تحديات زواج المغتربين في المجتمع الخليجي المعاصر
تشير التحولات
المتسارعة في حركة الهجرة وتزايد التفاعل بين المجتمعات إلى أن قضايا زواج المتغربين والاندماج الثقافي ستظل حاضرة في الحياة الاجتماعية المعاصرة، وقد أصبحت
الهجرة ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة، بحيث لا يقتصر تحدي
المهاجر على الاستقرار المادي، وإنما يمتد إلى بناء العلاقات الاجتماعية، والشعور
بالانتماء، والتكيف مع اختلاف القيم والعادات.
واندماج المهاجر
عملية متعددة الأبعاد، تقوم على التفاعل المتبادل بينه والمجتمع الجديد، ومدى
مشاركته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويُستخدم مصطلح الزواج المختلط للإشارة
إلى الزواج الذي يختلف فيه الزوجان في الجنسية، وهو من صور زواج المغتربين في
السياق الخليجي، عندما يكون أحد الزوجين مواطناً والآخر غير مواطن.
السياق الاجتماعي للزواج المختلط في المجتمع الخليجي
كشف المركز
العربي الخليجي للدراسات والأبحاث، في تقرير عام 2022م، حول ظاهرة تأخر سن الزواج،
استناداً إلى تقديرات وإحصاءات محلية عن تفاوت نسبة النساء غير المتزوجات ممن تبلغ
أعمارهن 35 عاماً فأكثر بين دول الخليج؛ إذ تراوحت في الإمارات بين 70 و75%، وفي
قطر بين 26 و35%، وفي الكويت بين 22 و35%، وبلغت في المملكة العربية السعودية نحو
40%، وفي البحرين نحو 25%(1).
وتمثل أبرز
أسباب تأخر الزواج في دول الخليج العربي في ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في
المهور وتجهيز المسكن وحفلات الزفاف، وإذا أخذنا المهور في البحرين نموذجاً، نجد
أن متوسط المهور في البحرين من 2000 إلى 4000 آلاف دينار بحريني، ومع تكاليف حفل
الزفاف التي تصل إلى 1000 دينار، والذهب 2000؛ فإن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى 8
آلاف دينار بحريني (21 ألف دولار أمريكي).
إضافة إلى تأثير
وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين تصورات ومخاوف سلبية حول الزواج؛ فضلاً عن عوامل
نفسية كالخوف من المسؤولية أو الفشل وصعوبة التفاهم مع الشريك، إلى جانب بعض
الأعراف الاجتماعية والمبالغة في مواصفات شريك الحياة.
ومع التطور
التقني، ظهرت تطبيقات رقمية، مثل تطبيق «استقرار»؛ لتيسير التعارف والزواج وفق
المواصفات المطلوبة لكل منهما؛ ما أثار نقاشاً حول مدى توافقه مع الأعراف والقيم
الدينية.
زواج المغتربين في الخليج
تُعد دول الخليج
من البيئات الجاذبة للعمالة والخبرات الأجنبية، وقد أدى طول إقامة بعض الوافدين
وتزايد التفاعل بين الثقافات إلى ظهور الزواج المختلط ضمن أنماط الزواج في
المنطقة.
وتتعدد دوافعه
بحسب ظروف الزوجين؛ فقد يرتبط لدى بعض المغتربين الرغبة في الاستقرار الأسري
والاجتماعي، أو تسوية بعض أوضاع الإقامة والعمل، بينما قد يرتبط لدى بعض المقيمات
أو المواطنات برغبة في تكوين الأسرة، أو بظروف اجتماعية واقتصادية مثل تأخر سن
الزواج أو الطلاق أو الترمل، أو محدودية الإمكانات المادية.
ويعتمد استقرار
هذا الزواج، إلى جانب العوامل القانونية والاجتماعية، على قدرة الزوجين على التكيف
المتبادل، واحترام اختلاف العادات والقيم، وإدارة المسؤوليات الأسرية والمالية،
خاصة عند استمرار الزوج في إعالة أسرته في وطنه أو تكرار سفره إليه؛ ما يزيد
الأعباء المالية على الأسرة؛ إضافة إلى اختلاف الطباع والتنشئة.
وتشير الإحصاءات
إلى أن عدد عقود الزواج في المملكة العربية السعودية عام 2020م بلغ 150117 عقداً،
منها 4502 عقد كان أحد طرفيه غير سعودي، بما يقارب 3% من إجمالي العقود، كما شكّل
غير السعوديين عام 2021م نحو 36.4% من إجمالي سكان المملكة(2).
وتسجل الإمارات
أكثر نسبة للزواج المختلط بدول الخليج، ففي تقرير المركز الاتحادي للتنافسية
والإحصاء في الإمارات أن عام 2024م تزوج 2095 مواطناً إماراتياً من زوجة غير
إماراتية بنسبة 11.5%، وتزوجت 619 مواطنة إماراتية من زوج غير إماراتي بنسبة 3.4%.
أبرز تحديات الزواج المختلط
تواجه الأسر
المختلطة عدداً من التحديات، من أبرزها:
1- تحديات
اجتماعية وثقافية: قد تواجه بعض الأسر المختلطة مظاهر من الرفض أو التمييز
الاجتماعي؛ ما قد يؤثر في اندماج الزوج غير الأجنبي وأبنائه من مواطنة، كما قد
تفرض اختلافات اللغة والعادات والتقاليد تحديات إضافية أمام التكيف والحياة
الأسرية، وقد رصدت بعض الدراسات تعرض بعض أبناء السعوديات المتزوجات من أجانب
لأشكال من النبذ أو التنمر الإلكتروني(3).
2- تحديات
قانونية واقتصادية: ترتبط بعض الصعوبات بالوضع القانوني للزوج غير السعودي
وأبنائه، وما قد يترتب على اختلاف الجنسية من مسائل تتعلق بالإقامة والعمل
والجنسية وبعض الحقوق والخدمات، كما قد تتحمل الأسرة أعباء مالية مرتبطة بإجراءات
الزواج والإقامة والنفقة وامتلاك العقارات، بما قد يزيد الضغوط الاقتصادية على
الأسرة.
3- تحديات
الطلاق: قد تزداد تعقيدات الزواج المختلط عند الانفصال، خاصة فيما يتعلق بالحضانة
والنفقة والزيارة وإقامة الأبناء أو سفرهم، وقد تتفاقم الصعوبات إذا عاد أحد
الزوجين الأجنبيين إلى وطنه.
وتشير دراسات
معهد الدوحة الدولي للأسرة بأن مؤشرات الطلاق في عقود الزواج المختلط تتأثر بعوامل
التكيف الثقافي، لكنها تظل متقاربة إجمالاً مع النسب العامة للطلاق في المجتمع
والمقدرة بـ34% من إجمالي عقود الزواج.
وتذكر إدارة
الإحصاء والبحوث بوزارة العدل الكويتية لعام 2026م أن متوسط حالات الطلاق لزوج
كويتي وزوجة غير كويتية 8 حالات شهرياً، ومتوسط حالات طلاق زوجة كويتية وزوج غير
كويتي 30 حالة طلاق شهرياً، وفي مقابلها جاءت مؤشرات الطلاق المختلط هي الأعلى أيضاً
للزوج المختلط في الإمارات لسنة 2026م؛ فبلغت حوالي 36% حالة طلاق لإماراتيين
متزوجين من غير مواطنات من جملة عقود الزواج، وبلغت نسبة طلاق مواطنات إماراتيات
متزوجات من غير مواطنين نحو 61%.
سبل المواجهة
يمثل تأخر سن
الزواج تحدياً اجتماعياً متزايداً؛ لما قد يترتب عليه من تغير في بنية الأسرة
وانخفاض معدلات الخصوبة؛ ما ينعكس في نسبة الشباب في التركيبة السكانية مستقبلاً،
ومن ثم تبرز الحاجة إلى دعم الشباب اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، وتيسير متطلبات
الزواج، وتعزيز الاستقرار المهني، ونشر الوعي بالقيم الأسرية الإيجابية بما يسهم
في استقرار المجتمع.
وتتطلب مواجهة
تحديات الزواج المختلط دعم التكيف المتبادل بين الزوجين، وتعزيز الوعي بالاختلافات
الثقافية والاجتماعية، وتوفير الإرشاد والدعم الأسري، والحد من مظاهر التمييز، إلى
جانب توعية المقبلين على الزواج بالحقوق والالتزامات القانونية ذات الصلة؛ بما
يسهم في تعزيز استقرار الأسرة ودعم اندماجها في المجتمع.
ومن الضروري أن
تسهم المناهج التعليمية في ترسيخ قيم المساواة الإنسانية، ونبذ العنصرية والتمييز،
وتعزيز قيم السلام والتسامح واحترام التنوع الثقافي، كما يمكن لوسائل الإعلام
المختلفة أن تؤدي دوراً في التوعية بأهمية تيسير الزواج والحد من الإسراف في
تكاليفه، وتعزيز الوعي بالتحديات المرتبطة بالزواج المختلط وسبل التعامل معها، بما
يدعم التكيف المتبادل والاندماج الأسري والمجتمعي.
ولا بد من دعم
حكومات دول الخليج للشباب وتيسير الزواج، من خلال مبادرات وبرامج تخفف من الأعباء
الاقتصادية المرتبطة بتكوين الأسرة، وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى المبادرة
التركية التي أعلن عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي تضمنت تقديم قرض
للشباب المقبلين على الزواج بقيمة 200 ألف ليرة تركية، يسدد على أقساط ميسرة، مع
تأجيل السداد لمدة عام عند إنجاب الطفل الأول، وإعفاء المستفيد من باقي القرض عند
إنجاب الطفل الثاني.
وتمثل هذه المبادرة أحد النماذج التي يمكن الاستفادة من تجربتها عند بحث السياسات الداعمة لتيسير الزواج، مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين الدول.
الهوامش
- 1 المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، الزواج والطلاق 2020م، العدد (5)، مسقط، ديسمبر 2021م.
- 2 منيرة بنت عبدالله الدريويش؛ دوافع وإشكاليات الزواج المختلط في المملكة العربية السعودية دراسة نظرية تحليلية، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية المجلد (7)، العدد (6)، 2023م، ص 44.
- 3 المرجع السابق، ص39.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً