الأسرة.. حكايتنا الأولى مع الحب والأمان
كاتبة المدونة: د. فاي عگله جبار السلامي
اختصاصية علم نفس إكلينيكي
دعونا نتفق،
عندما نقول الأسرة، لا يخطر في بالنا أبداً مجرد جدران وأثاث، أليس كذلك؟ الأسرة
هي الروح التي تحتضن أرواحنا، وهي الملاذ الذي نعود إليه عندما نكون مكسورين أو
منهكين من ضغوط الحياة، هي المكان الوحيد الذي تعلمنا فيه أول درس في الحب
الحقيقي، والأمان الذي لا يتزعزع، والرحمة التي تغطي.. كل شيء.
كل فرد منّا
تشكّلت شخصيته وملامحُه الأولى داخل هذا البيت، ولأن الموضوع بهذا العمق الإنساني،
كان طبيعياً جداً أن يمنح الدين الإسلامي هذا الكيان الصغير اهتماماً عظيماً، فجعل
منه أساساً للسكينة، ونقطة انطلاق للاستقرار، والأهم؛ الجسر الذي تعبر عليه قيمنا
وأخلاقنا من جيل إلى جيل.
سكن القلوب ودفء البيوت
يا الله على
جمال التعبير الذي استخدمه القرآن الكريم لوصف العلاقة الزوجية! لم يقل: إنها
شراكة عمل أو عقد مادي، بل سماها سََكناً، كأن الإنسان قبل الزواج كان تائهاً أو
ناقصاً، ولا يكتمل إلا بوجود من يسكن إليه.
فلنتأمل عمق هذه
الآية الكريمة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةً) الروم: 21)؛ فالمودة والرحمة هنا ليستا مجرد كلمات، بل نبض الحياة
اليومية داخل البيت، فإذا غابت المودة، تحول البيت إلى مكان بارد، وإذا غابت
الرحمة، أصبح ساحة صراع، هذا الفرق البسيط هو ما يصنع بيتاً سعيداً، وآخر يعيش على
الهامش.
الأمانة الكبرى.. قلوب صغيرة بين أيدينا
القرآن لا
يتركنا غارقين في المشاعر الجميلة فقط، بل يوقظ ضمائرنا ويذكرنا بالمسؤولية،
فالأسرة أمانة، والأبناء قلوب صغيرة أُودعت بين أيدينا لنرعاها ونحميها؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم: 6).
هذه الآية
تدفعنا للتوقف والتساؤل بصدق: كيف نحمي أنفسنا وأهلنا؟ والجواب ليس بالخوف، بل
بتربية أساسها الحب قبل التوجيه، والقدوة الصادقة قبل الكلام الذي لا قيمة له.
الخير يبدأ من عتبة البيت
ثم تأتي السُّنة
النبوية لتجعل هذه المعاني واقعاً نعيشه كل يوم، كان النبي صلى الله عليه وسلم
قدوة حية في الرحمة داخل بيته، يعلمنا أن الخُلُق الحقيقي يظهر خلف الأبواب
المغلقة، لا أمام الناس فقط.
ولهذا قال: «خيركم
خيركم لأهله»، ما أروع هذا الميزان! فالخير قد يبدأ بكلمة طيبة لزوجتك، أو نظرة
حانية لابنك، أو بصبر تتحلى به عند الخلاف.
وأكد النبي صلى
الله عليه وسلم أيضاً أن البيت لا يقوم على شخص واحد، بل على قلوب متعاونة، يشعر
كل فرد فيها بأنه مسؤول ومهم؛ «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
الأسرة الصالحة
لا تربي أفراداً عاديين، بل تخرّج طمأنينة تمشي على الأرض، وأخلاقاً تضيء الطريق،
وأملاً لا ينطفئ، وحين تمتلئ بيوتنا بالمودة، يهدأ المجتمع، وتقوى روحه، وتخف
قسوته، فالمجتمع، ببساطة، انعكاس بيوتنا؛ إذا صلح البيت، صلح ما حوله.
لقد قدم القرآن
والسُّنة رؤية عميقة للأسرة، رؤية تخاطب القلب قبل العقل، وتبني الإنسان من الداخل
قبل الخارج، فالأسرة في الإسلام ليست مجرد رابطة دم، وإنما حضن رحيم، ورسالة حب،
وأمان يرافق الإنسان طوال حياته.