جيوش المرتزقة في السودان.. خارطة الجنسيات والأجور والمهام

خالد محمد علي

27 أبريل 2026

199

جيوش المرتزقة في السودان.. خارطة الجنسيات والأجور والمهام

يُعد ملف المرتزقة في صفوف «قوات الدعم السريع» من أكثر القضايا تعقيدًا وتأثيرًا في مسار الحرب السودانية؛ إذ أسهم بشكل مباشر في تحويل النزاع من صراع داخلي محدود إلى سوق مفتوحة للارتزاق العابر للحدود؛ ما عكس تحولًا دراماتيكيًا في أشكال الحروب بالمنطقة، وفتح شهية عتاة المجرمين في أمريكا اللاتينية وروسيا وأوروبا إلى المجيء للسودان وأفريقيا، ومحاولة بيع خبراتهم القتالية مقابل الأموال، وهو ما يهدد بظهور جيوش كاملة من المرتزقة بالمنطقتين العربية والأفريقية.

الاستعانة بالمرتزقة

مع هجوم «الدعم السريع» على الجيش السوداني، في 15 أبريل 2023م، شهدت البلاد تحولًا تدريجيًا من تمرد داخلي إلى حرب ذات أبعاد إقليمية ودولية، خاصة استعانة التمرد بعناصر أجنبية ومرتزقة.

وبدأت إستراتيجية الاستعانة بالمرتزقة وتجنيدهم في صفوف المتمردين مع البدايات الأولى لمحاولة «الدعم السريع» السيطرة على السودان، حيث ظهرت تقارير إعلامية مؤكدة عن وجود مقاتلين أجانب، لا سيما من دول الجوار مثل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، مع استمرار الاعتماد على الشبكات القبلية العابرة للحدود.

ومع بداية عام 2024 حتى منتصف 2025م، تزايدت الخسائر البشرية في صفوف التمرد فانتقلت «قوات الدعم السريع» من إستراتيجية الاستقطاب القبلي إلى التعاقد الاحترافي مع شركات أمنية وشبكات دولية لتوريد المرتزقة.

وشهدت هذه المرحلة بدء تجنيد منظم لمرتزقة محترفين، خصوصًا من أمريكا اللاتينية، ووصول أول دفعات منظمة من المرتزقة الكولومبيين إلى دارفور أواخر عام 2024م، كما تم تشكيل وحدات شبه نظامية مثل «كتيبة ذئاب الصحراء».

وتم الاستعانة بقوات «فاغنر» الروسية الخاصة، التي كانت تعمل في دولة أفريقيا الوسطى وترتبط بعلاقات قوية وخاصة مع «قوات الدعم السريع» من سنوات قبل اندلاع التمرد.

وجاءت عمليات الاستعانة بالمرتزقة الأجانب لتعويض العدد الكبير من الخسائر البشرية في صفوف التمرد، حيث كانت «الدعم السريع» تعتمد سياسة الهجوم بأعداد كبيرة جدًا من مقاتليها مما يخلف أكبر عدد من القتلى.

ومنذ منتصف 2025 حتى 2026م، شهدت هذه المرحلة دخول شبكات دولية للتجنيد، بما في ذلك شركات خاصة ووسطاء، مع دعم لوجستي عبر ليبيا، بحسب تقارير دولية.

وأكدت تقارير أممية وإعلامية نقل مرتزقة عبر ليبيا إلى السودان، ومشاركة مئات الكولومبيين في القتال؛ ما استدعى فرض عقوبات أمريكية على شبكات التجنيد أواخر عام 2025م، كما رُصد دخول مرتزقة من خارج القارة الأفريقية بشكل علني؛ ما أدى إلى تحويل النزاع إلى حرب دولية بالوكالة.

وفي أوائل عام 2026م، وثّقت تقارير أممية وتحقيقات صحفية، من بينها تقارير لصحيفة «الجارديان»، هذا التحول بشكل واضح.

الجنسيات والأعداد التقديرية

تشير البيانات الاستخباراتية والحقوقية المتاحة حتى أبريل 2026م إلى تنوع واسع في تركيبة المرتزقة داخل السودان، ويمكن تفصيلها على النحو الآتي:

1- دول الساحل (تشاد، النيجر، مالي): يتراوح العدد بين 15 ألفاً و20 ألف مقاتل، معظمهم من المشاة والخيالة ينتمون إلى قبائل العرب الرحّل الممتدة عبر تلك الدول.

2- جنوب السودان: ما بين 3000 و5000 مقاتل، من بينهم عناصر عسكرية سابقة ومجموعات منشقة، معظمهم ينتمون إلى قبائل النوير، وقليل من الدينكة.

3- ليبيا: نحو 2000 مقاتل من مليشيات مرتبطة بالشرق الليبي، وبعض القبائل الأفريقية التي استوطنت في جنوب شرق ليبيا، بعد سقوط القذافي.

4- كولومبيا: ما بين 500 و1000 مقاتل من العسكريين المتقاعدين ضمن وحدات نخبة، مع تقديرات أخرى تشير إلى مشاركة أعداد أكبر منهم.

5- روسيا: بقايا مليشيا «فاغنر» التي تعمل في مناطق الغرب الأفريقي، أو ما يسمى بـ«فيلق أفريقيا».

وذكرت تقارير أجنبية أن عدد المنخرطين من هذه القوات في «الدعم السريع» يتراوح ما بين 500 إلى 800 مقاتل، يعملون كمستشارين وفنيين متخصصين في الطائرات المسيرة.

كما تشير تقارير إضافية إلى وجود ناطقين بالإسبانية في ساحات القتال، إضافة إلى اتهامات بوجود شبكات تجنيد عبر أوروبا، بما في ذلك شركات مسجلة في بريطانيا.

الخبرات القتالية

لم يعد دور المرتزقة مقتصرًا على سد النقص العددي، بل تطور ليشمل مهام تخصصية متقدمة، فالمقاتلون الكولومبيون يتولون مهام القنص وحرب المدن، لأنهم يتمتعون بخبرة واسعة في حروب العصابات ومكافحة التمرد والمخدرات، كما يشاركون في تدريب المقاتلين.

بينما يشرف الفنيون الروس على غرف العمليات، ويقودون عمليات توجيه الطائرات المسيرة، إضافة إلى تشغيل أنظمة التشويش الإلكتروني، إلى جانب إدارة الاتصالات العسكرية المشفرة، وتدريب مقاتلين غير مدربين، بما في ذلك حالات تتعلق بتدريب الأطفال.

ويمثل مقاتلو الساحل الأفريقي قوات الصدمة أو «الفزع» في الهجمات البرية الواسعة، خاصة في دارفور وكردفان، نظرًا لخبرتهم في القتال في البيئات الصحراوية والمفتوحة.

أجور المرتزقة

تعد الأموال الباعث الرئيس لانخراط المرتزقة في القتال بالسودان، رغم التفاوت الكبير في الرواتب، فإن التنافس كان كبيرًا بين مختلف جنسيات المرتزقة، وقد تم تقسيم المرتزقة إلى فئات من بينها المرتزقة النخبة والذين ينتمون إلى كولومبيا وأوروبا الشرقية، وتتراوح رواتب هؤلاء بين 2500 و4000 دولار شهريًا، وقد تصل الأجور اليومية في المهام الخاصة إلى 3000 دولار.

ويأتي بعد ذلك مقاتلو الجوار الأفريقي الذين يحصلون على مبالغ مقطوعة تتراوح بين 500 و1000 دولار عند التجنيد، مع السماح لهم بالحصول على غنائم عبر نهب ممتلكات وسيارات المدنيين السودانيين الفارين من الحرب.

وتعتمد «الدعم السريع» في تمويل جلب المرتزقة على عائدات مناجم الذهب خاصة التي تسيطر عليها قوات المتمردة في جبال عامر، إلى جانب شبكات غسيل أموال عابرة للحدود، تمر عبر عدد من العواصم الإقليمية.

توزيع المرتزقة

قام التمرد بقيادة حميدتي بتوزيع المرتزقة على المناطق الأكثر إستراتيجية بالنسبة لـ«الدعم السريع»، وجاء تركيز قوات دول الساحل والخبراء الكولومبيين في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، باعتبارها المرتكز الرئيس والإستراتيجي للتمرد لقربها من خطوط الإمداد في ليبيا وتشاد.

وكان للقناصة من قوات فاغنر والكولومبيين دور رئيس في السيطرة على الخرطوم والتمركز في المواقع الإستراتيجية بالعاصمة والجزيرة.

ودارفور عمومًا بما في ذلك نيالا تُعد المركز الأساسي لتمركز المرتزقة، بينما المثلث الحدودي السودان ليبيا مصر يمثل منطقة إستراتيجية للعبور والتموين.

شبكات التجنيد

تعتمد عمليات التجنيد والنقل على شبكات متعددة، تشمل شركات أمنية خاصة ووسطاء دوليين، خاصة في أوروبا.

ويتم نقل المرتزقة عبر مسارات كولومبيا وليبيا والسودان، إضافة إلى رحلات جوية خاصة، استُهدف بعضها عسكريًا في مطار نيالا.

واستخدمت «قوات الدعم السريع» أساليب متعددة لاستقطاب المرتزقة مثل الإغراء بالأموال، ووعودًا بوظائف مدنية أو أمنية، مع إخفاء الطبيعة القتالية الحقيقية للمهام.

ضرب السيادة الوطنية

أدّى دخول المرتزقة إلى نتائج عميقة على مختلف المستويات، حيث ساهموا في:

1- رفع كفاءة العمليات الهجومية.

2- تحسين استخدام التكنولوجيا العسكرية لدى المتمردين.

3- إدخال تكتيكات جديدة.

4- المشاركة في السيطرة على مناطق ومعارك حاسمة، مثل الفاشر.

ونظرًا لغياب الروابط الاجتماعية بين المرتزقة والسكان الأصليين، فقد أدى ذلك إلى تصاعد حاد في الانتهاكات، بما في ذلك الاغتصاب، والإبادة العرقية كما حدث في الجنينة والفاشر، إضافة إلى النهب المنظم للممتلكات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة