يوميات متقاعد (24)
فن التوجيه واتخاذ القرار في الحياة
الحياة مليئة
بالمواقف التي تحتاج إلى حكمة في التعامل، وبصيرة في توجيه القرار، وكثيراً ما يجد
الإنسان نفسَه أمام مواقف تتطلَّب نصيحة صادقة، أو كلمة هادئة، أو توجيهاً يعيد
الثقة إلى النفوس، وفي مثل هذه اللحظات تظهر قيمة الخبرة، وأثر الحوار الهادئ،
وأهمية التأني قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
وفي هذا المقال،
أذكر بعض المواقف التي مررتُ بها في التعليم والعمل، التي تحمل دروساً مهمَّة في
التوجيه والإقناع، وكيف يمكن للكلمة الصادقة أن تغيِّر مسار قرار كامل.
الموقف الأول: نصيحة لطالبة في بداية طريقها الجامعي:
نبدأ بالموقف
الذي حدث في 27 أبريل 2025م، لديَّ جارٌ أقدِّره ويقدِّرني، ونلتقي كثيراً في الحي
الذي نسكن فيه، فاتصل بي يوماً مستعيناً بخبرتي الأكاديمية، وطلب مني أن أقدِّم
نصيحة لابنته التي تمرُّ بحيرة في اختيار تخصصها الجامعي.
لبَّيت الدعوة،
وجلست مع الطالبة ووالدها ووالدتها، وبدأت الحديث بسؤال بسيط، قلت لها: ما المشكلة
التي تشعرين بها؟
قالت إنها قُبلت
في كلية الهندسة، لكنها بدأت تشعر بأن دراسة الهندسة صعبة جداً، فسألتها: ولماذا
تشعرين بهذه الصعوبة؟
قالت: إن
الطالبة في بداية دراستها تبقى سنة ونصف سنة في كلية العلوم، وتدرس موادَّ مثل
حسبان 1، وحسبان 2، وحسبان 3، والمعادلات التفاضلية، والجبر الخطي، وفيزياء 1،
وفيزياء 2، وأحياناً تدرس مقرراً في الكيمياء، وقالت: إن هذه المواد صعبة عليها،
ولذلك بدأت تفكر في الانتقال إلى كلية أخرى.
فسألتها سؤالاً
مهماً: عندما تخرجت في الثانوية، كم كانت درجاتك في الرياضيات والفيزياء؟ قالت: إن
درجاتها كانت قريبة من الدرجة الكاملة، فقلت لها: إذن اختيارك لكلية الهندسة
اختيار صحيح؛ لأن الهندسة تعتمد أساساً على الرياضيات والفيزياء.
لكنها قالت: إن
طريقة التدريس في كلية العلوم لا تناسبها، وأنها حصلت على درجات منخفضة في بعض
المواد، ولذلك تريد تغيير التخصص.
فقلت لها: لماذا
لا تعطين نفسك فرصة؟ حاولي أن تجتازي هذه المواد حتى لو بدرجات عادية، ثم انتقلي
بعدها إلى كلية الهندسة، وشاهدي بنفسك مباني الكلية وأساتذتها وطلبتها ومختبراتها،
فلكل كلية طابعها الخاص، ولكلية الهندسة بيئة مختلفة وطابع مميَّز داخل الجامعة.
بعد حوار دامٍ
نحو ساعة، اقتنعت الطالبة بأن تمنح نفسها فرصة للتجربة قبل اتخاذ قرار التغيير.
متابعة التجربة وعدم الاستعجال في القرار
لم يتوقف الأمر
عند النصيحة فقط، بل بدأت أتابع أداء الطالبة ودرجاتها في مقررات الرياضيات التي
تدرسها في كلية العلوم، وشجعتها على أن تأخذ مادة واحدة على الأقل من مواد كلية
الهندسة أثناء وجودها في كلية العلوم.
الحوار الهادئ والتوجيه الحكيم وفهم طبيعة
الناس يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في اتخاذ القرارات
كنت أعلم يقيناً
أن نحو 19% من طلبة الهندسة يغيِّرون تخصصهم في السنة الأولى بسبب الصدمة الأولى
في كلية العلوم، وفي السنة الثانية يغيِّر نحو 6% آخرين تخصصهم؛ أي أن ما يقارب 25%
من الطلبة الذين يقبلون في كلية الهندسة لا نراهم لاحقاً بسبب صعوبة المواد
الأساسية.
لذلك، نصحت
الطالبة بأن تأخذ مادة من كلية الهندسة، مثل مقرر الأسس الكهربائية التابع لقسم
الهندسة الكهربائية، فهذا يمنحها فرصة للتعرف على الكلية وطلبتها وأساتذتها
ومختبراتها، ويجعلها تعيش أجواء الكلية قبل أن تقرر الاستمرار أو التغيير.
وهذه نصيحة عامة
للطلبة الذين يُقبلون في تخصصات لا تكون رغبتهم الأولى، من الأفضل أن يمنح الطالب
نفسه فرصة حقيقية للتجربة قبل اتخاذ قرار التغيير؛ لأن التغيير غالبًا يؤدي إلى
تأخير التخرج سنة أو سنتين.
وقد رأيت حالات
كثيرة لطلبة وطالبات تأخر تخرجهم بسبب التنقل بين الكليات والتخصصات.
التأنِّي في القرارات المصيرية
وقبل أن ننتقل
إلى موقف آخر، أؤكد نقطة مهمة، وهي أن الاستعجال في القرارات قد يندم عليه الإنسان
لاحقاً، فكثير من الطلبة تكون رغبتهم الأولى كلية الطب، ثم يقبلون في كلية الهندسة
لأنهم لم يحققوا شروط القبول في الطب، وبعد سنوات من الدراسة يأتيني بعضهم ويقول:
الحمد لله أنني درست الهندسة، فقد اكتشفت أن هذا التخصص يناسبني أكثر.
وهذا يعلِّمنا
أن بعض القرارات التي نراها في البداية مخالفة لرغباتنا قد تكون في الحقيقة خيراً
لنا.
الموقف الثاني: مؤشرات القبول في عالم التدريب:
ننتقل الآن إلى
موقف آخر حدث في 29 أبريل 2025م، كان لدينا لقاء مع أحد المسؤولين الكبار في شركة
نفط الكويت، كنا نعرض عليه فكرة تدريب القيادات الإدارية في الشركة، خاصة أصحاب
المناصب العليا، من خلال برامج تدريبية في الإدارة والقيادة.
خلال الحوار بدأ
هذا المسؤول يطرح بعض الأسئلة، قال: إذا أخذنا هذا البرنامج التدريبي، كم يوماً
سيستغرق من وقت المسؤولين؟ فطمأناه بأن البرنامج سيكون يوماً واحداً فقط في الشهر،
وقد ارتاح لهذه الفكرة، لأن أصحاب المناصب العليا لديهم أعمال كثيرة ولا يمكنهم
الغياب أياماً متتالية.
ثم سأل سؤالاً
آخر: ولماذا يوم واحد فقط؟ فأجبناه بأن الهدف ليس فقط حضور البرنامج، بل تطبيق ما
يتعلمه المتدرب في عمله خلال الشهر، ثم يعود في الجلسة التالية ليناقش التجارب
والتحديات التي واجهها مع بقية المشاركين.
وهذه طريقة
تدريب حديثة تجمع بين التعلم النظري والتطبيق العملي.
فهم مؤشرات القبول أثناء الحوار
في عالم التدريب
والتسويق، نسمِّي مثل هذه الأسئلة مؤشرات قبول، فعندما يبدأ المسؤول بطرح أسئلة
تفصيلية عن البرنامج، فهذا يدل على اهتمامه الحقيقي بالفكرة.
وفي لقاء آخر مع
مسؤول في أحد المصارف الكبرى في الكويت، عرضنا البرنامج التدريبي نفسه، فبدأ يسأل:
إذا كان عدد المتدربين 12 شخصاً، فهل يمكن قبول متدربين إضافيين دون تكلفة إضافية؟
أجبناه بالموافقة، ثم سأل سؤالاً آخر عن جودة المذكرات التدريبية، فأرينا له نماذج
مطبوعة بجودة عالية.
من يحسن قراءة المواقف ويتعامل معها بحكمة
يستطيع توجيه نفسه والآخرين نحو مستقبل ناجح
ثم سأل: هل يحصل
المتدربون على شهادات بعد انتهاء البرنامج؟ فأجبناه بأن الشهادات معتمدة من جهة
عالمية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنها تعادل السنة الأولى في بعض الجامعات
هناك.
ثم سأل سؤالاً
آخر مهماً: إذا غاب أحد المتدربين عن جلسة أو جلستين بسبب ظروف خاصة، هل يحصل على
الشهادة؟ فأجبناه بأن الحد الأدنى للحضور 10 جلسات من أصل 12 جلسة، وبذلك يمكنه
الحصول على الشهادة.
كل هذه الأسئلة
كانت في الحقيقة مؤشرات واضحة على اهتمامه بالبرنامج ورغبته في تطبيقه داخل
مؤسسته.
هذه المواقف
المختلفة تعلِّمنا درساً مهماً، وهو أن الحوار الهادئ، والتوجيه الحكيم، وفهم
طبيعة الناس يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في اتخاذ القرارات.
ففي التعليم قد
تكون كلمة نصيحة سبباً في استمرار طالب في تخصصه ونجاحه فيه، وفي العمل قد يكون
فهم الأسئلة والإشارات الصغيرة مفتاحاً لإقناع المؤسسات بأهمية التطوير والتدريب.
وهكذا تبقى
الحياة سلسلة من المواقف التي نتعلم منها كل يوم، ومن يحسن قراءة هذه المواقف،
ويتعامل معها بحكمة، يستطيع أن يوجِّه نفسه والآخرين نحو قرارات أفضل ومستقبل أكثر
نجاحاً.
___________
مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً