صفحات مضيئة من حياة رائد الإعجاز العلمي (4)
المناظرات الكبرى للدكتور زغلول النجار في الغرب ومعركة «الإعجاز العلمي»
كانت المدة التي
قضاها د، زغلول النجار رحمه الله في الولايات المتحدة ثرية جداً بالعمل للإسلام
ولفلسطين، لا سيما أنها صادفت زيارة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات إلى
الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحدّثه في برلمانها (الكنيست)، وقد جاب د. النجار
حينها مختلف الولايات الأمريكية مدافعاً عن فلسطين، وتحدّث إلى إعلامها، وظهر في
مقابلات عدة في تلفزيوناتها، فعُرف بين الناس، فصاروا يدعونه للحديث عن الإسلام،
والدخول في مناظرات مع القساوسة وأحبار اليهود، وغدا صاحب باع طويل في ذلك.
مع مقرر ملحد في مؤتمر الشرائع في أمريكا
حدثني مرة أنه
تلقى خطاباً من جهة أكاديمية يدعوه للمشاركة في مؤتمر عن النصرانية واليهودية
والإسلام، يقول: فترددت في المشاركة، وقلت في نفسي: هناك من هو أولى منك بالمشاركة
في مثل هذه المناظرات يا زغلول، وكنت قد ترجح عندي ألا أشارك، إلى أن تحدث معي
شخص، وقال: إنه يخشى إذا لم يشارك في تلك المناظرة (أي الشخص الذي تحدث إليه) ألا
يوجد أحد آخر يمثل الإسلام.
يقول: وأنا أعلم
أنه أقدر مني في المناظرات، لكنه يخشى ألا يفي هو وحده بالموضوع، فانشرح صدري
للمشاركة، وبعثت رداً على الخطاب الذي وصلني من منظم المؤتمر بالموافقة، وهم من
جهتهم أرسلوا إليَّ تذاكر السفر.
ويضيف د. النجار
قائلاً: استقبلني عند وصولي إلى مطار تلك المدينة رئيس اللجنة المنظمة استقبالاً
حسناً، وبينما نحن نمشي في المطار متوجهين إلى السيارة، فاجأني بقوله: قرأت سيرتك
الذاتية الثرية، فهل لديك مانع من أن تكون رئيساً للمؤتمر؟
يقول: فجعلت أقلّب
الأمر في ذهني، وقلت في نفسي: أن أكون رئيساً لمثل هذا المؤتمر أفضل من أكون
مرؤوساً، فقد تُمرَّر التوصيات دون أن يكون لي تأثير فيها، فوافقت، وسُرَّ هو بذلك،
يقول: بدأت جلسات المؤتمر، وبدأت معها الإثارة، فبعد أن تحدث المتحدث الأول عن
النصرانية، ثم الآخر عن اليهودية، جاء وقتي في الكلام، فتحدثت كعادتي عن الإسلام
بإسهاب، وبطريقة سهلة وأسلوب علمي ومنطق يفهمه الغربيون، فنال حديثي إعجاب الحضور.
وفي نهاية
الجلسة، جاء وقت المقرر ليلخِّصَ أهم استنتاجات الجلسة الأولى وتوصياتها، فإذا به
يعرض ما قاله المتحدثان الأولان بجودة وإسهاب، لكنه تجاهل كثيراً مما تحدثت به عن
الإسلام عمداً، فعقبت على ما ذكره المقرر، وأضفت ملخصاً عما تحدثت به عن الإسلام،
وتكرر مثل ذلك في الجلسات التي تليها في ذلك اليوم، وفي كل مرة أقوم بإضافة ما
يثري تلك الاستنتاجات عن الإسلام بصفتي رئيساً للمؤتمر.
يقول د. النجار:
فعزمت على معرفة ما يدور في ذهن هذا المقرر، فدعوته بعد الجلسة الأولى من اليوم
الثاني إلى جلسة لتناول القهوة (والقهوة أصلاً على حساب المؤتمر)، فوافق، وجلسنا
نتحاور معاً على طاولة القهوة، فبادرته بقولي: أرى أن ملخصاتك بشأن الأوراق
المتعلقة بالمسيحية واليهودية شاملة، وتعكس وجهات نظر المتحدثين، ولا أراك تقوم
بالأمر ذاته عندما تتحدث عن الإسلام!
فرد قائلاً،
وبأدب: ليكن في علمك، أني لست مسيحياً، ولا يهودياً، بل أنا ملحد، لا أؤمن بدين،
ولا بوجود إله! فتعجبتُ من رده! كيف لملحد أن يكون مقرراً لمثل هذا المؤتمر! قلت
له: وكيف ذلك (أي نحن في مؤتمر عن الأديان والشرائع)؟
فرد قائلاً:
أنتم تدّعون وجود رب رحيم حكيم، ومتحكم في كل شيء، فقلت له: نعم هو كذلك، فرد
قائلاً: فكيف تفسر ما مررت به أنا في شبابي، حيث وقع طفل صغير في حفرة ضيقة عميقة،
وحاول الناس إخراجه ففشلوا، ومنهم رجال الدفاع المدني والطوارئ، وظل الطفل في خوف
ووجل في تلك الحفرة الضيقة المظلمة يبكي أياماً، ولا حيلة لنا غير المحاولة، حتى
خفت صوته دون أن نتمكن من إخراجه، إلى أن مات، وملأت قلوب أهله الحسرة عليه؟ فقل
لي: أين ذلك الرب الرحيم؟ وما ذنب طفل صغير كي يموت على مثل تلك الحالة من الخوف
والظلمة والوحشة؟
يقول د. النجار:
فوقع في قلبي أن أحدثه بقصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، قلت له: سأجيبك على
ذلك بقصة وردت في القرآن، ثم بدأت أشرح له تلك القصة كما جاءت في سورة «الكهف»،
وما جرى لموسى الذي لم يستوعب الحكمة من قيام الرجل الصالح بخرق سفينة الفقراء
التي يسترزقون منها، وقتل الطفل دون سبب ظاهر، وإصلاح جدار اليتيمين وكل ذلك بعد
أن خذلهما قومهما في القيام بأدنى واجبات الضيافة، وأن ذلك كان بوحي من الله.
ويضيف: رأيته
يصغي إليَّ بكل جوارحه، فأخبرته بحكمة الله من وراء ذلك، أن الله أراد لأهل
السفينة المحتاجين ألا تصادر منهم سفينتهم بعطب يسهل إصلاحه، وأراد أن يحميَ
الأبوين الصالحين من مستقبل سيئ عليهما وعلى المجتمع بموت ذلك الطفل قبل أن يكبر
ويطغى.
يقول د. النجار:
وفي أثناء حديثي كنت أختلس النظر إليه، فإذا بدموعه تنهمر، ثم واصلت حديثي، فقلت:
وعلى العكس من ذلك، فإن الجدار الذي أصلحه الرجل الصالح بمعاونة من موسى كان يخفي
كنزاً ليتيمين كان أبوهما صالحاً، يقول فبادرته قائلاً: وكيف لك أن تعرف مستقبل
طفل قريتك بعد أن يكبر؟ هل سيغدو صالحاً، أم شريراً مثل هتلر مثلاً، أو أسوأ منه؟!
وبعد قليل
سألني: أتلك القصة في كتابكم؟ قلت: نعم، قال: وكيف أحصل على نسخة مترجمة منه؟ فقلت
له: سأرسل لك نسخة منه فور رجوعي، يقول: فبعثت له بنسخة مترجمة من القرآن، وبعد
مضي نحو ستة أشهر، اتصل بي وأخبرني أنه أسلم، فسبحان مغيّر الأحوال، من حال إلى
حال، وهذه عبرة بألا نفوّت الفرص في قول الحق، فلعل أذناً مصغية تتلقفه، وقلباً
حاضراً يستوعبه.
مع قس مشاكس في جنوب أفريقيا
يقول د. النجار:
وفي أثناء وجودي في الظهران، تلقيت دعوة من جنوب أفريقيا للحديث عن الإسلام، في
سلسلة محاضرات في مقاطعات مختلفة هناك، ولم تكن الأوضاع في جنوب أفريقيا حينها
سهلة، فالفصل العنصري لم يزل على أشده، ونقاط التفتيش والتدقيق في التصاريح منصوبة
عند كل مقاطعة، فاستخرت الله، ثم قبلت الدعوة.
وبعد عدة أيام،
بعث إليَّ أحد مسؤولي العمل الإسلامي هناك، أن أحضر معك ما استطعت من مصاحف،
فالنقص في المصاحف هنا كبير، يقول: فأخبرت الإخوة ممن هم حولي في الظهران وفي
المنطقة الشرقية، بحاجتي إلى مصاحف لنقلها إلى جنوب أفريقيا، فتجمع عندي ما يقرب
من عشرين كيلوجراماً من المصاحف، فحمّلتها معي للسفر إلى جدة أولاً، ثم إلى جنوب
أفريقيا مباشرة.
ولكن حصل ما لم
يكن في البال، فبعد أن تسلَّمتُ بطاقة صعود الطائرة إلى جدة في مطار الظهران
الدولي، إذا بمنادٍ في الميكرفون ينادي باسمي، فتوجهت نحو الاستعلامات لأجد شخصين
لا أعرفهما بانتظاري هناك، فقال لي أحدهما مبتسماً: أأنت د. زغلول؟ فقلت: نعم، فرد
قائلاً: سمعت أنك ذاهب إلى جنوب أفريقيا، وأنك بحاجة إلى مصاحف؟ فقلت له: نعم،
ولكني أنهيت إجراءات صعود الطائرة، فرد قائلاً: لا بأس، سنرتب لك ذلك، ثم أكمل
قائلاً: قد جئت لك بطنٍّ من المصاحف!
ذهلت عندما سمعت
ذلك، وقلت: لو أنك أعلمتني من قبل، حتى أجهز نفسي ومالي لذلك، فنقل كل تلك الكمية
إلى جنوب أفريقيا ليس أمراً سهلاً، فرد الشخص الثاني، الذي اتضح أنه مسؤول الخطوط
الجوية السعودية في مطار الظهران، قائلاً: إن الخطوط السعودية ستتولى نقل المصاحف
إلى جدة مجاناً، لكن الرحلة من جدة إلى جنوب أفريقيا ليست على الخطوط السعودية،
فلا يمكننا فعل شيء هناك؛ لذا عليك تدبير أمر نقلها بعد ذلك.
قلت في نفسي: أن
أتدبر أمر كل تلك الكمية في جدة أمر صعب، ولكن لا يمكنك يا زغلول رد صفقة مثل هذه
مع الله، قلت لهم: توكلنا على الله، فحملت المصاحف معنا في نفس الطائرة، وركبت
الطائرة مهموماً مغموماً، أقلب الأمور في ذهني، ولا أدري كيف يمكنني حمل المصاحف
معي إلى جنوب أفريقيا، وأدعو الله أن يهيئ لي أمراً في ذلك.
ويضيف: نزلت من
الطائرة وأنا لا ألوي على شيء، وما أن خطوت في مطار جدة قليلاً، حتى سمعت منادياً
يناديني مرتين أو ثلاثاً، فانتبهت، فإذا هو د. محمد عبده يماني، وزير الإعلام
السابق في المملكة العربية السعودية، ولم يكن وزيراً حينها، يقول: وكنت قد درّسته
في جامعة الملك سعود، فرحب بي ترحيباً حاراً، وقال لي: ما لي أراك مهموماً شارد
الذهن؟ فأخبرته بطرف من القصة دون أن أذكر له عظم الوزن، فقال لي: والله لقد بعثني
الله إليك، أنا مسافر إلى جنوب أفريقيا الآن، وكان يسافر على طائرة خاصة صغيرة، فقال:
لمَ لا ترافقنا في طائرتنا، ونكون قد كسبنا صحبتك في هذه الرحلة الطويلة؟ يقول:
فأخبرته بالوزن، فرد قائلاً: لا عليك، سنغير الطائرة إلى واحدة أكبر.
سعدت بذلك أيما
سعادة، وحمدت الله على ذلك، ودعوت الله له، ثم أخذوا مني جواز السفر، وأنهوا
الإجراءات، ثم انطلقنا، وجرت أمورنا بكل يسر في كل مكان، يقول: وما أن حطت قدماي
مطار كيب تاون (حسبما أذكر) حتى انصرف كل منا إلى سبيله، ووجدت من يستقبلني هناك
من معدي البرنامج، ثم انتقلنا بالسيارة، وبدأت تنقلاتنا من هذه العاصمة، وتسلَّمتُ
في السيارة جميع التصاريح المطلوبة لتنقلاتي، وأخبروني أن مجال تحركهم معي محدود،
وأنه قد لا يسمحون لهم بالمضي معي عند أي نقطة تدقيق، ومن ثَمَّ عَلَيَّ المضي
وحدي مع السائق.
ويقول: لكن،
بفضل الله، ظلوا معي طوال الرحلة، وكانت الشرطة عند كل نقطة تفتيش يدققون في تلك
التصاريح، ويرون أني أستاذ في الجيولوجيا، وأني قدمت بدعوة رسمية لإلقاء
المحاضرات، فيتساهلون معنا جميعاً، ونمضي دون تعقيد.
يقول د. النجار:
كانت محاضرات جنوب أفريقيا ثرية، لأنها كانت موجهة لغير المسلمين عن حقيقة الإسلام،
فلم تكد محاضرة من تلك السلسلة تخلو ممن يعتنق الإسلام بعدها.
ويضيف: وصلنا
ذات مرة إلى مدينة بعيدة، فإذا بالناس قد اجتمعوا في مكان مفتوح في الهواء الطلق،
وقد امتلأت الساحة بجمع غفير من الناس ينتظرون المحاضرة، وكعادتي، تكلمت في تلك
المحاضرة عن مآثر الإسلام، وقد علمت بوجود قساوسة بينهم، وعندما أنهيت حديثي، طلب
عدد من الحضور إعطاءهم الفرصة للسؤال، ومما جذب انتباهي من بين كل أولئك، وقوف
أحدهم يطلب السؤال بإصرار، وكأنه يقول: دعوني أتكلم، فتجاهله مدير الجلسة، فقلت
له: لم تجاهلت الرجل؟ فرد قائلاً: إنه قسيس شرس، ولطالما أزعجنا، ووقف لنا
بالمرصاد في كل شيء.
فقلت في نفسي:
أهل الدار أعلم بما يقومون به، ومضى الأمر، والأخ يتجاهله مرة واثنتين، وثلاثاً،
والقس مصرٌّ على الحديث، فقلت له: دعه يقول ما يريد، ونحن هنا للرد على أمثاله، فأشرت
إليه أن تفضل وتحدّث، فقال: أمضيت سنوات كثيرة من عمري وأنا قس أدعو للنصرانية دون
كلل، ولم يَدْعُني أحد قط للسماع عن الإسلام، إلا ما قرأته مما كتبه غيرهم، وهذه
أول مرة أسمع فيها كلاماً بهذه العظمة عن الإسلام، وأنا هنا على هذا الملأ أشهد
ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وفور إسلامه نطق الشهادتين عشرات من
أصحابه، فكان ذلك فتحاً كبيراً!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً