«إسرائيل» في مرآة صحافتها
الحرب على إيران.. الأهداف والتداعيات والتوجهات
في منطقتنا
البائسة التي يمثل الهدوء والاستقرار استثناءات نادرة من مجمل تاريخها، دارت رحى
حرب جديدة، بعد أن قام الكيان الصهيوني بشن هجمات قوية على إيران، ثم، وكما هو
متوقع، ردّت إيران بتوجيه ضربات موجعة، وما يزال الطرفان يتبادلان الهجمات
والضربات المركّزة حتى الساعة.
نتناول في هذا
المقال الرؤية «الإسرائيلية» لهذه الحرب، وتوجهات الرأي العام هناك حولها،
وأهدافها، وانعكاساتها السياسية والمجتمعية، بالإضافة إلى استشراف مسارها في
الفترة المقبلة.
الموقف
الداخلي من الحرب
نبدأ بيوسي
ميلمان، وهو خبير أمني «إسرائيلي»، كتب مقالاً في «هاآرتس»، بتاريخ 15 يونيو
الجاري، تحت عنوان «"الحرب لا تُقاس بالضربة الأولى أياً كان نجاحها»، ومن
جملة ما قاله: إنه وإن كان سلاح الجو والاستخبارات العسكرية و«الموساد» قد أظهرت بالفعل
شجاعةً وإرادة وإمكانات فائقة حتى على المستوى التكنولوجي، متفوقين في هذا على
الجانب الإيراني الضعيف، فإن الحروب لا تُحسم بخسائر العدو في الأرواح والممتلكات،
وهو ما شاهدناه في فيتنام وأوكرانيا، وكذلك في قطاع غزة ولبنان، وعليه يجب عدم
تجاهل هذا مع إيران.
ويواصل ميلمان
قائلاً: إن «إسرائيل» تأمل في إحداث تحول في الوضع عبر تكثيف الهجمات على المراكز
السكانية، وخاصةً في طهران، على أمل أن يضغط الجمهور على القيادة للاستسلام أو
التنازل، بيد أن هذه الطريقة قد جُرّبت قبل ذلك في لبنان وقطاع غزة دون أن تحقق أي
نجاح يُذكر، ثم يضيف قائلاً: إنه حتى لو تحقّقت بعض المكاسب المؤقّتة هناك، فليس
مؤكَّداً أن يكون لذلك أي تأثير على دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 100 مليون نسمة،
وتفوق «إسرائيل» بنحو 80 ضعفاً من حيث المساحة.
في السياق ذاته،
كتب رئيس حكومة الكيان الأسبق إيهود باراك، ما نصه: إن أجواء النشوة المنتشرة في
الشوارع ونشرات الأخبار، وفي إعلان نتنياهو انتهاء التهديد النووي الإيراني، سابقة
لأوانها ومجافية للواقع، ويجب علينا، كما أشار رئيس أركان الجيش إيال زامير، وبحق،
أن نحافظ على التواضع والاتصال الدقيق بالواقع. (هاآرتس، 15/ 6/ 2025م).
في حين أبدى
آخرون تخوفات من إطالة زمن الحرب والانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تشكل خطراً على
كيانهم نظراً لطبيعة تكوينه وبنيته، من هؤلاء داني سيترينوفيتش، الذي عنون مقاله
في هذا الصدد بعبارة لافتة ذات مغزى: «الخطر الحقيقي الدخول في حرب استنزاف مع
إيران»، ومن بين ما تضمنه مقاله: في إطار الحرب على إيران، وصلت العمليات «الإسرائيلية»
إلى الذُّروة، غير أنها تواجه أخطار حرب استنزاف من شأنها أن تقّوض إنجازاتها، فبدون
قرار سياسي واضح، وتعاون دولي، قد تفقد «إسرائيل» تفوقها وتنجرّ إلى حملة مطوّلة
تُثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع.. للحفاظ على الإنجازات المهمة التي تحققت في بداية
الحملة، وتجنب الانزلاق إلى نظام استنزاف تتمتع فيه إيران بتفوق جوهري على «إسرائيل»
بفضل حجمها، وقبل كل شيء، بفضل مقاومتها التاريخية للضغوط، يجب على «إسرائيل» الآن
السعي لإنهاء الحرب.
ويضيف: يجب أن
تكتفي «إسرائيل» بالإنجازات الباهرة التي حققتها، وأن تعمل مع المجتمع الدولي
والولايات المتحدة على وضع خطة سياسية تُمكّن «إسرائيل» من إنهاء الحرب والحفاظ
على أقصى إنجازاتها، إن الدخول في حرب استنزاف يُعرّض إنجازات «إسرائيل» في الحملة
لخطر كبير. (موقع واللا، 14/ 6/ 2025م).
هل
يستطيع الكيان إكمال المهمة بمفرده؟
تعالت الأصوات
داخل الكيان فيما يشبه الإجماع على ضرورة التدخل الأمريكي في الحرب على إيران، وإلا
فإن كيانهم سيواجه أزمة وجودية خطيرة، من هؤلاء رفيف دروكر، صحفي استقصائي وناشر «إسرائيلي»،
الذي كتب مقالاً مطولاً في الموضوع، تحت عنوان معبّر في هذا السياق «الذهاب إلى
حرب دامية دون التزام من جانب الولايات المتحدة.. مخاطرة مجنونة بمصيرنا جميعاً»،
ومن أهم ما ورد في مقاله: هناك درجة أقل من هذه الأوهام، وهي أن تخرج إيران
مضروبة، وأن يتخوف زعيمها من سقوط النظام، ويتوجه إلى توقيع اتفاق مع الولايات
المتحدة ويوافق على عدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، ويمكن أيضاً أن
يوافق على وضع قيود على تصنيع الصواريخ الباليستية.
من أجل أن يتحقق
هذا السيناريو، يجب أن تتدخل الولايات المتحدة بشكل فعال في الهجوم، لكن الرئيس
دونالد ترمب يبدو وكأنه يتجنّب تدخُّلاً كهذا، حيث إن خوض حرب دامية دون التزام أمريكي
لهو دليل على انعدام المسؤولية، ويمكن أن يقال أيضاً: إنه رهان خطير على مصيرنا
جميعاً. (هاآرتس، 15/ 6/ 2025م).
وهو ما ذهب إليه
بن كسبيت، رئيس التحرير السابق لصحيفة «معاريف»، بقوله: لن تُحسم هذه الحرب إلا
بانضمام الولايات المتحدة إلى الهجمات، الأمريكيون ما زالوا على الحياد، وعلينا أن
نصلّي ليتخلوا عن حيادهم وينضموا إلى الجانب الصحيح، إن قاذفات «بي-52» يمكنها أن
تفعل ما لا تستطيعه قواتنا الجوية المذهلة، وكذلك حاملات الطائرات، المطلوب هنا هو
قوة عظمى قادرة على الحفاظ على وجود دائم وساحق فوق سماء إيران، وممارسة منظومة
متكاملة من الضغوط، إنها أمريكا. (معاريف، 14/ 6/ 2025م).
أهداف
الحرب «إسرائيلياً»
أما عن أهداف
هذه الحرب وكيفية بلوغها، فمجمل التحليلات والتصريحات والتكهنات تتحدث عدة أمور، أهمها
القضاء على الخطر النووي الإيراني، وعلى سبيل المثال كتب المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت
أحرونوت» رون بن يشاي، بُعَيد الضربة «الإسرائيلية» الأولى قائلاً: على الرغم من
تأكيد الجيش على أن الهدف هو القضاء على التهديد النووي، فإنه ظاهرياً، وحسبما
يُفهم من تصريحات رئيس الوزراء الليلة، فإن هدف العملية لا يقتصر على تدمير
المنشآت النووية، بل يشمل كذلك إلحاق الضرر بالنظام الإيراني وصولاً إلى إسقاطه،
إنهم يزعمون في «إسرائيل» أن سقوط النظام وحده كفيل بتخليص «إسرائيل» من السلاح
النووي الإيراني. (يديعوت أحرونوت: 13/ 6/ 2025م).
من جانبه كتب
رفيف دروكر، في هذ الصدد قائلاً: من الممكن أن يكون دفع هذا الثمن لمصلحتنا، من
أجل التوصل إلى النتيجة التي عرضها نتنياهو في بداية الحملة: محو البرنامج النووي
الإيراني. المشكلة أن هذه النتيجة مستحيلة بحسب جميع الخبراء، ونتنياهو يعرف ذلك،
وأيضاً مستشاره تساحي هنغبي اعترف بذلك، نتنياهو يعرف أيضاً أن الهدف الثاني الذي
عرضه غير واقعي، كنا نتمنى لو كان من الممكن سلب إيران قدرتها على صناعة الصواريخ
وإطلاق الصواريخ الباليستية في اتجاه «إسرائيل»، لكن لا توجد طريقة عسكرية للقيام
بذلك.
إن الهدف
الحقيقي للحرب يتم إنكاره في الإحاطات الإعلامية التي يقدمها المتحدثون باسم رئيس
الحكومة، ألا وهو تبديل النظام، من مصلحتنا أن ندفع الأثمان في سبيل تحقيق هذا
الهدف في هذه الحرب، وإذا استطاع نتنياهو تحقيقه فسوف يستحق جميع الألقاب التي
يُطلقها عليه أنصاره، لكن، بحسب المختصين في الشأن الإيراني، لا يوجد تقريباً أيّ
احتمال لحدوث ذلك عن طريق هجوم «إسرائيلي»، حتى إن أحد المختصين قال: إنه يمكن أن
نرى في إيران الآن التفافاً حول العلم، وستتوحد مراكز القوة التي لا تحب النظام
حول الحاجة إلى كبح الهجوم «الإسرائيلي». (هاآرتس، 15/ 6/ 2025م).
الخلاصة
- على الرغم من
الزّهو بقوة الضربة الأولى ونتائجها، والثقة الكبيرة في التفوق العسكري على إيران،
خصوصاً على مستوى السلاح الجوي، والاستخبارات، والإمكانات التكنولوجية، يبدي الرأي
العام «الإسرائيلي» تخوفات كبيرة من عواقب هذه الحرب بشكل عام، وأشد ما يقلقهم أن
تتحول إلى حرب استنزاف مطولة، لعلمهم أن لدى الإيرانيين مقومات أفضل في هذه
الحالة.
- ثمة إجماع
داخلي، حتى على مستوى النخبة، بأن «إسرائيل» لن تتمكن من حسم الحرب بمفردها، ويأمل
الجميع في انضمام الأمريكيين إليهم -يقصدون الانضمام العلني المباشر طبعاً- لإنهاء
الحرب لصالحهم وفي أسرع وقت.
- يعاني الرأي
العام «الإسرائيلي» على مستوياته كافة من الغموض والتشتت فيما يتعلق بأهداف الحرب،
حيث ارتفعت الأصوات مندّدة بغياب أهداف محددة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً