فطوبى للغرباء.. كيف تتحول الغربة إلى رباط؟
ليست الغربة
دائمًا أن تفارق وطنك، ولا أن تعيش بعيدًا عن أرضك وأهلك، قد تكون في بلدك، وبين
أقاربك وجيرانك وزملائك، ثم تشعر أن بينك وبين الواقع من حولك مسافة لا تقاس
بالكيلومترات؛ تكون غريبًا حين تتمسك بدينك في زمن يستغرب فيه الناسُ معنى الحلال
والحرام، وحين ترفض الظلم في بيئة ترى الصمت حكمة، وحين تحرص على الاستقامة في
واقع يصف الثبات بالتشدد، وحين تختار ضميرك على راحتك ومصلحتك
وقد يشتد هذا
الشعور حتى يثقل القلب، ويجعل الإنسان يسأل نفسه: كيف أعيش بين الناس ولا أذوب
فيهم؟ وكيف أثبت على الحق دون أن أقسو؟ وكيف أحتمل وحشة الطريق دون أن تتحول غربتي
إلى حزن دائم أو عزلة أو مرارة؟
وهنا تأتي
البشارة النبوية لتُعيد تسمية هذا الشعور، وتضعه في ميزان مختلف: «بدأ الإسلام
غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء»(1).
ليست «طوبى» هنا
دعوة إلى طلب الغربة لذاتها، ولا تزكيةً لكل من خالف الناس، وإنما هي تكريم لمن
بقي وفيًّا للحق حين قلَّ السائرون فيه، وثبت على ميزانه حين اضطربت الموازين، ولم
يجعل كثرة المخالفين سببًا للتنازل عن دينه أو ضميره، ومن هنا فإن أعظم ما يحتاج
إليه الغريب ليس أن يُغير مكانه أولًا، وإنما أن يتعلم كيف يحمل غربتَه دون أن
تحملَه هي إلى اليأس والانكسار.
إعادة فهم الغربة
إن أول ما يحتاج
إليه الغريب أن يُعيد فهم غربته؛ لأن الإنسان لا يتألم بالأحداث وحدها، وإنما
يتألم كذلك بالمعنى الذي يُعطيه لها، فإذا فسَّر وحدته بأنها دليلٌ على خطئه، وفسر
كثرة المخالفين بأنها برهانٌ على فساد طريقه، وفسر تأخر النتائج بأنه علامة على
عبث الثبات، أكلتْهُ الغربة من داخله قبل أن يُؤذيَه شيء من خارجه
أما الوحي فإنه
يُعيد ترتيب هذه المعاني، فلا يجعل الكثرة بذاتها دليلًا على الحق، ولا القلة
دليلًا على الباطل؛ قال تعالى: (وَإِنْ
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام:
116)، وقال سبحانه: (وَقَلِيلٌ
مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)، ومن هنا لا يستمد المؤمن يقينَه من
عدد الواقفين إلى جواره، وإنما من حقيقة الطريق الذي يقف عليه.
غير أن هذا
المعنى يحتاج إلى قدر كبير من التواضع والمراجعة؛ لأن الغربةَ ليست شهادةَ عصمة،
ومخالفةَ الناس ليست برهانًا كافيًا على صحة الموقف، قد يُخطئ الإنسان ويحسب خطأه
ثباتًا، وقد يتشدد ويظن تشددَه ورعًا، وقد تسوء أخلاقُه ثم يفسر نفورَ الناس منه
بأنه غربةُ أهل الحق؛ ولهذا فإن «طوبى» ليست لكل من استوحش من الناس، وإنما لمن
اغترب بالحق وللحق، بعد علم وبصيرة ومراجعة للنفس واستنصاح لأهل الحكمة؛ فإذا
استبان له الطريقُ لم تعد قلةُ الرفاق حجة عليه، ولم يعد تصفيقُ الجماهير لغيره
قادرًا على زلزلة يقينه، وتحول سؤاله من: «لماذا أنا مختلف عنهم؟» إلى سؤال أهدأ
وأصدق: «هل أنا على ما يُرضي الله؟».
حين تضيق الأرض وتتسع المعية
ثم يحتاج الغريب
إلى أن ينقل مركز الأنس في حياته من الخَلق وحدهم إلى الخالق؛ لا بمعنى الاستغناء
عن الناس، فالإنسان مفطور على الصحبة والمودة، وإنما بمعنى ألا يجعلَ قبولَ الناس
المصدر الوحيد لطمأنينته، وهذه من أعظم دروس القرآن في صناعة النفوس الثابتة؛ فحين
ضاقت الأرض برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار، ووصل المطاردون
إلى موضع قريب منهما، لم تتغير الجغرافيا في تلك اللحظة، ولم يختفِ الخطر، لكن
معنى الموقف كله تغير بكلمة واحدة: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40).
كانت مساحة
الغار ضيقة، وكان العدو قريبًا، وكانت الأسباب الظاهرة تدعو إلى الخوف، لكن المعية
وسَّعت ما ضاق من المكان، ثم جاء بعدها قولُه تعالى: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ
بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا).
وهذه المعية هي
أول وطن ينبغي للغريب أن يعمره في قلبه؛ فقد يستطيع الناسُ أن يضيقوا عليه مساحة
الحركة، وأن يحرموه من فرصة، وأن يشوهوا موقفه، وأن يخذله قريبٌ حبيب أو صديق
حميم، ولكنْ ثمةَ مساحةٌ لا يستطيعُ أحدٌ أن يدخلها بغير إذنه: وهي قلبه وصلته
بربه، فإذا عمّر هذا الموضع بالفقه الحقيقي الواعي، وصحبة القرآن والصلاة والذكر
والدعاء والخلوة الصادقة بالله، وجد في داخله سعةً قد لا يفهمُها مَن ينظر إلى
ظروفه من الخارج
ولهذا قرن
القرآنُ الصبر بالمعية فقال: (وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، وليس معنى المعية أن
تزول المحنةُ فورًا، وإنما أن لا يبقى الإنسانُ وحده داخل المحنة؛ وبين الأمرين
فرقٌ يصنع في القلبَ عالمًا كاملًا من السكينة.
الصبر ليس انتظارًا بل مرابطة
وهنا ينبغي
تصحيح معنى كثيرًا ما يُسيء الناس فهمه: الصبر؛ فالصبر في مثل هذه الغربة ليس أن
يجلس المظلوم ينتظر تغيرَ الأحوال، ولا أن يستسلم للفساد باسم الرضا، ولا أن يُسمي
العجز زهدًا، وإنما هو قدرة النفس على البقاء في موضعها الأخلاقي والإيماني من غير
أن تَكسرَها الضغوطُ أو تستفزَّها إلى ما لا يُرضي الله تعالى؛ ولهذا جاء الخطاب
القرآني أوسع من مجرد الصبر: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، فثَمةَ صبرٌ، ثُم مصابرة، ثم مرابطة؛
فالصبر ثبات متجدد، والمصابرة مقاومة لطول الطريق، والمرابطة حراسة للثغر الذي
أقامك الله فيه.
وقد يكون ثغرُك
كلمةَ حقٍّ تقولُها بحكمة، أو علمًا تُعلمه، أو طلابًا تربيهم، أو أبناء تحمي
فطرتهم، أو وظيفة تؤديها بأمانة وسط بيئة استمرأت التفريط، أو مالًا حلالًا تُصر
عليه حين تسهل طرق الحرام، أو موقفًا من الظلم ترفض أن تبيعه، أو مظلومًا تحرسه
وتنصره وتحميه، وليست المرابطة دائمًا مشهدًا صاخبًا؛ فكثير من أعظم صورها يحدث في
تفاصيل لا يراها أحد: موظف يرفض الرشوة، وتاجر يأبى الغش، وعالم لا يبيع فتواه،
وكاتب لا يجعل قلمه أجيرًا للباطل، وأب وأم يحاولان حماية بيتهما من تيار جارف،
وشاب يحرس قلبه في زمن أصبحت فيه أبواب الفتنة في جيبه.
هؤلاء جميعًا
يمارسون نوعًا من المرابطة؛ لأنهم يحرسون حدودًا داخل الإنسان والمجتمع، وقبلها
يحفظون حدود الله في نفوسهم ومجتمعاتهم!
وفي هذا المعنى
يأتي حديثُ أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي
على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر»(2)، وصورة
الجمر بالغة الدلالة؛ لأن القابض عليه يشعر بحرارته، والمؤمن ليس حجرًا لا يتألم؛
بل يتعب ويضعف ويحزن وربما يبكي، ولكن البطولةَ الإيمانية ليست ألا يشعر بحرارة
الجمر، وإنما ألا يُلقي ما يؤمن به لمجرد أن القبض عليه أصبح مؤلمًا.
المعنى المقاصدي للثبات
وإذا كانت
المرابطة حراسةً للثغر، فإن السؤال المقاصدي الذي ينبغي أن يطرحه الغريب على نفسه
هو: ما الذي أحرسه بثباتي؟ إنه لا يحرس موقفًا شخصيًّا فحسب، ولا يدافع عن راحة
ضميره وحدها؛ وإنما يحرس منظومةً من المعاني والقيم التي أراد الشرع بقاءها في
الإنسان والمجتمع: يحرس صلته بالله من أن تبتلعها الضغوط، وكرامته من أن تتحول إلى
ثمن للمصلحة، وميزان الحلال والحرام من أن تعيد الكثرة تشكيله، والعدل من أن تهزمه
الخصومة، وحق المجتمع في أن يبقى فيه من يقول للحق حقًا وللباطل باطلًا؛ ولهذا كان
القيام بالقسط تكليفًا يتجاوز صاحبه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (النساء: 135).
ومن هنا تتغير
دلالة الغربة نفسها؛ فليست القضية فقط ماذا يحتمل الغريب؟ وإنما ماذا يحفظ
باحتماله؟ وليس السؤال فقط: ماذا خسرتُ لأنني ثبتُّ؟ وإنما: ماذا كان سيضيع لو أن
كلَّ من عرف الحق تنازل عنه؟ بهذا المعنى يغدو الثبات فعلًا مقاصديًّا يتجاوز
نجاةَ الفرد إلى استبقاء الخير في المجتمع، ومنع الباطل من احتلال الضمير بعد أن
احتل الواقع، وحفظ إمكان الإصلاح للأيام القادمة، وقد لا يرى الغريب ثمرة موقفه
عاجلًا، لكن بقاء شاهد واحد على المعيار يعني أن المعيار لم يمت، وبقاء قلب واحد
يأبى التطبيع مع الفساد يعني أن الفساد لم ينتصر انتصارًا كاملًا.
لا تعش غربتك وحدك
ومع ذلك لا
يطالب الإسلامُ الإنسانَ بأن يُحوّل الغربة إلى بطولة فردية دائمة؛ فالقلوب تتعب،
والنفوس تضعُف، والإنسان مهما قَوِيَ يحتاج إلى مَن يسمعُه ويفهمه؛ فيُذكّره إذا
نسي، ويشد يده إذا أوشك أن يسقط؛ ولهذا فإن من أهم وسائل مقاومة الغربة صناعةُ
الصحبة، لا انتظار أن تهبط الصحبةُ المثالية علينا من السماء، قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف: 28)،
وتأمل التعبير: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ)؛ فكأن البقاء في البيئة التي تُعين
القلب على الثبات نفسه عمل يحتاج إلى قصد وصبر.
وقد علَّمتنا
قصةُ أصحاب الكهف المعنى نفسَه؛ فلم يكن كلُّ فتى منهم كهفًا مستقلًا، وإنما كانوا
جماعةً صغيرة آمنت في مجتمعٍ كبير كان يُخالفُها: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ
هُدًى) (الكهف: 13)، وفي زمننا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى جمهور واسع؛
فقد تنقذه من قسوة الغربة دائرةٌ صغيرة صادقة: أسرة واعية، وصديق صالح، وشيخ حكيم،
وزميل يشاركه القيم، وتلميذٌ ذكيٌّ نجيب، ومجلس علم، ومجموعة تعمل للخير؛ فالإنسان
لا يحتاج دائمًا إلى كثير من الناس، ولكنه يحتاج إلى بعض الناس الذين يستطيع أن
يجد معهم نفسه دون أن يعتذر عن إيمانه ومبادئه.
ولهذا ينبغي لمن
يشكو غربتَه أن يسأل نفسه أيضًا: ماذا فعلتُ لصناعة بيئة الأنس التي أحتاج إليها؟
فبعضنا ينتظر الصحبة ولا يبنيها، ويشكو غيابَ المجتمع الصالح ولا يُسهم في تكوين
نواته، والأسرة الواعية وطن صغير، والصداقة الصادقة وطن، وحلقة العلم وطن، والعمل
المشترك للخير وطن؛ وكلما ضاق الوطن الكبير بالإنسان أمكنه - دون أن ينعزل عنه -
أن يبني داخله دوائر صغيرة من المعنى والأخوة تعينه على إصلاحه.
لا تجعل الغربة تُعفيك من الناس
ومن أخطر ما
ينبغي أن يحذر منه الغريبُ أن تتحول غربتُه إلى مبرر للانسحاب من المجتمع؛ فالناس
الذين يخالفونك هم أنفسهم ميدان دعوتك وإصلاحك وإحسانك، وليسوا كتلةً من الأعداء
ينبغي أن تغلق قلبك دونهم، وقد عاش الأنبياءُ غرباءَ في كثير من أقوامهم، لكن
غربتهم لم تجعلهم يتخلَّون عنهم؛ بل ظل نوحٌ عليه السلام يقول: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي
لَيْلًا وَنَهَارًا) (نوح: 5)، وحدد شعيب عليه السلام رسالته بقوله: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ
مَا اسْتَطَعْتُ) (هود: 88)، وهذه العبارة تَصلحُ دستورًا للغريب في وطنه:
الإصلاح ما استطعت؛ لا ادعاء القدرة على تغيير كل شيء، ولا اتخاذ العجز عن تغيير
كل شيء ذريعةً لترك كل شيء، فما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جُلُّه، والميسور لا يسقط
بالمعسور.
إن بعض الناس
حين يطول عليه فسادُ الواقع يبدأ برفض المنكر، ثم ينتقل من رفض المنكر إلى رفض
المجتمع، ومن بغض الفساد إلى بغض الناس، ثم يُصبح سعيدًا بكل خبر يؤكد سوء ظنه
بهم، وهنا ينبغي أن يتوقف ويسأل نفسه: هل أريد لهذا المجتمع أن يصلح، أم أريد فقط
أن يثبت أنني كنت على حق في حكمي عليه؟
إن قلب المصلح
يختلف عن قلب المتشفي؛ الأول يتألم من المرض ويتمنى الشفاء للمريض، والثاني يجد في
استمرار المرض إثباتًا لذاته، والمؤمن الغريب ينبغي أن يكون مصلحًا لا متشفيًا،
رحيمًا لا محتقرًا، حزينًا على الناس لا متعاليًا عليهم.
وهذا المعنى
يحمي الغريبَ كذلك من الكبر الديني؛ فكونُك ثابتًا على شيء من الحق لا يعطيك شهادة
بأنك خيرُ مِنْ كل مَن حولك، قد يكون فيمن تستنكر بعضَ أحوالهم من الخير الخفي
والصدق مع الله ما لا تعلمه أنت، وقد يكون في نفسك من الآفات ما حَجب عنك رؤيتَه
الاعتيادُ على محاسبة الآخرين؛ ولذلك فإن الغربة الصحيحة ينبغي أن تزيد الإنسان
افتقارًا إلى الله لا إعجابًا بنفسه، وأن تجعله يقول: "الحمد لله الذي هداني
وأسأله الثبات"، لا: "أنا خير من هؤلاء جميعًا".
لا تسمحْ للظلم أن يُعيد تَشكيلَ قلبِكَ
وثمة انتصارٌ
آخرُ ينبغي ألا تمنحَه لمن ظلمك: أن يسمح ظلمُه بأن يُعيد تشكيلَ أخلاقك، فقد
يحرمك المستبدُّ من بعض حقوقك، فلا تسمح له أن يحرمك من عدلك، وقد يكذب عليك خصمك،
فلا تجعله يُعلمك الكذب، وقد يشوهك، فلا تجعل التشويه يُطلق لسانك في أعراض الناس،
وقد يقسو عليك، فلا تسمح لقسوته أن تنزع الرحمة من قلبك؛ فالمؤمن لا يقيس أخلاقَه
بأخلاق خصمه، وإنما يقيسها بميزان ربه: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).
وهذه الآية من
أعظم ما يحتاج إليه مَن يعيش غربة الظلم؛ لأنها تضعُ حاجزًا أخلاقيًّا بين مقاومة
الظلم والتحول إلى صورة أخرى منه، يمكنك أن تكون شديدًا في رفض الباطل، واضحًا في
تسميته، ثابتًا في مقاومته، دون أن تفقد عدلَك وإنصافك، ولعل إحدى صور الانتصار
الخفية أن يظل المظلوم، بعد سنوات من الأذى، قادرًا على أن يكون عادلًا؛ فالخصم
يستطيع أحيانًا أن يؤلم جسدك أو يضيق حياتَك، ولكنه لا يستطيع أن يجعلك ظالمًا إلا
إذا سمحت له بالدخول إلى أعمق موضع فيك.
وكذلك لا تسمح
للغربة أن تأكل قلبَك بالحزن حتى تنطفئ فيه الحياة، فالحزن شعور إنساني؛ وقد قال
يعقوب عليه السلام: (إِنَّمَا
أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، لكن الحزن شيء واليأس
شيء آخر، فيجوز أن تتعب، وأن تضيق، وأن تحتاج إلى الراحة، وأن تبتعد قليلًا عما
يستنزفك لتستعيدَ قُوّتَك؛ فالثباتُ ليس أن تحرق نفسَك حتى تنطفئ، وإنما أن تعرف
كيف تحفظُ طاقتك لطول الطريق، ومِن فقه المرابطة أن يَعرف المرابطُ متى يعمل، ومتى
يستريح، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يتقدم، ومتى يُعيد ترتيبَ صفوف نفسه؛ لأن
الطريق الطويل لا يحتاج إلى اندفاعة قصيرة بقدر ما يحتاج إلى نَفَس طويل.
لا تجعل الهجرة حلمك الوحيد
أما الرغبة في
الهجرة التي قد تُولّدها الغربةُ داخل الوطن، فلا ينبغي إدانتُها بإطلاق ولا
تمجيدها بإطلاق، فقد تكون الهجرة في بعض الأحوال نجاة للدين أو النفس أو الأسرة أو
العلم والعمل، وقد جعل القرآن أرض الله واسعة فقال: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا
فِيهَا) (النساء: 97)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي
الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا
إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ
عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا) (النساء: 100)، فليست
الإقامة في المكان فضيلة مطلقة، كما أن الرحيل عنه ليس خيانة مطلقة؛ وإنما الميزان
هو ما يحفظ على الإنسان دينه وكرامته وأمانه وقدرته على أداء رسالته.
وليست الحياة ولا الرزق مرهونًا بأرض ما، كما أن النجاة والعيش الرغيد ليس موجودًا في أرض أخرى، ولكن واقعنا اليوم غلبت عليه هجرة الأوطان بسبب ما يعانيه الإنسان، ولما علم الله ذلك بعلمه الأزلي تحدث عن ذلك في وضوح وصراحة واعدًا المهاجرين بالأجر العظيم من أول لحظة
يقول صاحب الظلال في تفسير آية النساء: 100: "إن المنهج الرباني
القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة، وهي تواجه مخاطر الهجرة، في مثل
تلك الظروف التي كانت قائمة، والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في
كل حين، وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة؛ فلا يكتم عنها شيئًا من المخاوف، ولا
يداري عنها شيئًا من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنه يسكب فيها الطمأنينة
بحقائق أخرى، وبضمانة الله سبحانه وتعالى ..، إنها صفقة رابحة دون شك، يقبض فيها
المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجرًا إلى الله
ورسوله - والموت هو الموت - في موعده الذي لا يتأخر، والذي لا علاقة له بهجرة أو
إقامة، ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده، ولخسر الصفقة
الرابحة، فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة، بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالما لنفسه! وشتان
بين صفقة وصفقة! وشتان بين مصير ومصير!"(3).
لكن الخطر أن
تتحول الهجرة في الخيال إلى حل سحري لكل ألم، فيتصور الإنسان أن عبور الحدود
سيعالج تلقائيًّا ما تراكم في قلبه من وحشة ومرارة، والحقيقة أن الإنسان قد يحمل
غربته معه في حقيبته؛ فإذا لم يعالج قلبه، ولم يبن معنى لحياته، ولم يتعلم صناعة
الصحبة والفاعلية، فقد يكتشف بعد الهجرة أنه استبدل غربة بغربة؛ ولهذا فالسؤال ليس
دائمًا: أين أعيش؟ بل كذلك: كيف أعيش حيث أكون؟ وما الرسالة التي أقوم بها؟ وما
مقدار قدرتي على تحويل المكان من مجرد فضاء للإقامة إلى ميدان للعبادة والعلم
والعمل والنفع؟
هذا الواقع ليس أبديًّا
ثم يبقى للغريب
زاد لا يستطيع أن يعيش طويلًا من دونه، هو زاد الأمل؛ فالاستبداد يريد من ضحيته
ألا يقتنع فقط بأنه قوي، وإنما أن يقتنع بأنه أبدي، والفساد يريد من المصلح ألا
يرى فقط أنه منتشر، وإنما أن يصدق أنه لا يمكن تغييره، وحين ينجح الباطل في إقناع
الإنسان بأن الغد نسخة أبدية من اليوم يكون قد كسب نصف المعركة قبل أن تبدأ.
لكن القرآن يربي
المؤمن على وعي مختلف بالتاريخ: (وَتِلْكَ
الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، الأيام دول،
والأحوال تتغير، والقوى تصعد وتهبط، والأجيال تتعاقب، وما يبدو اليومَ راسخًا قد
يصبح غدًا خبرًا في كتب التاريخ، فكم من سلطان ظن أن الأرض قد استقرت له، ثم لم
يبقَ منه إلا اسمه، وكم من مظلوم نام ليلة وهو لا يرى في الأفق نافذةً ثم فتح الله
له بابًا لم يخطر بباله
وليس الأمل هنا
تخديرًا للنفس بوعد زائف بأن الفرج سيأتي غدًا؛ فقد يطول الطريق، وربما لا يرى
الإنسانُ في حياته كل ما تمناه؛ ولهذا قال الله لنبيه: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا
مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ {41} أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا
عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) (الزخرف)، وإنما الأمل يقين بأن واجبه لا تتوقف قيمتُه على أن
يرى نتيجتَه كاملة، وأن العمل الصالح لا يضيع عند الله، وأن الباطل ليس إلهًا يملك
التاريخ، ولا يقول له كن فيكون!
ولذلك لا ينبغي
أن يقيس المؤمن معنى حياته فقط بما استطاع أن يغيره من العالم، بل كذلك بما استطاع
ألا يسمح للعالم أن يغيره فيه، فقد لا تستطيع أن تُزيل استبدادًا وحدك، لكنك
تستطيع ألا تصبح مستبدًا، وقد لا تستطيع أن توقف فساد مجتمع كامل، لكنك تستطيع ألا
يدخل الفساد بيتك ومالك وضميرك، وقد لا تستطيع أن تعيد الموازين كلها إلى نصابها،
لكنك تستطيع أن تحرس الميزان في قلبك وأن تورثه أبناءك وتلاميذك ومَن حولك، وهذه
ليست هزيمة صغيرة أمام واقع كبير؛ بل هي إحدى الطرق التي تَحفظ بها الأممُ بذورَ
نهضتها إلى أن يأتي موسمُ الإنبات.
وطن لا يستطيع أحد أن ينفيك منه
إن علاج الغربة
داخل الوطن لا يكون بإنكار ألمها، ولا بترديد كلمات الوعظ على من يكتوي بها، ولا
بمطالبته أن يتظاهر بالقوة وهو يتداعى من الداخل، إنما يبدأ العلاج بأن يعترف
الإنسان بوجعه، ثم يضعه في معناه الصحيح، ويصل قلبه بالله، ويبني حوله صحبةً
صالحة، ويحمي نفسَه من المرارة، ويواصل عمله في المساحة التي يستطيعها، ويترك
مساحة في روحه للأمل، عندئذ قد لا تزول الغربة، لكن تتغير علاقتها به؛ فلا تعود هي
التي تعرفه، ولا تصبح القوة التي تملي عليه كيف يشعر وكيف يعيش.
فطوبى للغرباء..
ولعل هذا بعض
السر في تلك الكلمة النبوية المضيئة: "فطوبى للغرباء"؛ حيث لم يقل النبي
صلى الله عليه وسلم إن الغرباء لن يتألموا، ولا إنهم سيصبحون أكثرية سريعًا، ولا
إن الطريق ستكف عن امتحانهم؛ وإنما جعل في نهاية الغربة «طوبى»، كأن وراء الوحشة
أنسًا لا تراه العيون أول الأمر، ووراء الصبر كرامةً، ووراء القبض على الجمر معنًى
يستحق أن يتحمل الإنسانُ حرارتَه من أجله.
فإذا وجدتَ نفسك
يومًا غريبًا في وطنك، فلا تسارع إلى اتهام نفسك لمجرد أنك قليل، ولا تزكها لمجرد
أنك مختلف، راجعْ ميزانك، واعرض طريقك على كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه
وسلم، واستشر أهلَ العلم والحكمة، فإذا استبان لك الحقُّ فاثبت عليه بقلب متواضع،
وابحث عن الصالحين ولو قلوا، وأصلح ما استطعت، ولا تحمل في قلبك حقدًا على وطنك
بسبب من ظلموه، ولا كراهية للناس بسبب من خذلوك، ولا يأسًا من المستقبل بسبب ما
تراه في الحاضر.
قد تضيق بك أرضُ
الوطن، لكن أرض الله لا تضيق، وقد يستوحش منك بعضُ الناس، لكنَّ بابَ الله لا
يغلق، وقد تفقد مِن حولك شيئًا من أسباب الأنس، لكنك تستطيع أن تبني في أعماقك
وطنًا من الإيمان لا تصادره سلطة، ولا تنفيك منه جماعة، ولا يُغلق أبوابَه قريبٌ
أو بعيد؛ وطنًا سقفُه المعيةُ والسكينة، وأرضُه اليقينُ والثقة، وجدرانُه الصبرُ
والثبات، ونوافذُه الأملُ والرجاء.
وعندئذ لا تعود
الغربةُ مجردَ وجع تتحمله، بل تصبح رباطًا؛ ولا يعود ثباتُك مجرد قبض على الجمر،
بل حفظًا للنور في زمن تخبو فيه المصابيح؛ ولا تعود مهمتك أن تنجو بنفسك من الناس،
وإنما أن تبقى بينهم شاهدًا على أن الحق يمكن أن يعيش ولو استوحش منه الناس، وأن
الاستقامة ممكنة ولو غلتْ كُلفتُها، وأن القلبَ المتصل بالله يستطيع أن يسكن وطنه،
حتى في اللحظة التي يشعر فيها أنه أشد الناس غربة فيه.
وليس الغريب دائمًا من غادر وطنه؛ فقد يكون أشد الناس غربة من بقي فيه، وبقي مع ذلك وفيًّا لله تعالى الذي يعبده، ووفيًّا للحق الذي يعتنقه، ووفيًّا لضميره الذي يحمله، ينتظر أن يُصلح الله الوطن دون أن يَسمح لفساده أن يُفسد الوطن الذي في قلبه، وهؤلاء تُشرق في وحشتهم تلك البشارةُ النبويةُ التي لا تطفئها آلام الغربة ولا طولُ الطريق: "فطوبى للغرباء".
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً