يوميات متقاعد (20)

من أسرار تأليف الكتب إلى مواجهة «التحيز الخفي» في العمل

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

الكتابة بين المنهج والقيم دروس من حوار ثقافي وتجربة مهنية

في 14 أبريل 2025م، كانت لي دعوة عشاء مع رجل عزيز وقريب إلى قلبي، عرفت فيه سعة الاطلاع وعمق الثقافة، كان اللقاء ودياً هادئاً، لكن ما دار فيه من نقاش كان ثرياً ويستحق أن يروى.

فبعد أن جلسنا وتبادلنا أطراف الحديث، طرحت عليه فكرة تأليف كتاب جديد وسألته سؤالاً ظل يشغلني فترة طويلة: هل من الأفضل أن يؤلف الكاتب كتابه وفق الترتيب الزمني للأحداث بحيث يسرد الوقائع شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة، أم يرتبه وفق الموضوعات فيجمع القضايا المتشابهة في فصل واحد مثل القضايا الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإيمانية؟

كان السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في أثره، فطريقة الترتيب ليست مسألة شكلية، بل تؤثر في فهم القارئ وتسلسل أفكاره واستيعابه للرسالة، صديقي كان يميل إلى الترتيب الزمني بحجة أن القارئ يتابع الأحداث كما لو كان يشاهد فيلماً متدرجاً فلا يضيع ولا يشعر بالتشتت، أما أنا فكنت أميل إلى الترتيب الموضوعي؛ لأنه يمنح وضوحاً وتركيزاً ويجعل كل قضية تناقش من جميع جوانبها في مكان واحد.

المبدأ المجرد قد ينسى بسرعة أما حين يقترن بقصة واقعية فإنه يثبت في الذهن

احتدم النقاش بيننا بروح ودية، كل منا يعرض حججه ويستشهد بتجارب كتب قرأها أو ألّفها، ثم خطرت لنا فكرة عملية لحسم الجدل؛ لماذا لا نستفيد من أدوات العصر ونسأل الذكاء الاصطناعي عن الرأي الأنسب في مثل هذه الحالات؟!

فكان الجواب مفاجئاً ومقنعاً في الوقت نفسه، اقترح أن نجمع بين الطريقتين، نقسم الكتاب إلى موضوعات رئيسة، وفي داخل كل موضوع نسرد الأحداث حسب ترتيبها الزمني، وهكذا نضمن وضوح الفكرة من جهة وتسلسل القصة من جهة أخرى.

أعجبني هذا الرأي؛ لأنه يجمع بين التنظيم والواقعية، ومنذ ذلك الوقت بدأت أتبنى هذا الأسلوب في كتبي ومحاضراتي، أقسم المادة إلى محاور واضحة ثم أرتب الوقائع داخل كل محور وفق تسلسلها التاريخي، والأهم من ذلك أننا اتفقنا على ضرورة إدخال القصص الواقعية في كل فصل، فالناس بطبيعتهم يحبون القصة، القصة تجعل الفكرة حية وتربط المبدأ بحدث ملموس وشخص حقيقي وزمان ومكان محددين.

تعلمت عبر سنوات التدريس في الجامعة أن المبدأ المجرد قد ينسى بسرعة، أما حين يقترن بقصة واقعية فإنه يثبت في الذهن، كنت كلما طرحت مفهوماً أو قيمة على الطلبة أتبعه مباشرة بقصة حدثت على أرض الواقع، أذكر لهم تفاصيلها ثم أستخرج منها العبرة، بهذه الطريقة يصبح الدرس أقرب إلى الفهم وأعمق أثراً في النفس.

من الحوار الثقافي إلى الميدان العملي

بعد يومين فقط، وتحديداً في 16 أبريل 2025م، كان لديَّ برنامج تدريبي للقطاع النفطي، حضر الدورة قرابة عشرين متدرباً من القيادات الوسطى والعليا من كبار المهندسين ورؤساء الفرق، كانوا يشرفون على عشرات، بل مئات من الفنيين والمهندسين، كان موضوع الدورة عن التحيز في بيئة العمل.

طرحت عليهم سؤالاً مباشراً: هل نمارس التحيز من غير أن نشعر؟ ساد الصمت في البداية؛ لأن الإجابة ليست سهلة، ثم بدأت النقاشات تتوالى، تحدثنا عن التحيز القائم على النوع الاجتماعي، وهل يمكن أن نفضل الرجال على النساء أو العكس في بعض القرارات؟ وتطرقنا إلى التحيز الوطني حين يميل المسؤول إلى من ينتمي إلى بلده أو ثقافته على حساب غيره، وناقشنا كذلك التحيز المرتبط بالعمر حين يفضل بعض المديرين الشباب بحجة النشاط ويهملون أصحاب الخبرة من كبار السن.

المعيار العادل في بيئة العمل الكفاءة والإنجاز والالتزام.. فصاحب الأداء العالي الأجدر بالتكليف

خلال النقاش، رفعت إحدى المهندسات يدها وقالت: بصراحة، نعم نحن نمارس التحيز أحياناً دون وعي، قد نقدم المواطن على العربي، ونقدم العربي على غيره فقط لأننا نشعر بقربه منا، وقد نميل إلى الشخص الأنيق صاحب المظهر الجذاب في المقابلات الشخصية دون أن ننتبه إلى أن معيارنا يجب أن يكون الكفاءة لا الشكل.

كانت كلماتها صادقة وشجاعة، أكدت أن التحيز ليس دائماً قراراً مقصوداً، بل قد يكون استجابة نفسية تلقائية تحتاج إلى وعي ومراجعة، اتفقنا جميعاً بعد نقاش مطول على أن المعيار العادل في بيئة العمل الكفاءة والإنجاز والالتزام، فصاحب الأداء العالي والهمة المرتفعة والحماس الواضح هو الأجدر بالتكليف بغض النظر عن جنسه أو عمره أو مظهره أو خلفيته.

التحيز.. بين الواقع والتجربة

شاركتهم تجربة قديمة من سنوات دراستي في الولايات المتحدة في السبعينيات، في تلك الفترة كانت نسبة النساء في كليات الهندسة منخفضة جداً، أحياناً كنا نجلس في قاعة تضم ستمائة طالب ولا نرى إلا عدداً محدوداً جداً من الطالبات وغالباً ما يكن من دول أخرى، لم يكن التشجيع المجتمعي للنساء على دخول التخصصات الهندسية قوياً كما هو اليوم.

لكن مع مرور الوقت تغير الوضع تدريجياً، بدأت نسبة الطالبات ترتفع في التسعينيات، ثم بعد عام 2000م أصبح حضور النساء في التخصصات العلمية أكثر وضوحاً، هذه التجربة تذكرنا بأن بعض أشكال التحيز قد تكون متجذرة في ثقافة مجتمع معين، لكنها ليست قدراً ثابتاً بل يمكن معالجتها بالوعي والسياسات العادلة.

القيم الدينية والمهنية في مواجهة التحيز

في نقاشنا عدنا إلى الأساس القيمي، في المجال الديني، حسم القرآن الكريم معيار التفاضل بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)؛ هذا المبدأ يحرر الإنسان من مقاييس اللون والعرق والنسب، أما في مجال العمل فالمعيار هو الكفاءة والإنجاز وتحمل المسؤولية، لا يجوز أن نقدم شخصاً لأنه قريب منا أو يشبهنا في الخلفية الاجتماعية، فالعدالة المهنية تقتضي أن نمنح الفرصة لمن يستحقها.

ومع ذلك، لا يعني هذا إقصاء من يضعف أداؤه، بل المطلوب تحفيزه وتطويره، وناقشنا في الدورة وسائل التحفيز مثل منح الصلاحيات وتفويض المسؤوليات وإشراك الموظف في اتخاذ القرار، حين يشعر الإنسان بالثقة والمسؤولية غالباً ما يرتفع أداؤه ويتحسن عطاؤه.

رسالة إلى الشباب

هذه المواقف المتتابعة من حوار ثقافي إلى دورة مهنية تقدم درساً واضحاً للشباب، أول الدروس أن المنهج مهم سواء في الكتابة أو في الحياة، والتنظيم والوضوح يساعدان على إيصال الفكرة وتحقيق الهدف، وثاني الدروس أن القيم لا تنفصل عن الممارسة اليومية، ويمكن أن نتحدث عن العدالة والمساواة ساعات طويلة لكن التحدي الحقيقي هو تطبيقها حين نملك سلطة القرار.

لنحرص على أن يكون منهجنا واضحاً وقيمنا ثابتة وقراراتنا عادلة.. ونجمع بين قوة الفكر ونبل السلوك

وثالث الدروس أن الوعي هو الخطوة الأولى للإصلاح، قد نقع في التحيز دون قصد، لكن الاعتراف بالمشكلة يفتح باب المعالجة، والشاب الواعي هو الذي يراجع نفسه قبل أن يراجع غيره، ويسأل: هل حكمي مبني على حقائق أم على انطباعات؟

إن بناء مجتمع عادل ومؤسسة ناجحة يبدأ من فكرة صادقة تروى في كتاب ومن موقف عادل يتخذ في اجتماع عمل، وبين الفكرة والموقف تتشكل شخصية الإنسان، فلنحرص على أن يكون منهجنا واضحاً وقيمنا ثابتة وقراراتنا عادلة، وبهذا نكون قد جمعنا بين قوة الفكر ونبل السلوك، وقدمنا نموذجاً يليق بشباب يسعون إلى القمة بعلم وعدل ومسؤولية.

هذا وبالله التوفيق.

___________

مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة