دور الخادمات في تنشئة الأطفال.. من يربي أبناءنا؟

دور الخادمات في تنشئة الأطفال.. من يربي أبناءنا؟

أثار مقطع الفيديو الذي تم تداوله مؤخراً لأطفال يبكون بحرقة في صالة المطار وهم يتفلتون من أيدي أمهم ويعدون في اتجاه خادمتهم الأفريقية يحتضنونها ويقبلونها؛ أثار وجعاً في القلوب، فالأطفال تبدو على ملامحهم علامات الفقد والقلق لغياب هذه الخادمة التي مثلت لهم معاني الأمان ومنحتهم المشاعر الأساسية التي كانوا بحاجة لها، فتعلقوا بها هذا القدر الذي كشفته الكاميرات، وفي الوقت نفسه طرح هذا المشهد سؤالاً قديماً متجدداً عن طبيعة وحقيقة الدور الذي تمارسه الخادمات في تنشئة الأطفال خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة.

حجم العمالة المنزلية

السؤال عن دور وتأثير الخادمات ليس سؤالاً هامشياً نسأله من باب الترف الفكري، فحجم العمالة المنزلية بالغ الضخامة؛ حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية أن عدد العمال المنزليين (من هم في سن 15 عاماً فأكثر) في الدول العربية نحو 6.6 ملايين عامل وعاملة، وهذا العدد يمثل 12.3% من مجمل العمالة العربية كلها.

تحتل دول مجلس التعاون الخليجي النسبة الأكبر من هذه العمالة، ففي المملكة العربية السعودية وحدها تصدَّر الخدم وعمال تنظيف المنازل قائمة العمالة المنزلية من حيث الحجم والنمو، حيث ارتفع عدد هؤلاء الخدم من 2.077 مليون عامل في الربع الثالث من عام 2024م إلى 2.269 مليون عامل في الفترة ذاتها من عام 2025م.

وفي الإمارات، ووفقاً لإحصاءات رسمية خلال السنوات الماضية، فإن 23% من الأسر الإماراتية لديها خدم يزيدون على عدد أفرادها! وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة كبيرة للغاية من العائلات الإماراتية (تصل إلى نحو 96% في بعض المؤشرات) تعتمد على العمالة المنزلية في المهام اليومية ورعاية الأطفال(1).

بينما تصل النسبة لـ90% للعائلات الكويتية التي تقوم بتوظيف عاملة منزلية(2)، وفي لبنان وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، يوجد ما لا يقل عن 170 ألف عاملة منزلية(3)، وتشير الإحصاءات في مصر إلى وجود مئات الآلاف من الخادمات المنزليات، هذه الأرقام الضخمة تطرح كثيراً من الإشكاليات يأتي على رأسها ما مساحة الدور الذي تمارسه هذه الخادمات في البيوت؟ وهل هناك حدود واضحة لهذا الدور؟

الدور التربوي للخادمات

على الرغم من أن العاملة المنزلية أو الخادمة بالمصطلح الشائع تأتي لممارسة وظيفة محددة مرتبطة بتنظيف المنزل وترتيبه وربما المشاركة في الطهي، فإن الواقع يشهد أن هذه الوظيفة اتسعت وتمددت لتشمل رعاية الأطفال الصغار، هذه الرعاية لم تتوقف عند حدود إطعام الأطفال وتنظيفهم أو اللعب معهم وشغل وملء وقت فراغهم؛ لأنه من خلال هذه المهام البسيطة بدأت تنشأ علاقة ألفة بين الخادمة والأطفال، ثم تحولت الألفة لآصرة عميقة من الحب، فالطفل في سنوات عمره الأولى يتعرف على العالم من خلال هذه التفاصيل الصغيرة.

الطفل الذي يرضع يكون بحاجة لقنينة الحليب، ولكنه يكون بحاجة أيضاً للعيون التي تنظر إليه وتمنحه مشاعر لا تقل أهميتها عن الحليب، والطفل الذي يبكي يتعلق بمن يحمله ويربت على ظهره، ويصبح هذا الوجه مصدر أمانه في هذا العالم.

حتى المهام بالغة البساطة؛ كتنظيفه وتغيير ملابسه، يتعلق الطفل بمن يقوم بها؛ لأنه ببساطة يمنحه الشعور بالراحة الذي يحتاجه، وعندما تقوم الخادمة بهذه المهام فمن الطبيعي جداً أن يكون أمانه مرتبطاً بها، وتبدأ خيوط التعلق تربط بينه وبينها.

يبدأ الطفل تعلم اللغة منها، ينطقها بنفس لكنتها، ويتعلم كلمات من لغتها الأم تقولها بعفوية وتلتقطها أذن الطفل ويصنع منها قاموسه الخاص، واللغة ليست مجرد وسيلة تواصل؛ إنها مشاعر وثقافة وهوية وتوجه وانتماء.

ووفقاً لدراسة ميدانية استطلاعية أجرتها إدارة المعرفة في دائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة على 600 أسرة تستعين بعاملات منزليات، تصدرت مشكلات اللغة الآثار السلبية لرعاية الأطفال من قبل الخادمات؛ إذ أعرب 49.8% من أفراد العينة أن أطفالهم يواجهون مشكلات لغوية حقيقية.

وإذا كان الأطفال يتأثرون بلغة الخادمة فلا بد أن يرتبط ذلك بتأثرهم بثقافتها ودينها وأفكارها، يحدث ذلك بشكل عفوي غير مقصود وغير مباشر، فهذا التأثر لا يدخل من بوابات الوعي والعقل؛ لأن الطفل الصغير يكتسب معتقداته الأولى عبر بوابات التقليد لمن يرعاه ويهتم به ومن ثم يشعر بالانتماء له.

الوجه الآخر لتأثير الخادمات

لا ينبغي أن نبقي باللوم على الخادمة ونحملها الآثار السلبية المتنوعة التي تقع على الطفل الذي تعتني به، فالخادمة بوجه عام هي امرأة بسيطة وليست متخصصة تربوية، أقصى ما تطمح له أن تقوم بعملها بهدوء وبأقل قدر من الضغوط، وبالتالي من الطبيعي أن توافق الطفل على رغباته حيث يصعب عليها الرفض، لن ينشغل بالها بتعليمه ما يصح وما لا يصح، وما هو مناسب له وما هو غير ذلك، فإن بكى الطفل لن تتردد أن تمنحه الحلوى حتى يهدأ دون أن تدرك أبعاد سلوكها على مستقبل الطفل الذي ينشأ وهو لا يعرف الحدود والآداب وقد اعتاد أن تلبى جميع طلباته.

إلا أن أثر الخادمات قد يتجاوز التعلق والتقليد أو الدلال وعدم معرفة الحدود، فهناك وجه مرعب لعلاقة الخادمة بالطفل خاصة المضطربات منهن، ومن يعانين من سوء المعاملة، فبعض الخادمات تلجأ لإيذاء الطفل الضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

ففي دراسة الشارقة السابقة، أشار نحو 25% من المشاركين في الدراسة إلى أن استخدامهم العمالة المنزلية جعل أطفالهم أكثر «عرضة للتحرش الجنسي»، فيما أبدى نحو 31% من أفراد العينة «تعرض أطفالهم للعنف المنزلي من قبل العاملات المنزليات».

ربما تستطيع الكاميرات المنزلية التقاط بعض صور العنف، لكن الكاميرات لا تشمل المنزل كله، ولا تشمل دورات المياه، ولا تستطيع كشف العنف أو التحرش الخفي الذي قد يحدث، وبالتالي يبقى احتمال تعرض الطفل للإيذاء قائماً طالما بقيت الخادمة مسؤولة عن رعاية الطفل.

عودة الأم ضرورية

إذا كانت العاملة المنزلية ضرورة من أجل النظافة والترتيب خاصة في البيوت الواسعة، فإن اتساع دورها ليشمل مهام رعاية الأطفال لا بد أن يتم وقفه بحزم، ولا بد أن تعود الأم لرعاية أطفالها كماً وكيفاً، فكثير من الأمهات يتحدثن عن الوقت النوعي الذي تقضيه مع الطفل، وكثير من المتخصصات في شؤون الأسرة يطالبن الأم العاملة بعدم الشعور بالذنب، فيكفيها أن تقضي ولو نصف ساعة مع الطفل تتحدث إليه وتحتويه.

وهذا الأمر وإن كان مقبولاً بعض الشيء مع طفل ما بعد المدرسة الذي يقضي يومه في المدرسة مع العديد من الأنشطة، فإننا لا يمكن أن تقبله مع طفل ما قبل المدرسة الذي يحتاج أمه من حيث الكم والكيف؛ لأنه يستمد الأمان والانتماء من التفاصيل اليومية الصغيرة، ويتعلم أول دروسه في الحياة بالاحتكاك المباشر.

الأب أيضاً له دوره بالغ الأهمية في بناء طفله الصغير والدخول لعالمه، فعليه ألا يلقي بالمهمة التربوية كلها على عاتق الأم، ويمكن الاستفادة من العائلة الممتدة في دعم الأم، وفي مرحلة لاحقة قد تؤدي الحضانة دوراً تربوياً تقوم به متخصصات لا يمكن المقارنة بينهن وبين خادمات المنازل، إلا أن عودة الأم كي تتصدر المشهد التربوي أصبح ضرورة حتمية سوف يسألها عنها الله عز وجل.

الهوامش
  • 1 https://www.mrrors.org/statistic/domesticworkers
  • 2 المرجع السابق.
  • 3 https://www.bbc.com/arabic/articles/cvgl3v1l2wqo
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة