العناد الطبيعي عند الأبناء (7)

أثر الأسلوب الأبوي على درجات العناد عند الأبناء

أشارت لنا السُّنة النبوية إشارة صريحة وعميقة عن مدى تأثير الوالدين وأساليبهما وأفكارهما وعقائدهما في الطفل وفي توجهاته، وهذا ظاهر جليّ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ»(1).

فالطفل يُولد على الفطرة، صفحة بيضاء، مستعداً للخير والحق، ولكن أسلوب الوالدين يكتب في هذه الصفحة بما لا يُمحى، فالحزم الحكيم يُرسخ الانضباط والثقة، والرفق يحمي القلب الصغير من الانكسار، والتناقض أو الإفراط في السيطرة يغرس العناد والمقاومة.

فالحديث النبوي هنا يُذكرنا أن البيئة التربوية هي القلم الذي يُشكل شخصية الطفل، ومن هنا لا بد أن نعلم أن اختيار الأسلوب الصحيح ليس رفاهية، بل مسؤولية تربوية تحمي فطرته وتزرع فيها إرادة واعية وثقة بالنفس.

والدراسات العلمية الحديثة تُثبت أن العناد لا يُولد فجأة، ولا ينبت بلا جذور، ولكنه سلوك يتشكل ببطء، ويتأثر بدرجة كبيرة بالبيئة التربوية المحيطة به، وعلى رأسها أسلوب الوالدين في التعامل معه، فطريقة الأب أو الأم في الحديث وإعطاء الأوامر، والتفاعل مع رفض الطفل، يمكن أن تكون وقوداً للعناد، كما يمكن أن تكون مطفأة له.

ونبهت الدراسات التي بحثت في سوء معاملة الآباء لأبنائهم على دور السوابق التربوية للعائلة، وأشارت إلى أن السلوكيات الوالدية سواء كانت عنيفة أو يمكن احتمالها يتم نقلها من جيل إلى جيل آخر عن طريق الأب والأم أو كليهما معاً(2)، والأبحاث الحديثة أيضاً في علم نفس النمو تؤكد أن 33% من العناد يتحدد بالأسلوب الأبوي (خاصة الأم)، وليس فقط بطبع الطفل أو مزاجه أو الجينات المكنونة بداخله، وهذا يجعل دور الوالدين أساسياً في تحويل العناد إلى تعلم، أو معركة، أو تحويل العناد من طبيعي إلى مرضي.

وهنا سنتكلم عن بعض الأساليب الوالدية التي تزيد من العناد وحِدَّته:

أساليب تربوية تزيد من حدة العناد

1- عناد الآباء والأمهات:

العناد ينتقل من الوالدين للأبناء، ويتعلمه الأبناء من الوالدين؛ لأن الإنسان ابن بيئته، فحينما تنفتق عيون الأبناء على سلوك العناد لدى الآباء والأمهات، حينها سيتعلمون أن هذا سلوك سائد ومرغوب للحصول على المراد.

2- التحدي المباشر:

يؤكد علم النفس التربوي أن التحدي المباشر بين الوالد والطفل (كأن يقول الأب للطفل: ستُنفذ الأمر رغم أنفك) يُنشئ ما يُسمى بــ«صراع الإرادات»؛ وهو من أقوى محركات العناد عند الأطفال، فعندما يشعر الطفل بأن كرامته أو استقلاله مهددان، تُفَعَّل داخله آليات الدفاع النفسي التي تدفعه لرفض الأمر لا لذات الأمر، بل لحماية ذاته وإثبات وجُوده.

وتشير دراسات النمو إلى أن الطفل من عمر 2 - 10 سنوات يمر بمرحلة حساسة لبناء الهوية الذاتية؛ ولذلك، فإن الأسلوب القهري أو المتحدي يُفسَّر داخلياً بأنه تقليل من قيمته، فيقابله بِرَدِّ فعل عكسي؛ من عناد، ومقاومة، وتجاهل، أو تأخير مُتعمد للاستجابة، ولهذا يؤكد المُختصون أن البديل الأكثر فعالية هو الأسلوب الحازم الهادئ الذي يقدم للطفل خيارات واضحة، ومساحة صغيرة للقرار، دون الدخول في صراع قوي غير متكافئ ينتهي بخسارة العلاقة التربوية.

3- الأوامر المباشرة بدون حوار:

حين تُلقى الأوامر على الطفل بلا شرح ولا حوار، يشعر أنه مجرد منفذ لا صاحب رأي وليس له أيّ قيمة، فتنغلق نفسه ويشتد تمسكه بالرفض، فالأوامر القاطعة توَلّد مقاومة داخلية، لأن الطفل يحتاج أن يفهم قبل أن يطيع، ويشعر بأنه كيان له قيمة، ويشعر باحترام الآمِرِ قبل أن يستجيب، ولهذا يصبح غياب الحوار بيئة مثالية لنمو العناد؛ إذ يتحول الالتزام من قناعة إلى قيد، ومن توجيه إلى مواجهة.

4- الأسلوب السُّلطوي في التربية:

للأسف، هناك آباء وأمهات منهجهم وشعارهم كشِعار فرعون، كما ذكر الله عنه: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ) (غافر 29)، فمنهجهم أنا وفقط، أنا السيد وأنتم العبيد، وهو يظن بذلك أنه يُحسِنُ صُنعاً، ولا يدري المسكين أن الأسلوب السُّلطوي لا يُعَلِّم الطفل الانضباط، بل يُعلمه المقاومة، فعندما يُدار البيت بصوت واحد لا يُسمع سواه، ينكمش شعور الطفل بالأمان ويبحث عن مَنفذ صغير ليثبت وجوده، فيتجسد ذلك في عناد متكرر، فالقسوة لا تخلق طاعة، بل تُوَلّد خوفاً مؤقتاً، ثم تمرداً دائماً.

5- الأسلوب المتناقض في التربية:

عندما يتغير ردّ فعل المُربي من يوم لآخر تجاه السلوك نفسه، يتعلم الطفل شيئاً واحداً؛ أن العناد يمكنه أن يُغير القواعد، فالأسلوب المتقلب يُربك حدوده الداخلية، ويفتح باب التجربة المتكررة، فيُصرّ الطفل على الرفض ليرى هل سيتراجع المُربي اليوم كما تراجع بالأمس أم لا؟ وهكذا يُصبح العناد أداة اختبار لا سلوكاً عابراً.

6- الدلال الزائد:

الطفل المدلل يظن أن العالم كله خاضع لإرادته، فتتحول كلمة «لا» إلى تحدٍّ شخصي، فالدلال الزائد يزرع في قلبه عناداً مبكراً؛ لأنه لم يتعلم أن الحدود جزء من الحياة، فكل رفض يصبح ساحة لاختبار القوة والسيطرة.

7- عدم فهم مشاعر الطفل:

عندما يغفل المُربون عن مشاعر الطفل يشعر حينها بأن صوته لا يُسمع، وأن عالمه الداخلي غير معترف به، فالطفل يختار العناد كوسيلة لإعلان وجوده، ولتأكيد أن ما بداخله مهم، لأنه لم يجد من يستمع ويفهم.

8- التراجع المتكرر أمام صراخه وعناده:

كل تراجع أمام عناد الطفل درس في القوة بالنسبة له، فحين يلاحظ أن الرفض يُغير قرارات المُربي، يتعلم أن العناد وسيلة ناجحة لتحقيق ما يريد، فيزداد تمسكه برأيه، ويصبح العناد إستراتيجية متكررة لا مجرد لحظة غضب.

9- الإفراط في الأوامر والنواهي:

الطفل لا يثور على كل ما يُطلب منه فحسب، بل يثور أحياناً على شعور السيطرة المفرطة عليه، فالإفراط في الأوامر والنواهي يحول الطاعة إلى عبء، فيختبر الطفل حدود قوته بالرفض، فينمو العناد كاستجابة طبيعية لحياة يفرضها عليه الآخرون بلا مجال للاختيار.

10- التضييق الزائد:

التضييق الزائد يسجن الطفل داخل حدود ضيقة، فيثور بالعناد كصوت داخلي يطالب بالحرية، فحين يشعر أن كل خطوة مراقبة، وكل قرار مُقيَّد، يصبح العناد طريقة الطبيعي لإعلان وجوده واستعادة مساحة ولو صغيرة من الاستقلال.

فعلينا أن نعلم أن أساليبنا التربوية تترك بصمتها في روح الطفل، كل أسلوب قاسٍ أو متناقض يغذي عناداً عند الأبناء، وكل أسلوب حكيم وهادئ يزرع فيه الطاعة الواعية والثقة بالنفس.


____________

(1) صحيح البخاري، ومسلم.

(2) العلاقة بين أساليب المعاملة الوالدية المدركة والاتزان الانفعالي لدى الأبناء (بحث علمي) للدكتورة هدى كشرود، أستاذ محاضر بجامعة بوزريعة- الجزائر.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة