تهيئة النفوس لاستقبال سيد الشهور

يشعر الإنسان بالسعادة عموماً إذا أقبل عليه من يعينه لتحقيق أهدافه ورغباته، كما يشعر المسلم خصوصاً بالسعادة إذا أقبل عليه شهر يمحو فيه أوزاره ويرفع درجاته ويعفو عن زلاته، وإذا كانت سعادة الإنسان عموماً مادية لارتباطها بدنياه، فإن سعادة المسلم أوسع لارتباطها بأخراه، والمسلم ينبغي أن يهيئ نفسه لاستقبال هذا الشهر المبارك لما فيه من فضل عظيم وثواب جزيل، ويكون ذلك بما يأتي:

أولاً: الدعاء:

يستعد المسلم لاستقبال هذا الشهر الفضيل ويهيئ نفسه له بالدعاء أن يبلغه الله تعالى إياه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الطبراني عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، ‌وبلغنا ‌رمضان» (ضعيف).

وقال معلى بن الفضل: كان الصحابة يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم، وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً.

ولسان حال المتهيئين لشهر رمضان يقولون: يا من طالت غيبته عنا، قد قربت أيام المصالحة، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟! من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح، فكم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله، فصار قبله إلى ظلمة القبر، وكم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومؤمل غداً لا يدركه، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره(1).

ثانياً: تبشير الطائعين بالخير المكنون في رمضان:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان المبارك وينثر فضائله بين أيديهم ليكونوا أسرع إقبالاً عليه وأشد قوة على أداء الطاعة فيه، فعند النسائي عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌أتاكم ‌رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم».

ففي هذه البشرى ما يبين أن الله تعالى أراد من عباده الإقبال عليه، فقد وعدهم فيها بإغلاق أبواب النيران وفتح أبواب الجنان ومنع وساوس الشياطين، كما وعدهم مع نهاية كل يوم صوم بعتق رقابهم النار، ففي الترغيب والترهيب عن ابن مسعود قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَللَّه عز وجل عِنْد كل فطر من شهر رمضان كل لَيْلَة عتقاً من النَّار سِتُّونَ ألف فَإِذا كَانَ يَوْم الْفطر أعتق الله مثل مَا أعتق فِي جَمِيع الشَّهْر ثَلَاثِينَ مرّة سِتِّينَ ألف سِتِّينَ ألف».

فما أنعم الله تعالى على المؤمنين به بهذه الفضائل إلا لمحبته إياهم، ورغبة في عودتهم إليه وتجنباً لعذابه، فالغنيمة الغنيمة لمن أراد النجاة واللحاق بركب المقبلين على الله!

ثالثاً: التوبة إلى الله تعالى:

التوبة إلى الله تعالى ما هي إلا اعتراف العبد بالتقصير نحو ربه والاعتذار عما بدر منه وطلب عفو الله عنه ومواصلة الطاعة لله تعالى، والله تعالى إذا وجد من عبده صدق العودة إليه فرح به، فهو الذي قال سبحانه: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لله ‌أشد ‌فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوِّيةٍ مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته».

والإجماع منعقد على وجوب التوبة؛ لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله تعالى، فيجب الهرب منها على الفور.

والتوبة واجبة على الدوام، فإن الإنسان لا يخلو عن معصية، لو خلا عن معصية بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك، لم يخل عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولا يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وأما أصل ذلك، فلا بد منه(2).

رابعاً: إصلاح ذات البين:

يقصد به العفو عمن آذاك وطلب العفو ممن قمت بالاعتداء عليه قولاً أو عملاً، والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن هذا العمل أفضل من أعمال الفريضة، فعند أبي داود عن أبي الدرداء قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟»، قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة».

ولهذا، بذل الصحابة جهدهم في إصلاح ذات بين المتخاصمين، ففي البخاري عن عائشة حدثت أن عبدالله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله علي نذر ألا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله لا أشفع فيه أبداً ولا أتحنث إلى نذري.

فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي.

فأقبل به المسور، وعبدالرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير.

فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور، وعبدالرحمن، يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.

فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما نذرها وتبكي، وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.

فما ينبغي لمسلم يتهيأ لاستقبال شهر رمضان وهو يحمل في صدره حقداً أو بغضاء أو عداوة لأحد، أو يعلم أنه أغضب البعض منه دون سعي لاسترضائه، أو يعلم خصومة بين مسلمين ويستطيع إزالتها ثم يتراجع عنها أو يتكاسل، بل ينبغي أن يسارع في الخيرات، لينال فضيلة الأيام المباركة.

الهوامش
  • 1 لطائف المعارف: ابن رجب الحنبلي، ص 257.
  • 2 مختصر منهاج القاصدين: ابن قدامة المقدسي، ص 228.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة