العلاقة الحميمية.. بين القصور والوفاء
أستاذي الفاضل د. يحي
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته تحية تقدير لكل العاملين بمجلة المجتمع، أنا رجل أبغ من العمر 39 عاما
وزوجتى 35 عاما، تزوجنا من حوالي 10 سنوات رزقنا الله بثلاثة أولاد، ولله الحمد من
الله علينا بالمودة والرحمة. منذ حوالي 6 أشهر أُصبت بفيروس خطير كاد يقضي على
حياتي لولا أن من الله علي بالشفاء ولله الحمد. أثر المرض والعلاج عليّ، فلم أعد قادرا
على ممارسة علاقتي الزوجية كلية.
مما يضاعف ألمي، إن العلاقة
الحميمية كانت تمثل مصدر هام وأساسي في سعادتي وزوجتي، وكانت هي حريصة جدا على
ذلك. حاليا أثر ذلك على علاقاتنا، فلم أعد أستطيع أن أنظر إلى عينيها، وكذلك هي
تتحاشى أي حديث خاص بيننا. أشعر بآلامها من الحرمان وأخاف أن أظلمها، هل أطلقها؟
إننا من قراء مجلتكم الموقرة، فهل من نصيحة؟
(1) الدنيا دار
ابتلاء، "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
(157) البقرة"، لذا حتى
يمنّ الله على عبده بقيض رحمته عليه الاحتساب والصبر الجميل.
(2) رغم قيمة وأهمية
العلاقة الحميمية بين الزوجين، إلا أن الزواج لا يقوم عليها فقط، بل إن هناك
العديد من عناصر الزواج التي يتمكن الزوجين من استمرار علاقاتهما الزوجية بكل
الرضا ودفيء المشاعر.
(3) من الناحية الشرعية والأخلاقية -ولا فرق بين الشريعة وحسن الخلق، فهما
متلازمان- يجب على الزوج الذي يجد أنه لا يستطيع
تلبية احتياجات زوجته من العلاقة الحميمية أن يخيرها، ولا حرج عليها أن طلبت
الطلاق، ولها كل حقوق المطلقة. الزوجة محبوسة على زوجها، ولا يباح لها
التعدد كالزوج، لذا فيجب الزوج أن يخيرها. إن تجاهل الزوج حالته فيه ظلم لزوجته
مما قد يلجئها إلى:
أ) الصبر حرجا دون مسامحة لزوجها.
ب) اللجوء الى التقاضي.
ت) تعرضها للفتنة والخطأ
الحل:
إن من أهم مقومات الحياة الزوجية بعد الإخلاص، الثقة بين الزوجين والصراحة
والوضوح بكل شفافية، لذا عليك يا أخي الكريم:
الرضا
كل الرضا وحمد الله على أن من الله عليك بالشفاء والصبر الجميل على ابتلائك، وهيئ
نفسك بالرضا بالقرار الذي ستتخذه زوجتك، فتفوز ببشرى الله لك، وأي فوز هذا!.
أدعو
زوجتك لجلسة ايمانية، أذكر لها نعم الله عليك بها، وأن ولله الحمد قد ابتليت أنت
وليس عليها فرض شرعا أن تشاركك في ابتلائك، وأنك تعفيها وتعطيها كل الحق في
الانفصال دون أي حرج ولها كل الحقوق كمطلقة.
للزوجة
التي ابتليت بزوج غير قادر على الوفاء باحتياجاتها من العلاقة الحميمية أقول:
إن كنت تخافين على نفسك الفتنة، فلا حرج عليك أن تطلبي الطلاق فهذا حقك، سواء خيرك زوجك بكرم خلقه أم
تجاهل احتياجاتك وقصوره عن تلبيتها، وأي كانت الخسائر الاجتماعية أو المالية المترتبة
على الطلاق فلا تساوي -نعوذ بالله- الوقع في الفاحشة.
رسالتي
لكل زوجين بصفة عامة، ولكل زوجين يعاني أحدهما من قصور في الوفاء باحتياجات زوجه
الحميمية ويعاني الآخر من حرمان، لصفة خاصة:
·
رغم قيمة وأهمية الإشباع حميمي، إلا أن الزواج
ليس عقد إشباع حميمي فقط، بل عقد مودة ورحمة وبوتقة متكاملة لتلبية الاحتياجات
الروحية والعقلية والنفسية والبدنية، "﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾"،
وإذا ضعفت بعض الوظائف، فإن
الرحمة توسّع المساحة التي تضيق بها القدرة.
·
حتى مع وجود ضعف أو قصور لدى الزوج، كثير من النساء
يمكن أن يشعرن بالاستمتاع والرضا الحميمي في إطار علاقة مليئة بالمودة والتفاعل
العاطفي، والانسجام والتناغم بين الزوجين.
على الزوج الذي يعاني من
قصور في قدراته الحميمية أن يعوض زوجته في باقي علاقاتهما معنويا وماديا، للأسف
بعض الأزواج حتى يعوض عجزه، وحتى لا يشعر إنه ضعيف، يكون أكثر صلابة وتعنت، فيعقد
علاقته بزوجته بدلا من أن يزداد قربا ولطفا.
بناء على
الثقة والشفافية والحب بين الزوجين يتفق الزوجان على أسلوب التعامل مع ابتلاء
عجز الزوج. ومن واقع ما يرد إلينا من استشارات نرى أن الزوجات نوعين
من حيث تعاملهن مع هذا الابتلاء:
غلق موضع العلاقة الحميمية
وكل ما قد يثيرها، مع بقاء، بل وتقوية كل العلاقات الزوجية الأخرى خاصة المحبة في
الله، مع كل الحب والتقدير بينهما. هذا ليس معناه أن الزوجة لن تعاني من الحرمان
نهائيا، ولكنها آثرت الابتعاد كلية عن كل ما قد يثيرها وبذلك قللت من احتمالات
استثارتها. ولعل هذا يتفق من الدراسات التي تؤكد على أن “الرجل غالبًا ما
يبدأ بالرغبة ثم يبحث عن الإشباع، بينما المرأة كثيرًا ما تبدأ بالتفاعل ثم تنمو
الرغبة.”[1] وهذا يتوافق مع
نموذج الرغبة “المستجيبة” الذي قدمه معهد الصحة الجنسية، حيث بيّنت الدراسة أن "كثيرًا
من النساء لا يشعرن برغبة تلقائية سابقة، بل تتولد الرغبة أثناء التفاعل العاطفي
والجسدي[2]".
زيادة جرعة الاشباع العاطفي،
والوصول الى الارتواء الحميمي بشكل ما مع الزوج رغم قصوره في إتمام علاقة كاملة.
لقد أفتي الدكتور القرضاوي فيي برنامج الشريعة والحياة: بأن كل ما بين الزوجين
خلال إلا ما نُص على حرمته، أو أن يعافه أحد الزوجين. لذا فمشاهدة الأفلام
الإباحية أو استخدام أي أدوات حرام،
أما
إن كنت ولله الحمد بعيدة عن مخافة الوقع في الخطأ، ففي هذا الحالة عليك تقييم قرار
الانفصال من عدمه بناء على ما يترتب على كل حالة من ايجابيات وسلبيات:
تأثير
القرار على الأولاد:
إن قرار الطلاق لا يتعلق فقط بالزوجين، بل يتعلق بالمقام الأول بالأولاد،
وعادة ما يكون القرار سلبيا عليهم مهما بذل الوالدان من جهود لتجنب أولادهم تبعيات
فقدانهم دفئ الحياة في محضن تربوي آمن. لذا فمن حق الأولاد على والديهم ألا يقيّما
طلاقهما من منطلق السلبيات والإيجابيات في علاقتهما الزوجية فقط، بل والأهم أثر
الطلاق على الأولاد. لذا فالقرار الخاص بالاستمرار في الحياة الزوجية من
عدمه، يجب أن يتضمن السلبيات والايجابيات في حالة الاستمرار مقارنة في حالة الطلاق
على الأولاد أولاً ثم الزوج. هذا لا يعني تجاهل الزوج للآلامه ومعاناته، ولكن إذا كان الزوج يمكنه التعامل مع سلبيات الاستمرار مقابل
تجنب الأولاد مشقة التشتت في حالة الطلاق، فتوصيتي بالاستمرار.
تاريخ
علاقتك الزوجية، عليك أن تسألي نفسك هل زوجي له رصيد من العطاء المعنوي والمادي ما
يجعل له كل الحق أن أكون بجانبه في محنته؟ بل في محنتنا؟ مهما كانت معاناتي من
الحرمان، فهو زوجي الحبيب! أم أنها فرصة للتخلص من عبئ هذا الزوج. لذلك دائما نشير
إلى أن العلاقة الزوجية علاقة استثمارية مع الله
في زوجي، فأنا أخلص لله، وأحسن بكل ما يوفقني الله به لزوجي دون إسراف أو
تقطير، فأعفو عن زلاته وأكرمه من فضل الله علينا دون منا أو استعلاء، منتظر الجزاء
الأوفى من الله، فإن ابتلاني الله في صحتي أو مالي أو ...، يكون لي عند زوجي رصيدا
من العطاء المعنوي والمادي، مما يساعده على أن يكون كريما معطاءً في ضعفي.
على
الجانب الآخر، إن شعرت الزوجه إنها لا تستطيع أن تلبي احتياجات زوجها الحميمية،
فعليها أن تعرض عليه الزواج من بعض من تتوقع أن تكون نعم الزوجة لزوجها ونعم الأخت
لها. كما أن على الزوج إلا يبادر إلى فكرة الزواج الثاني لمجرد عدم قدرة زوجته على
تلبية احتياجاته الحميمية، بل عليه التفكير العقلاني وقياس الأثار المترتبة كما
سبق أن أشرنا. كما أنه إذا كانت الزوجة لا تستطيع أن تلبي احتياجات زوجها الحميمية، وأخبرها برغبته في الزواج من
أخرى، إلا تأخذها أثرة النفس والغيرة المرضية مما قد يعرض زوجها للفتنة، بل تشاركه
في تقييم قرار الزواج بأخرى وأثاره وتكون عونا له على طاعة الله والوفاء
بالتزاماته تجاهها واتجاه أولادهما، وما هي المرأة التي تتوافق مواصفتها للانضمام
لهذه الأسرة.
خُلق هام:
يقول
المولى عز وجل "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ
لِبَاسٌ لَهُنَّ " (187) البقرة، ومن صفات اللباس الستر،
فواجب على الزوج ستر زوجه في كل أحواله، وما يتعلق بالعلاقة الحميمية بصفة خاصة.
كما حذرنا الرسول من أن يفشي أحد الزوجين علاقته الحميمية بزوجه: "إنَّ مِن أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً
يَومَ القِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إلى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي
إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا.[3]"، قال المناوي في فيض القدير: والظاهر أن المرأة كالرجل فيحرم عليها إفشاء سره.
يقول المولى عز وجل: "فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ " (229)
البقرة، إن أُبتلي زوج بضعف قدرة زوجه على الوفاء بحقه في العلاقة الحميمية، ووجد
أن قرار الاستمرار أولى لديه من قرار الانفصال، فعليه أن يحرص على الفوز بالأجر من
الله بغير حساب، "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ" (10) الزمر. أن يصبر على زوجه المريض صبرا جميلا. إن الإمساك
بالمعروف يعني الإحسان إلى الزوج بصفة عامة وفي عجزه بصفة خاصة وآلا يشعره بأي
نقص، وإلا فتسريح بإحسان. إن جبر خاطر الزوج قربى عظيمة إلى الله، وإن من أسماء
الله الحسنى الجبار أي الذي يجبر خواطر عبادة المنكسرين، فيكون هذا الابتلاء محنة
ربانية على الزوجين.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً