العنف يبدأ فكرة!

هل يمكن للإنسان أن يقتل إنساناً دون أن يلمسه؟ الإجابة المختصرة: نعم، عندما يتحول العنف من مجرد فعل جسدي إلى أيديولوجيا فكرية تدمر العقول.

أكاديمياً، العنف ليس سوى الاستخدام المتعمد للقوة -المادية أو المعنوية- لإحداث الضرر، سواء كان ذلك إصابة جسدية أو أذى نفسياً عميقاً، إنه وحش ذو أوجه عديدة؛ يبدأ بصفعة خفية في المنزل (العنف الأسري)، مروراً بكلمة قاسية تكسر الروح (العنف اللفظي/النفسي)، ويصل إلى أخطر أنواعه؛ وهو العنف الفكري، هذا الأخير هو الذي يغذي التعصب، ويشرعن الكراهية، ويجهز القاتل بسلاح القناعة الزائفة، محولاً اختلاف الرأي إلى سبب للإبادة، إنه السُّمّ الذي يُغتال به مفهوم التعايش.

العنف الفكري

في دهاليز التاريخ الحديث، لم تكن أكبر المآسي نتيجة لغضب عابر، بل كانت حصاداً مراً لبذور الفكر المتعصب؛ حيث إن الإرهاب الذي ضرب العالم كان نتيجة مباشرة لقصص غسيل أدمغة بدأ بخطاب كراهية في تجمع، تروي هذه القصص كيف أن تحويل البشر إلى مجرد «أعداء» أو «كفار» في الأيديولوجيا، هو ما يمنحهم الحق بقتلهم بلا وازع.. العنف الفكري هو غرفة العمليات التي تُجهَّز فيها الأفعال الإجرامية الكبرى.

لا يوجد دين يحض على السلام والعدل كنص أصيل مثل الإسلام، الذي جعل حفظ النفس من أهم مقاصده، في مواجهة العنف والعدوان، قدمت السيرة النبوية نموذجاً خالداً لإدارة الصراع دون الانزلاق إلى الثأر المدمر؛ حيث إن ذروة هذا المنهج تجلت في «فتح مكة»، بعد سنوات من الأذى والإخراج والقتال، دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة الظافرة وهو قادر على تصفية كل حساب، لكنه اختار أن يسجل التاريخ أعظم مواقف العفو الإنساني: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

لم يكن هذا مجرد تسامح، بل كان انتصاراً للقيم على الغضب، وإرساء لقاعدة أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الرحمة، وأن الغاية ليست الانتقام، بل بناء مجتمع آمن ومستقر.

العنف الرقمي والإحصاءات الصارخة

اليوم، تغيرت ساحة المعركة، وأصبحت شاشات هواتفنا ميادين جديدة للعنف؛ فالابتزاز الإلكتروني والتنمر السيبراني يمثلان الشكل الجديد والأكثر خبثاً للعدوان، هنا، يتم تجريد الضحية من كرامتها علناً، وغالباً ما يدفعها هذا العنف الصامت إلى أقصى درجات اليأس.

على الصعيد الإحصائي، تظهر الأرقام العالمية عنفاً مروعاً، فواحدة من بين كل 3 نساء على مستوى العالم تتعرض لشكل من أشكال العنف.

وفي منطقتنا الخليجية والعربية، تشير التقارير المتخصصة، وإن كانت غير رسمية بالكامل، إلى تزايد حاد ومقلق في بلاغات الجرائم الإلكترونية المتعلقة بالتهديد والابتزاز في دول مثل الكويت، خاصة في أوساط الشباب، هذا يؤكد أن الإرهاب قد يخرج إليك من شاشة حاسوبك، مهدداً خصوصيتك وحياتك.

الوقاية من العنف تبدأ من الداخل، بالسيطرة على غضبنا قبل أن يسيطر علينا، إن الشاعر العربي يضع بين أيدينا وصفة ساحرة لإدارة العلاقات والسيطرة على الانفعالات، وهي وصفة تحتاجها نفوسنا اليوم أكثر من أي وقت مضى:

إذا كنت في كل الأمور معاتباً      صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

هي دعوة إلى الترفُّق، وإلى إعطاء مساحة للعيب البشري، وإلى أن تكون الإدارة الحكيمة لمشاعرنا هي السد المنيع الذي يمنعنا من أن نتحول إلى مصدر أذى للآخرين.

إن دراسة العنف لا تكتمل دون الإشارة إلى الحالات التي يتجاوز فيها العنف كونه سلوكاً فردياً ليصبح عنفاً بنيوياً (Structural Violence)، هذا النوع من العنف، كما وصفه عالم الاجتماع يوهان غالتونغ، هو الضرر الذي يلحق بالبشر نتيجة للترتيبات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تمنعهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية وتحد من إمكانياتهم.

في سياق غزة، يتجلى العنف البنيوي من الكيان الصهيوني في صور متعددة:

  • الحصار:

الذي يمثل عنفاً اقتصادياً ولوجستياً ممنهجاً يحرم السكان من الغذاء والدواء والطاقة؛ ما يؤدي إلى تدهور صحي واجتماعي طويل الأمد.

  • التهجير القسري:

الذي يمثل عنفاً مكانياً ونفسياً يدمر النسيج الاجتماعي والارتباط بالأرض.

  • العنف المباشر بالقصف والاشتباكات:

وهو الجانب الأكثر وضوحاً، لكنه جزء من دورة أوسع يغذيها العنف البنيوي المستمر.

بهذه الطريقة، لا يصبح العنف مجرد فعل، بل منظومة متكاملة تستخدم أدوات الحصار، والسياسة، والقوة العسكرية لفرض حالة دائمة من الضعف واليأس على شريحة من السكان.

العنف ليس قدراً وإنما اختيار، إنه يتمدد ويتطور، من فكرة متطرفة إلى ابتزاز إلكتروني يفتك بالضحايا، ومكافحته تتطلب منا أن نتبنى منهج الرحمة النبوي في التعامل، وأن نتحلى بالوعي لخطورة العنف الفكري والرقمي، والأهم من كل ذلك أن نروض غضبنا ونسيطر على دواخلنا، لا يمكن أن تبني السلام في العالم قبل أن تبنيه داخل نفسك.

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة