مرافئ السكينة في جوامع الكلم (2)
من بلاغة المقابلة بين شكر السراء وصبر الضراء
بينما تمخر
سفينة المؤمن عُباب الحياة، وتتجاذبها أمواج الأحداث المتلاطمة بمدّها وجزرها، وفي
ظل ما قد يعتور القلب البشري من فزع والنفس من تقلبات في مواجهة هذه الأمواج- تظل
الحاجة ماسّة إلى ما يسكن روع القلب ويُهدئ تقلبات النفس.
وفي هذه الحلقة
نواصل معكم رحلتنا لاستجلاء مرافئ السكينة من بحار السنة النبوية الزاخرة؛ فبعد أن
أرسينا مرافئنا في اللقاء الأول عند مَرْفأ الحفظ الإلهي "احفظ الله
يحفظك"، نُبحر اليوم لنقف على محطةٍ جديدةٍ تمنح النفس طمأنينة الرضا ويقين
العاقبة.
في هذا الأفق
الإيماني، نعيش مع توجيهٍ نبويٍّ آخر، لا يقل عمقًا ولا أثرًا، وهو الحديث الذي
رواه أبو يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه؛ إذ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ
خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ
شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً
لَهُ» (رواه مسلم).
وفيما يلي
نستجلي بعض معالم هذا المرفأ الإيماني من خلال جوانبه اللغوية والبلاغية..
براعة الاستهلال وقوة التأثير
يفتتح النبي صلى
الله عليه وسلم هذا الخبر الإيماني العجيب بكلمةٍ واحدةٍ مشحونة بالدلالة: «عجباً»،
وهي مصدرٌ منصوب يُستخدم هنا كأداة تنبيهٍ نفسيٍّ تستوقف السامع، وتستدعي قلبه قبل
عقله، كما استُدعي في الحلقة الأولى بنداء «يا غلام»، وكأن البيان النبوي يعلّمنا
أن الطريق إلى ترسيخ اليقين يبدأ بإيقاظ الانتباه.
وفي تنكير
«عجبًا» سرٌّ بلاغيٌّ دقيق؛ إذ يفيد التعظيم والتهويل، فيُصوّر حال المؤمن على أنه
ظاهرةٌ تستحق التأمل، وليس حالة عادية تمرّ مرور الكرام، ثم يأتي هذا التعجب
مضافًا إلى «أمر المؤمن» ليُضفي شمولًا كاملًا؛ فكل شأنٍ من شؤونه داخلٌ في دائرة
هذا «العجب»، لا استثناء فيه ولا انفصال.
يقول صاحب شرح
صحيح مسلم: «المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق
موعوده؛ وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره؛ فإن كان
الأول صبر واحتسب ورضي؛ فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني عرف
نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها؛ فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة»
(شرح صحيح مسلم للهرري، 26/ 437).
ثم تأتي هذه
الجملة المؤكدة: «إنَّ أمره كلَّه خير»؛ إذ أكدت بـ«إنَّ» لترسخ المعنى وتعززه، ثم
يأتي التوكيد المعنوي «كلَّه» ليستوعب جميع الأحوال، فيتحول الكلام من احتمالٍ
نفسي إلى يقينٍ عقدي، وهنا يُعاد تعريف «الخير»؛ فلا يُقاس بظاهر اللذة أو الألم،
بل بما يؤول إليه من أجرٍ وثواب.
ويكتمل التأكيد
بأسلوب القصر: «وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن»، الذي يفيد التخصيص؛ ليؤكد أن هذه
المزية ليست مهارةً نفسية مكتسبة، بل هي ثمرةُ إيمانٍ حيٍّ يربط القلب بالله.
يقول أبو الحسن
القاري معلقاً على هذه الجملة: «ثُمَّ وَجَّهَ حَصْرَ الْخَيْرِ فِي كُلِّ حَالٍ
لِلْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَبِعَ
وَبَطِرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ جَزَعَ وَكَفَرَ، بِخِلَافِ حَالِ
الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ: إِذَا كَانَ
شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ نِعْمَةً عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؛
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ
وَاتَّسَعَ الْعُمُرُ إِذَا مَسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورَهَا وَإِنْ مَسَّ
بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرَ» (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/
3317).
بلاغة المقابلة بين السراء والضراء
بعد هذا الإجمال
في هذا الاستفتاح البياني البليغ ينتقل الحديث إلى التفصيل في لوحةٍ بلاغيةٍ
متوازنة، تقسم الحياة إلى حالين لا ثالث لهما: سرّاء وضرّاء.
ففي «السرّاء»
-وهي صيغة تدل على وفرة النعم واتساعها- يأتي «الشكر» استجابةً واعية من قلب
المؤمن الذي يعلم أن هذا الخير مصدره المنعم سبحانه، وهو ليس مجرد انفعالٍ عابر
ومن دقائق البيان أن الخير لم يُجعل في النعمة ذاتها، بل في فعل الشكر (شكر فكان
خيراً له)، وكأن النعمة قد تكون ابتلاءً، أما الشكر فهو الذي يحوّلها إلى نعمةٍ
حقيقية.
وفي المقابل،
تأتي «الضرّاء» بكل ما تحمله من ألمٍ ومشقة، فيقابلها «الصبر».
ويبرز هنا
التوازن الصوتي والتركيبي بين «شكر» و«صبر»، بما يمنح النص إيقاعًا هادئًا ينساب
في النفس سكينة، كما أن التعبير بالفعلين الماضيين «شكر» و«صبر» يوحي بوقوع الأمر
وتحققه، ويدل أسلوب الشرط على تجدد الجواب كلما وقع الفعل؛ فيبدو الأمر وكأنه
طبيعةٌ مستقرة في نفس المؤمن، وليس ردود أفعال طارئة.
ويأتي اختتام
النبي صلى الله عليه وسلم كلتا الحالتين بالنتيجة نفسها: «فكان خيرًا له» ليؤكد
هذه الخيرية في الحالتين؛ فهذا التكرار ليس مجرد تكرار لفظي؛ بل هو تأكيد معنويّ
ينسف التعارض الظاهري بين النعمة والمحنة؛ فالمؤمن لا يتنقل بين خيرٍ وشر، بل بين
نوعين من الخير: خير الشكر وخير الصبر.
وهنا يتجلى
المعنى الذي مهدت له الحلقة الأولى؛ فكما أن «الحفظ» الإلهي يحيط بالمؤمن في
ظاهره، فإن «الخير» يحيط به في باطن أحواله، ليصنع له حالةً من التوازن الوجداني؛
بحيث لا تهزه الأحداث ولا تكسره المفاجآت.
مرفأ السكينة والطمأنينة
إذا كان الإنسان
في لحظات القلق يسأل: ماذا سيحدث؟ فإن هذا الحديث يعلمه أن السؤال الأعمق: كيف
أتعامل مع ما يحدث؟
فإن جاءته
سرّاء، شكر؛ فاستقرت النعمة.
وإن أصابته
ضرّاء، صبر؛ فاستحالت المحنة عبادة.
وبذلك ينتقل
المؤمن من فزع التوقعات إلى طمأنينة الحقائق، ومن القلق على النتائج إلى الثبات
على المواقف؛ فليست السكينة في تغيّر الظروف، بل في ثبات القلب على منهجٍ رباني
يجعل كل طريقٍ يسلكه العبد طريقًا إلى الله وخيرا له في كل حالاته.
اقرأ في
هذه السلسلة:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً