لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟
إن مأساة الأمة
الإسلامية المعاصرة لا تتمثل في أنها نسيت أمجادها؛ فما أكثر ما نستحضر تاريخنا،
ونفاخر بعلمائنا، ونستعيد صور الحضارة التي أضاءت قرونًا من عمر الإنسانية؛ وإنما
المأساة أن تتحول الذاكرة إلى عزاء عن العجز، وأن نكتفي بسرد ما صنعه الأجداد
بدلًا من أن نسأل عما نصنعه نحن؛ فالحضارات لا تعيش طويلًا على رصيد الماضي، ولا
تستعيد مكانتها بكثرة الحديث عن مجدها، وإنما تتجدد حين تمتلك أسباب القوة، وتراجع
أخطاءها، وتؤسس لمستقبل يستحق أن يرثه أبناؤها.
ولم يكن سؤال
التأخر طارئًا على الفكر الإسلامي الحديث، ولا شاغلًا لمصلح واحد؛ فقد أقلق
أجيالًا من العلماء والمفكرين الذين اختلفت مناهجهم، واجتمع همُّهم على البحث عن
أسباب الوهن وشروط النهوض؛ فطرح الأمير شكيب أرسلان سؤاله الشهير في كتابه «لماذا
تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، متتبعًا أثر الجهل والجمود والتفرق وضعف
الإرادة.
وبحث مالك بن
نبي في «شروط النهضة» عن القوانين التي تحكم نشوء الحضارات، وعن بناء الإنسان
وفاعلية الأفكار وتنظيم الطاقات؛ ثم جاء الشيخ محمد الغزالي في «سر تأخر العرب
والمسلمين» ليواجه اختلالات الحكم والفكر والتدين، وما أصاب العقل المسلم من
اضطراب في فهم الدين وترتيب الأولويات.
وعلى اختلاف هذه
المقاربات، فإنها تكشف أن سؤال النهضة ظل مفتوحًا عبر الأجيال، وأن أزمة الأمة لم
تكن يومًا نقصًا في تشخيص الداء وحده، بل في قدرتها على تحويل الوعي بأسبابه إلى
إرادة إصلاح، ومؤسسات فاعلة، ومشروع حضاري يملك أدوات المستقبل.
والسؤال عن تأخر
المسلمين ليس اتهامًا للإسلام، ولا إنكارًا للإنجازات التي حققتها مجتمعات إسلامية
في مجالات شتى، وفي عصور مختلفة؛ بل هو مساءلة للفجوة بين قيم نؤمن بها وواقع لم
نستطع دائمًا أن نجسدها فيه؛ فكيف يتراجع العلم في أمة افتُتح وحيُها بالأمر
بالقراءة، ويشيع الظلم حيث أُمر الناس بالعدل، وتُهدر الكفاءات في مجتمعات جعل
دينها الأمانة شرطًا للولاية والمسؤولية؟
إن الإجابة لا
تستقيم بإلقاء التبعة كلها على الخارج، ولا بتحميل الداخل وحده أوزار التاريخ؛
وإنما تبدأ بتشخيص يضع الأسباب في مواضعها، ويصل إصلاح الإنسان بإصلاح المؤسسات،
ويقرأ الحاضر بعين تستشرف المستقبل.
حين نفقد شجاعة مراجعة أنفسنا
أولى عقبات
النهوض أن نخلط بين قداسة الوحي وتصرفات البشر، وبين أحكام الشريعة وعادات
المجتمعات، وبين الاعتزاز بالتاريخ وتبرير أخطائه؛ فالإسلام ميزان نقوِّم به
واقعنا، وليس غطاءً نستر به انحرافاتنا، والتراث خبرة ننتفع بها، لا سلطة تمنعنا
من السؤال والاجتهاد.
وقد قرر القرآن
أصلًا عظيمًا في سنن الإصلاح: (إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:
11)؛ وليس المراد أن تنفصل إصلاحات النفوس عن إصلاحات الأنظمة، بل أن
التغيير الحضاري يحتاج إلى تحول في الوعي والقيم والسلوك، تصاحبه مؤسساتٌ عادلة
وسياسات رشيدة.
ولا تعني
محاسبةُ الذات تبرئةَ الاستعمار والاحتلال من جرائمهما، أو تحميل المظلوم مسؤولية
ما يقع عليه من ظلم؛ وإنما تعني ألا نستسلم لتفسيرٍ يُعفينا من مراجعة أخطائنا،
حتى لا يصبح الاعترافُ بقوة الخصم حجةً لدوام ضعفنا.
فساد الحكم حين يصبح إهدارًا للمستقبل
ليس الاستبداد
مجرد اعتداء على الحقوق السياسية؛ إنه إفساد لموازين المجتمع، وإضعاف لثقته في
العدل، واستنزاف لقدراته العلمية والاقتصادية؛ فحين تُقدَّم الولاءات على
الكفاءات، ويُقصى الناقد ويُكافأ المادح، ويُعامل المال العام كأنه غنيمة، تصبح
الموهبة عبئًا على صاحبها، ويغدو النفاق طريقًا مختصرًا إلى المناصب.
وقد جمع القرآنُ
أصولَ الحكم الرشيد في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ
أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء:
58)؛ وجاء التحذير النبوي بليغًا: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر
الساعة»(1).
ومن ثَم، فإن
الإصلاحَ المؤسسي ليس شأنًا إداريًّا هامشيًّا، بل ضرورة مقاصدية لحفظ الحقوق
والثروات والطاقات؛ يبدأ بإعلاء الكفاءة، واستقلال القضاء، وشفافية القرار،
والمحاسبة العادلة، وتهيئة بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجح بعمله، لا بقربه من
أصحاب النفوذ.
تعليم يكثر فيه الحفظ ويقل فيه الإنتاج
ومن أشد أمراض
التأخر أن تنفصل المعرفةُ عن وظيفتها الحضارية؛ فتكثر الشهادات ولا يتناسب معها
الإنتاج، وتتسع المؤسساتُ التعليمية دون أن تتجذر فيها ثقافةُ البحث، وتستغرق
العقول في خصومات جزئية بينما تنتظر قضايا المجتمع من يدرسها ويعالجها.
وليس المطلوبُ
إقصاء العلوم الشرعية والإنسانية لحساب العلوم التقنية، بل وصل هذه العلوم جميعًا
بأسئلة الحياة، وتحقيق التكامل بينها؛ فالمجتمع يحتاج إلى من يفهم الإنسان وقيمه
وتاريخه، كما يحتاج إلى من يطور دواءه وغذاءه وصناعته.
والعلاج يبدأ
بإصلاح مناهج التعليم، وتحرير البحث من المحاباة، ورعاية المواهب، وربط الجامعات
بمشكلات المجتمع، وتقديم جودة المعرفة على أعداد الشهادات؛ فالجامعة التي لا تعلم
طلابها كيف يسألون وينقدون ويبتكرون، مهما ازدحمت قاعاتها، لم تؤدِّ رسالتها
كاملة.
وفي عصر الذكاء
الاصطناعي تتضاعف المسؤولية؛ إذ لم تعد الندرة في الحصول على المعلومات، وإنما في
القدرة على تمحيصها وتوظيفها، والتمييز بين الحقيقة والتضليل؛ ولهذا يصبح بناء
العقل النقدي والأمانة العلمية من أهم استثمارات المستقبل.
تديُّن لا يثمر عملًا وعدلًا
ولا يكتمل
التشخيص دون مواجهة خلل آخر؛ أن تنفصل مظاهر التدين عن مقاصدها الأخلاقية
والعمرانية؛ فنحرص على بعض الشعائر، ثم نتساهل في الأمانة والإتقان وحقوق الناس،
مع أن العبادة جاءت لتزكية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه وبالمجتمع.
وليس العلاج في
إضعاف الشعائر، وإنما في استعادة روحها وآثارها؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر،
والصيام يربي التقوى، والزكاة تحقق التكافل، والإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى الصدق
والعدل وإحسان العمل.
ومن أخطر
المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن يتحول التوكل إلى انتظار بلا سعي، والرضا
بالقضاء إلى قبول بالعجز؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك،
واستعن بالله ولا تعجز»(2).
وهذه الكلمات
النبوية ترسم منهجًا كاملًا: معرفة النافع، وطلبه بجد، والاستعانة بالله، ومقاومة
العجز؛ فلا تعارض بين صدق الإيمان وإتقان الأسباب، بل إن تعطيل الأسباب باسم
التوكل إساءة إلى حقيقة التوكل نفسها.
وحدة المصالح وقوة المؤسسات
ولا يجوز أن
نغفل أثر التفرق والصراعات الداخلية، وما تُتيحه من فرص للتدخل الخارجي وإدامة
التبعية؛ فالأمة التي تستنزف قوتها في خصوماتها، وتعجز عن التعاون في العلم
والاقتصاد، تضعف قدرتها على حماية مصالحها ومواجهة التحديات.
وقد قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)؛ فالوحدة المطلوبة ليست إلغاءً
للتنوع، ولا شعارًا يعلو في المناسبات، وإنما تعاون مؤسسي يحول الروابط المشتركة
إلى مشروعات علمية واقتصادية وإنسانية، ويحفظ الاختلاف المشروع دون أن يسمح له
بتبديد المصالح الكبرى.
المستقبل لا ينتظر المترددين
تدخل الإنسانية
مرحلة تعيد فيها التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي وتحولات الطاقة والمناخ
والأمن الغذائي رسم موازين القوة؛ ومن يكتفِ باستهلاك المعرفة سيجد نفسه أشد
اعتمادًا على من ينتجها، ومن يؤخر إصلاح التعليم والإدارة سيورث أبناءه فجوات يصعب
ردمها.
ومن هنا ينبغي
أن ينتقل تفكيرنا من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل حلولها؛
ببناء مراكز للدراسات المستقبلية، وربط السياسات بالبحث العلمي، والاستثمار في
الإنسان، وتأهيل الشباب والفتيات لمهارات العصر، وتوسيع التعاون بين الجامعات
ومؤسسات الإنتاج.
ولا يحمل الشباب
وحدهم مسؤولية الإصلاح؛ فالدول والمؤسسات مطالبة بتوفير العدل والفرص والبيئات
الحاضنة للكفاءة، لكن على الجيل الجديد أن يجمع بين رسوخ القيم ومرونة التعلم،
وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على المعرفة، وبين قوة التخصص وحسن التعاون.
إن أخطر ما يهدد
الأمة ليس أن تتأخر في مرحلة من تاريخها، بل أن تألف التأخر حتى تراه قدرًا لا
يُقاوَم؛ فالأمم قد تتعثر ثم تنهض، لكنها لا تنهض بالأماني، وإنما بوعي يكشف
الخلل، وعدل يطلق الطاقات، وعلم ينتج الحلول، وإيمان يبعث على العمل.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا تأخرنا؟ وإنما ماذا سنغير في تعليمنا وحكمنا وأخلاقنا ومؤسساتنا حتى لا نورث أبناءَنا أسبابَ التأخر نفسها؟ فالمستقبل لا يُصنع بتمجيد ما كان، وإنما بإحسان ما ينبغي أن يكون.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً