المأزق القانوني والدبلوماسي لإغلاق «الأقصى».. بين الوصاية التاريخية وفرض الأمر الواقع

لم يعد الحديث عن المسجد الأقصى محصوراً في بُعده الديني أو الرمزي، بل بات ساحة اختبار حقيقية لمدى صمود القانون الدولي أمام سياسات فرض الأمر الواقع، فالإجراءات المتكررة التي تمسّ حرية الوصول إليه، ومنها الإغلاق أو التقييد، تطرح إشكالية قانونية ودبلوماسية مركّبة: هل ما تزال الوصاية التاريخية والقرارات الأممية تشكّل إطاراً فعّالاً للحماية، أم أنها تراجعت أمام الوقائع الميدانية؟

الإغلاق في ضوء القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان

يخضع المسجد الأقصى، بوصفه يقع في القدس المحتلة، لنظام قانوني خاص يستند إلى فقه دولي راسخ وقرارات صادرة عن أقوى الهيئات القضائية الدولية (محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية)، فضلاً عن قواعد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام الحياة الدينية وحماية أماكن العبادة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص المادة (27) الاتفاقية على وجوب احترام المعتقدات الدينية وممارستها، فيما تحظر المواد الأخرى أي تدابير تعسفية تمسّ المدنيين، كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م يضمن حرية الدين وممارسة الشعائر، بما يشمل الوصول إلى أماكن العبادة.

أي إغلاق شامل للمسجد الأقصى ومنع للمصلين من الوصول إليه يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي

لا يمكن تحويل الاعتبارات الأمنية إلى مبرر دائم لتقييد الحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية العبادة والوصول إلى أماكنها، فالقانون الدولي الإنساني يجيز تدابير استثنائية محدودة بضوابط صارمة من حيث الضرورة والتناسب والمدة، أما حين تُستخدم هذه الذريعة بشكل متكرر ومنهجي أو واسع النطاق بما يؤدي إلى حرمان جماعي من الحقوق، فإنها تفقد مشروعيتها القانونية وتتحول إلى أداة لتقييد الحقوق وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يقوّض جوهر الحماية التي يقرّها القانون الدولي للمدنيين والأماكن المقدسة.

وعليه، فإن أي إغلاق شامل للمسجد الأقصى ومنع للمصلين من الوصول إليه يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، فالمسجد الأقصى المبارك لم يشهد إغلاقاً كاملاً بهذا الشكل المستمر منذ عام 2017م، وتُعد فترة الإغلاق الأخيرة (تجاوزت 40 يوماً) الأطول منذ احتلال القدس عام 1967م.

الإغلاق يتحول إلى أداة ضمن سياسة تقوم على مراكمة الوقائع بحيث تصبح الإجراءات المؤقتة واقعاً شبه دائم

وقد برّرت سلطات الاحتلال هذا الإغلاق في سياق التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران خلال فبراير ومارس 2026م، بدواعٍ أمنية، إلا أن هذه الممارسة، من حيث مدتها وطبيعتها، تهدف إلى محاولة فرض أمر واقع جديد وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف.



الوصاية الهاشمية الأساس التاريخي والسياسي

تستند الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس إلى شرعية تاريخية تعود إلى عام 1924م، حين بايع وجهاء القدس الشريف الحسين بن علي لرعاية هذه المقدسات، واستمر هذا الدور بعد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946م، وتعزّز مع إدارة الأردن للقدس الشرقية بعد عام 1948م، أما قانونياً، فقد تكرّس في المادة (9) من معاهدة السلام الأردنية - «الإسرائيلية» لعام 1994م، وتأكد مجدداً في اتفاق عام 2013م بين الأردن والسلطة الفلسطينية.

مرجعية أممية راسخة وفعالية متآكلة

وقد شكّلت قرارات الأمم المتحدة إطاراً واضحاً لوضع القدس، ومنها المسجد الأقصى، وأبرز هذه القرارات:

1- قرار الجمعية العامة (181) لعام 1947م: نصّ على وضع القدس تحت نظام دولي خاص (Corpus Separatum).

2- قرار مجلس الأمن (242) لعام 1967م: أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

3- قرار مجلس الأمن (478) لعام 1980م: رفض ضم القدس واعتبره لاغياً.

كما عزّزت هذه المرجعية قرارات لاحقة، منها قرارات الجمعية العامة التي أكدت بصورة متكررة أن القدس الشرقية أرض محتلة، مثل القرار (ES-10/19) لعام 2017م الذي شدد على بطلان أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابع المدينة، كذلك، اعتمدت «يونسكو» عدة قرارات، أبرزها قرار المجلس التنفيذي رقم (200 EX/PX/DR.25.2) لعام 2016م، الذي أكد أن المسجد الأقصى/الحرم القدسي الشريف موقع إسلامي خالص، ورفض أي إجراءات أو حفريات أو تغييرات تمسّ وضعه التاريخي والقانوني القائم.

لا تكمن خطورة إغلاق «الأقصى» في كونه إجراءً ميدانياً وإنما اختبار لقدرة القانون الدولي على الصمود أمام القوة

ورغم وضوح هذه القرارات وتراكمها، فإنها تعاني من ضعف التنفيذ؛ ما يجعلها مرجعية قانونية قائمة لكنها محدودة الفاعلية في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.

الإغلاق كأداة لفرض الأمر الواقع

لا يُعدّ إغلاق المسجد الأقصى إجراءً أمنياً عابراً، بل يندرج ضمن نمط أوسع لإعادة تشكيل الوضع القائم، فالتقييد المتكرر للدخول، والتحكم في بوابات المسجد، وفرض شروط على المصلين، تتكامل مع توجهات «إسرائيلية» معلنة تسعى لتغيير طبيعة المكان، من خلال الدعوة إلى الصلاة اليهودية فيه، وطرح فكرة التقسيم الزماني والمكاني، ودعم الاقتحامات المنظمة.

في هذا السياق، يتحول الإغلاق إلى أداة ضمن سياسة تقوم على مراكمة الوقائع، بحيث تصبح الإجراءات المؤقتة واقعاً شبه دائم، في تعارض واضح مع مبدأ عدم جواز اكتساب الحقوق من أفعال غير مشروعة، ومع غياب ردع فعّال، يترسخ هذا الواقع عملياً، رغم افتقاره لأي مشروعية قانونية.

اختلال المعادلة القانونية.. بين إلزام الآخر والتنصّل من الالتزامات

تجد الدول، ولا سيما الأردن، نفسها أمام معادلة دقيقة بين التمسك بالأطر القانونية القائمة والدفاع عن الوصاية التاريخية من جهة، وواقع ميداني يقوم على اختلال جوهري في تطبيق هذه القواعد من جهة أخرى، فالاحتلال يمارس سلوكاً يقوم عملياً على إلزام الطرف الآخر بالقيود والاتفاقات، مقابل تنصّل منهجي من التزاماته (الإلزام وليس الالتزام)؛ ما يفرغ هذه الأطر من مضمونها ويحوّلها إلى أدوات غير متكافئة.

«الحق» مهما كان واضحاً يحتاج إلى «قوة» تحميه وإلا بقي معلقاً بين الشرعية النظرية والواقع المفروض

وفي هذا السياق، لا تكمن الإشكالية فقط في ضعف الأدوات الدبلوماسية، بل في الاستمرار في التعويل على منظومة قانونية واتفاقيات ثنائية يجري تقويضها فعلياً من طرف الاحتلال على الأرض، حيث يُفرض واقع جديد يتجاوز النصوص، بينما تبقى الاستجابة محصورة في أضيق الحدود.

وفي المحصلة، لا تكمن خطورة إغلاق المسجد الأقصى في كونه إجراءً ميدانياً فحسب (رغم عدم قانونيته)، بل في كونه اختباراً حقيقياً لقدرة القانون الدولي على الصمود أمام منطق القوة، فالنصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة ما لم تُسند بإرادة سياسية حقيقية وآليات إلزام فعالة، وفي ظل بيئة دولية تتسم بازدواجية المعايير، وغضّ طرف فعلي من بعض القوى المؤثرة، يتحول التنديد إلى جزء من المشهد لا أداة لتغييره، وهنا تبرز الحقيقة الأكثر إيلاماً؛ أن الحق، مهما كان واضحاً، يحتاج إلى قوة تحميه، وإلا بقي معلقاً بين الشرعية النظرية والواقع المفروض.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة