5 مفاهيم إسلامية قوية لمواجهة خطر الاستهلاك المفرط

محرر المنوعات

26 أكتوبر 2025

651


يشهد العالم المعاصر اليوم تصاعدا خطيرا وغير مسبوق في ظاهرة الاستهلاك المفرط، والتي انتقلت من الغرب إلى بلاد المسلمين بعدما احتلت بلادنا دور السوق الاستهلاكية الموسعة، وتخلت عن دورها في الإنتاج والصناعة والتصدير، واكتفت بدور المتلقي لكل ما يأتي من هناك، سواء كان منتجا ماديا تستهلك أموال المسلمين فيما لا مدعاة له، والمصنوع بأياد غربية، وحتى استيراد الأفكار واتباعها، أو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟)[رواه الشيخان]، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- مرفوعاً: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القُذَّةِ بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)، امتلأت الساحات بالإعلانات التجارية بمنتجات يومية جديدة وامتدت النزعة المادية لمعظم البيوت وصارت تهدد أخلاق الجيل الجديد، بل لقد ولد عليها، ففي هذا الوقت بالذات، تبرز قيمة مجموعة الأخلاق الإسلامية الخاصة بمفهوم الاستهلاك، والتي تضع حدودا للاستهلاك وتربطه بمبدأ الاعتدال، لتصنع من المسلم مستهلكا واعيا ومسئولا أمام الله، وأنمام المجتمع

أولا/ مفهوم الاستهلاك من المنظور الإسلامي

الإسلام دين الفطرة، لا يتصادم مع النفس البشرية ولا يكبلها فيما جبلها الله عز وجل عليه، والاستهلاك في حد ذاته ليس محرما لنفسه، لأنه سلوك فطري يتوافق مع الطبيعة الإنسانية، فالإنسان عموما يحب اقتناء الأشياء، قد يكون لاستهلاكها لجلب المزيد من الراحة النفسية والبدنية له، يحب أن يكون لديه دابة جيدة تنقله من مكان لمكان، قد تكون سيارة بسيطة، ثم يتطلع لتكون سيارة أعلى قيمة وأكثر راحة، يحب أن يكون له مسكنه الخاص، قد يكون شقة متوسطة على قدر استطاعته، لكنه لا يتوقف عن السعي لتكون تلك الشقة بعد الحصول عليها بيتا مستقلا تحيطه حديقة غناء، يحمل في يده هاتفا يتواصل من خلاله مع الآخرين، لكنه يظل يحلم باقتناء أحدث نسخة من الهواتف النقالة، يرتدي ملابس تكفيه حر الصيف وبرد الشتاء، لكن عينه دائما على ما هو أحدث، وما هو أغلى ثمنا، هكذا الإنسان في كل شئونه الدنيوية، فمنهم من يكتفي بالسعي والانتقال من حلم إلى حلم حتى يحقق بعض ما يريد تحت راية القانون والشريعة والمظلة المجتمعية، ومنهم من لا يكتفي، فتمتد يده لما هو أبعد من تلك القيوم التي تنظم الحياة عامة، فيجبره طمعه على الخروج عليها، متخطيا إياها، فيجلب الحرام، ليقتني ما تشتهي نفسه، وهنا تتبلور نظرة الغسلام إلى العملية الاستهلاكية لتضبطها وفقا للشرع ، ويأتي النص القرآني ليوضح تلك الإشكالية ويوازنها، أنت كإنسان تحب الزينة، وتحب طيب الطعام والشراب، وتحب الملابس الفخمة والأماكن المميزة، اقتني ما شئت داخل إطار المفهوم الإسلامي العظيم: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف: 31)، الإسلام لا يمنع التمتع بالنعم، لكنه يرفض تحويلها إلى عبء نفسي يقود الإنسان إلى التبذير والمظاهر الخادعة والمنافسة على متاع الدنيا، والدخول في دائرة الحرام أو الشبهات، فالغاية من الاستهلاك في الإسلام هي تحقيق الكفاية لا التفاخر، والاعتدال لا الترف، والطموح لا الطمع، يقول الدكتور عبدالله معصر[1]: (إن استقراء التراث الفقهي، يكشف لنا ما تختزنه أمهات كتب الفقه الإسلامي من اجتهادات وآراء حول موضوع الاستهلاك، انطلاقا من فهم النصوص وتنزيل الفقه على الواقع ليواكب مسيرة الحياة)

ثانيا/ قيمة الزهد والاعتدال في مواجهة النزعة الاستهلاكية

وعلى مر العصور وخاصة في العصر الحديث وانفضاض الناس عن المفاهيم الأصيلة للدين حتى صارت غريبة بين المسلمين أنفسهم، ابتدع البعض مفهوم الزهد بصورة تقزز العالم من المسلمين، وآخر تلك البدع المفاهيمية ما جرى في احد المساجد الشهيرة في بلادنا العربية، وما ابتدعته ما يسمى بالطريقة الصوفية أو البدوية بارتداء ملابس غريبة الشكل، وإتيان أفعال تتنافى مع عقيدة التوحيد مع إقبال أسطوري تخطى المليوني متابع لتك الاحتفاليات تحت شعار الزهد والتصوف، بينما الغسلام الحقيقي يبرأ من تلك المظاهر، فالزهد الحقيقي في قلب المؤمن، يتحرك به وهو يبني الدنيا بمفاهيم دينه، ينشرها ويتحرك بهاويعلمها لغيره، الدنيا في يده وليست في قلبه، يمتلك متاعها ولا يخضع لها، وإلا فلمن يتركها؟ يتركها لهؤلاء الجهال ينفرون الناس من الدين ويدعون أنهم من يمثلونه، يخربون العقول ويشوهون القلوب بأفعال ما أنزل الله بها من سلطان؟ وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المفهوم وهو خير أسوة للناس، فعن أنس رضي الله عنه قال: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا أكل خبزا مرققا حتى مات" (رواه البخاري)، فالزهد هنا لم يكن فقرا، ولم يكن تحريما لمتاع الدنيا، بل كان اختيارا ضد الاسراف، اختيارا يوضح كيف يعيش الإنسان على ما يحتاجه فعلا، وليس على ما يريده لمجرد أنه يريده، وقد مثل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك المفاهيم ببراعة، فقيمته كأمير للمؤمنين في دولة مترامية الأطراف لا تستطيع أن تبلغ حدودها ليست فيما يستهلك، وإنما في كيف يدير تلك الامبراطورية العظيمة دون أن يدخل قلبه منها مثقافل ذرة، كان أميرا للمؤمنين يرتدي ثوبا مرقعا، ويأكل الزيت والخبز كما يأكل فقراء المسلمين، وعن جابر رضي الله عنه قال[2]: رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا بيدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت : اشتهيت لحما فاشترتيه، فقال: أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر، أم تخاف هذه الآية: "أذْهَبتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا" (الأحقاف 20)، فالشراء والاستهلاك شهوة لا حدود لها، يجب ترويضها، وإحكامها بأحكام الدين

ثالثا/ قيمة القناعة والرضا كحاجز نفسي ضد التبذير

والقناعة هي الرضا باليسير من العطاء، وهي من أعظم القيم الإسلامية التي تمنح للإنسان توازنا داخليا وسلاما نفسيا في مواجهة المغريات المادية، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" (متفق عليه)، فالقانع لا يشعر بالفقر، لأنه يستغني بما في يده عما في أيدي الناس، عينه ليست ممتدة هنا وهناك بينما الله  عز وجل يقول: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى" [طه: 131]

وهنا يتحرر المؤمن من دوامة المقارنة بينه وبين غيره مما يتيهون في الأرض مستهلكين دون حاجة متأسيا بنبيه وصحابته من بعده رضوات الله عليهم أجمعين

رابعا/ قيمة التكافل الاجتماعي وتقليل الفرق بين الطبقات

ينطلق النظام الاقتصادي في الإسلام على عدة معايير مختلفة عن النظم الاقتصادية الأخرى، والتي تنقسم بين رأسمالية واشتراكية، فأما الرأسمالية فلا تعنيها إلا مصلحة صاحب المال حتى ولو كان الأمر فيه هلكة للآخرين، وإما اشتراكية فيضع حق صاحب المال، ولا يجد أحدا مسوغا للعمل والاجتهاد لتحقيق حياة اجتماعية متوازنة، لكن الإسلام ينطلق من: "الحاجة إلى التكافل الاجتماعي لتحقيق العدالة في توزيع الدخول والضروات ضمن معيار حد الكفاية لإخرج الأفراد من حلقة الفقر"[3]

فالقيم الإسلامية لا تتوقف عند تنظيم استهلاك الفرد، بل تربط بين السبلوك الاقتصادي والبعد الاجتماعي، فالزكاة والإنفاق في سبيل الله والصدقات هي سلوكيات عملية لتقليل الفوارق في الطبقات التي يسببها الاسراف المفرط، وهي في حقيقتها حق للفقير وليست منة فردية من احدهم على الفقراء، يقول تعالى: "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" (الذاريات: 19)، ويقول تعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم" (البقرة 261)، ويقول سبحانه: "وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى اجل قريب فاصدّق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء اجلها والله خبير بما تعلمون" (المنافقون 10:11)، هنا يكون الاستهلاك قيمة اجتماعية عظيمة، حين تنفق لتقوم بدور اجتماعي خطير، لم يتم في التاريخ إلا في دولة المسلمين

خامسا/ المحاسبة الذاتية ومتابعة النية في الاستهلاك

ومن لطف الله بالمسلمين، أن النية الحسنة تحيل العمل العادي لعمل عبادي، وقد ربط الإنفاق بعبادة الله حتى صار عبادة من أحب العبادات إلى الله تبارك وتعالى، وذلك بالطبع إذا وجه وجته الصحيحة في نفع المسلمين خاصة الفقراء منهم، ولذلك فتجديد النية في كل وقت حين تمتد اليد ولو بالقليل لتساعد محتاجا، ولذلك أيضا يجب استحضارها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه" (رواه الترمذي)، فيجب أن تكون المحاسبة يومية، بل مع كل كسب، أو شروع في عمل يكون الغرض منه الكسب المادي، فالله عز وجل طيبا، لا يقبل إلا طيبا، فلو أنفقت أموال الدنيا من حرام، فهي مردودة على صاحبها

وفي النهاية، إن مواجهة الاستهلاك المفرط لا تكفيه التدابير الاقتصادية أو الاجتماعية وحدها، وإنما يحتاجح لإعادة منظومة القيم الإسلامية لتعمل من جديد.

 

 



[1] رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء

[2] الموطأ للإمام مالك ص 936

[3] أ.م.د.إخلاص باقر النجار، العراق، جامعة البصرة، كلية الإدارة والاقتصاد، قسم العلوم المالية والمصرفية

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة