الأكاديمي البوسني أحمد علي لـ«المجتمع»: البوسنة تعاني هجرة الشباب و«الإسلاموفوبيا»

بين الصعود والهبوط على مدار أكثر من 5 قرون، عاشها المسلمون بكل أتراحها وأفراحها، بين القلق والطمأنينة، والاضطهاد والاعتزاز بدينهم، نحت مسلمو البوسنة والهرسك رحلة طويلة لعقيدة راسخة في القلوب، صارت بوابة الإسلام إلى أوروبا، حيث وقفت شامخة ضد أعتى التطهيرات العرقية في عالم لا يعرف إلا لغة الغاب.

ورغم كل هذه التحديات يعتزّ البوسنيون بدينهم وحضارتهم، لكن تبقى هناك تحديات داخلية تؤرق مسلمي البوسنة كغيرهم من دول البلقان.

«المجتمع» تواصلت مع الأكاديمي أحمد علي باشيتش، أستاذ الحضارة الإسلامية في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة سراييفو، الذي كشف أن هجرة الشباب وتمدد «الإسلاموفوبيا» من أكثر ما يواجهه المسلمون، إضافة إلى تدني الوضع الاقتصادي في البلاد.

  • البوسنة هي البوابة الحقيقية لمرور الإسلام إلى أوروبا، لماذا البوسنة تحديداً؟ ولماذا هذا الثقل التاريخي والروحي لها؟

- لم تكن البوسنة والهرسك دائماً ذلك الجسر، فمن الناحية الجغرافية، كان المسار يتجه شمالاً عبر الطريق الروماني القديم من إسطنبول، مروراً ببلغراد، وصولاً إلى وسط أوروبا، غير أنّه بعد انسحاب العثمانيين من المجر وصربيا، ظلّ مسلمو البوسنة أوفياء للعهد الذي قطعوه، لكن الجسور رغم عظمتها وفائدتها، تظلّ منشآتٍ شديدة الهشاشة، ومن هنا جاءت قسوة مصير مسلمي البوسنة خلال القرون القليلة الماضية.

  • تتصدر دائماً مقولة «فرض الإسلام بالقوة على الأوروبيين، ومنهم البوسنيون»، كيف ترى ذلك؟ وما الحقيقة التي دفعت البوشناق، أو البوسنيين لاعتناق الإسلام؟

- هذه المقولة روّجتها التأريخات القومية في البلقان، ونادراً ما يأخذها أحد على محمل الجد، فقد أصبح المسلمون في البوسنة أغلبية بعد نحو 150 عاماً من دخول الإسلام، ولو كان هناك إكراه جماعي على اعتناق الإسلام، لكانت النتائج مختلفة، مثل المناطق التي أُجبر فيها السكان على اعتناق دين السلطة الحاكمة.

لدينا 2800 مسجد ومصلى والعدد نفسه تقريباً من الكتاتيب

  • نريد أن نعرف عن قرب مظاهر الإسلام في البوسنة، وكيف يتم نشر الثقافة الإسلامية، وإذكاء تعلم اللغة العربية؟

- مظاهر الإسلام في البوسنة لا تختلف جوهرياً عن الإسلام في سائر الأماكن، والاختلاف الأساسي يكمن في درجة الالتزام والممارسة الدينية، وبسبب سياسة الإلحاد القسري التي سادت بين عامي 1945 و1990م، فإن مسلمي البوسنة اليوم أقلّ تديناً من مسلمي لبنان وتركيا، لكنهم أكثر تديناً من مسلمي ألبانيا أو مسلمي آسيا الوسطى.

بشكل عام لدينا نحو 2800 مسجد ومصلى (مساجد بلا مآذن)، إضافة إلى العدد نفسه تقريباً من الكتاتيب، لكن نحو ثلث المساجد لا يوجد فيها إمام أو معلّم ديني معيَّن بصورة دائمة.

  • من هو المرجعية الإسلامية في البوسنة؟ وكيف يتم التنسيق بين المرجعية البوسنية والعالم الإسلامي، وآثار ذلك على المسلمين في البلاد؟

- ينظّم مسلمو البوسنة حياتهم الدينية منذ رحيل العثمانيين من خلال المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك.

ويكفي للدلالة على أهمية هذه المؤسسة أنّها قائمة منذ عام 1882م، رغم أنّ البوسنة كانت خلال هذه الفترة جزءاً من إمبراطوريات ودول متعددة بلغ عددها ما لا يقل عن 5 دول مختلفة، ويقود هذه الجماعة رئيس العلماء، أو المفتي العام، الذي ينتخبه المسلمون أنفسهم.

  • الرئيس الراحل علي عزت بيغوفيتش سياسي محنك وقيادي متفان في خدمة دينه ومبادئه، ما انعكاسات ذلك على الإسلام حالياً؟ وكيف ينظر إليه البوسنيون؟

- بالنسبة لمسلمي البوسنة، فإنّ الرئيس الراحل علي عزّت بيغوفيتش يُعدّ قبل كل شيء رجل دولة استطاع أن يضمن دعماً من الشرق والغرب معاً لاستقلال البوسنة، وبفضل هذا الدعم أصبحت البوسنة اليوم دولةً مستقلة، وهو ما يُعدّ أشبه بالمعجزة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار ضآلة الموارد، التي انطلق بها الوطنيون البوسنيون في هذا المشروع.

ومن جهة أخرى، يُذكر الرئيس بيغوفيتش بوصفه مدافعاً عن الحريات والحقوق الفردية، وإذا كان هناك ما يمكن للبوسنة أن تفتخر به اليوم، فهو كونها مجتمعاً يتمتع بدرجة معتبرة من الحرية.

نحو ثلث المساجد لا يوجد فيها إمام أو معلّم ديني

  • ما أبرز التحديات أو العراقيل التي يواجهها المسلمون في البوسنة والهرسك؟

- يوجد في البوسنة ما يصل إلى 2800 مسجد ومصلى، وعلى الرغم من الإنجازات المهمة في مجال الحياة الدينية، فإنّ هناك تحديات، أهمها:

1- «الإسلاموفوبيا»: التي نتعامل معها بجدية كبيرة في بلدٍ شهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وهي تتجلى بشكل خاص في المناطق التي يشكّل فيها المسلمون أقلية.

2- الهجرة: هجرة الشباب إلى الغرب، يجعل البوسنة مجتمعاً متقدّماً في السنّ ذا آفاق ديمغرافية مقلقة، ومع ذلك، ينبغي التأكيد أنّ الشباب الذين يغادرون البوسنة ليسوا بالضرورة ضائعين بالنسبة للإسلام.

  • يحتفل البوسنيون في 7 مايو من كل عام بـ«يوم المساجد»، ما طبيعة هذا الاحتفال، ودوره في بث روح الإيمان والثقافة الإسلامية بين البوسنيين؟

- هذا اليوم دُمِّرت فيه عام 1993م واحدةٌ من أجمل مساجد البوسنة، وهو مسجد فرحات باشا في بانيا لوكا، ويشكّل هذا اليوم تذكرة بحجم الدمار الذي طال المساجد خلال العدوان على البوسنة في تسعينيات القرن الماضي.

صحيح أنّ المساجد كانت قد تعرّضت للتدمير في حروب سابقة شهدتها منطقة البلقان، لكنّ ذلك لم يكن في أي وقت منهجياً كما كانت الحال في تسعينيات القرن العشرين، ففي غضون ثلاث سنوات ونصف سنة من الحرب، قامت القوات المسلحة الصربية بتدمير جميع المساجد التي تمكنت من الوصول إليها.

الاقتصاد يعد أحد أضعف جوانب الحياة في البلاد

  • ما طبيعة الوضع الاقتصادي في البلاد؟ وهل هناك أزمات جاثمة على صدر البلاد؟

- يعدّ الاقتصاد أحد أضعف جوانب الحياة في البوسنة، وللأسف، فإنّ عدم الاستقرار السياسي، والعوائق الإدارية، والفساد تعرقل الاستثمار، وتنمية الاقتصاد المحلي، ومن باب الإنصاف، فإنّ البوسنة ليست حالة استثنائية في هذا المجال، إذ شهدنا السيناريو نفسه في معظم دول أوروبا الشرقية.

  • كيف يمكن لمسلمي البوسنة تحصيل العلم الشرعي، والثقافة الإسلامية؟

- يُعدّ تدريس العلوم الإسلامية أحد المجالات التي شهدت تقدّماً ملحوظاً خلال الثلاثين سنة الماضية، فحتى عام 1977م لم يكن لدى مسلمي البوسنة أي مؤسسة للتعليم العالي في العلوم الإسلامية.

أمّا اليوم، فقد أصبح من الممكن في البوسنة والهرسك دراسة العلوم الإسلامية حتى مستوى الدكتوراة، حيث تتوافر المؤلفات والمراجع العلمية على نطاق واسع، كما تتكرر زيارات الأساتذة والباحثين من الشرق والغرب.



اقرأ أيضاً:

«المَدرَسة» في البوسنة والهرسك

رمضان في البوسنة والهرسك.. عبق الماضي وبهجة الحاضر

بيجوفيتش.. الهروب من سجن الشيوعية إلى رحابة الإسلام

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة