجماعات المسلحة من إسقاط
الدولة، لكنها نجحت في شلّ قدرتها على الفعل، كما أن المجلس العسكري لم ينهَر أو
يرفع الراية البيضاء، غير أنه فقد احتكار القوة وهيبته، وفي الوقت ذاته، لم ينحز
المجتمع بشكل واضح لأي من طرفي الصراع، لكنه بدأ يفقد ثقته تدريجيًا في مؤسسات
الدولة؛ ما يعكس عمق الأزمة التي لم تعد ذات طابع أمني فحسب، بل تحولت إلى أزمة
بنيوية تمس كيان الدولة ذاته.
ومن هنا، لم يعد
السؤال المطروح: كيف تنتهي الحرب؟ بل أي دولة ستبقى في مالي بعد انتهائها؟ وعليه،
فإن المعالجة المستدامة للأزمة تقتضي تجاوز المقاربات العسكرية، نحو بلورة عقد
سياسي جديد، ودمج فعلي للشمال، وتعزيز دور الإسلام المعتدل بوصفه صمام أمان لدولة
ذات إرث إسلامي عريق، إلى جانب الدفع بمسار التنمية الاقتصادية بما يعيد للدولة
شرعيتها المنبثقة من تحسين حياة المواطنين اليومية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً