الخوف من كاميرات المراقبة!

الخوف من كاميرات المراقبة!

يشهد العالم تزايداً كبيراً في نمو الطلب على شراء كاميرات وتقنيات المراقبة، ليبلغ حجم هذه السوق عالمياً 56.52 مليار دولار أمريكي في العام 2025م.

ترجح تقديرات اقتصادية نشرها «PreciseSecurity» (موقع متخصص في أبحاث الأمن السيبراني والأمن الرقمي)، نمو السوق من 66.01 مليار دولار أمريكي، خلال العام 2026م إلى 228.65 مليار دولار بحلول العام 2034م.

يعد هذا الارتفاع قياسياً، ومدفوعاً بتوجه الشركات والحكومات والدول العظمى مثل الصين والولايات المتحدة ودول أوروبا، إلى الاستثمار في شبكات الأمن الرقمية، وسوق تكنولوجيا كاميرات المراقبة فائقة الدقة.

يعزز النمو العالمي لصناعة كاميرات المراقبة الهوس الأمني المتزايد لدى أجهزة الأمن والاستخبارات التي تعتمد على قدرات تقنية متطورة وكاميرات فائقة الدقة، مدعومة بجودة الصور والذكاء الاصطناعي والقدرة على التعرف على الوجوه وتحليل البيانات.

منظور قيمي وأخلاقي

قد ينظر الكثيرون إلى تلك الأرقام من منظور اقتصادي بحت، يتعلق بتعزيز معايير السلامة والأمان، والرغبة في جني أرباح مليارية، لكن الأمر يحمل في طياته رسائل ودلالات أخرى، محملة بأخطار تشي بتواري معانٍ قيمية وأخلاقية.

ربما تحد كاميرات المراقبة من معدلات ارتكاب الجرائم، وتقلل من حوادث السرقة والعنف والاغتصاب، لكن الواقع يؤكد أن الضمير والوازع الديني سيظل أقوى تأثيراً من كاميرات المراقبة!

عندما يجري تغييب البعد الديني والقيمي في زمن المادية الرأسمالية، وقياس العلاقات الاجتماعية والإنسانية بكاميرات فائقة الدقة، فإن مسلسل الجريمة لن يتوقف، بل سيزداد حدة، وبالتأكيد سيلجأ العقل البشري إلى حيل ذكية للتحايل على آلات صماء لا تعرف قيمة الضمير، وقدر مراقبة الله في السر والعلن.

هل تعلم أن الولايات المتحدة تنافس الصين فيما يتعلق بانتشار كاميرات المراقبة بمقدار كاميرا واحدة لكل 4.6 أشخاص، بينما تصل في الصين إلى كاميرا واحدة لكل 4.1، وفي الوقت ذاته، يتزامن هذا النمو القياسي مع ارتفاع كبير في جرائم القتل خلال العام 2020م بنسبة 29.4% مقارنة بعام 2019م، وفق بيانات صادرة عن مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي (إف بي آي).

مراقبة الله في السر والعلن

على الرغم من التقدم الهائل في صناعة كاميرات المراقبة، فإن العقل البشري لم يتوصل بعد إلى آلية أو آلة بإمكانها اكتشاف زيف الضمير، أو استشعار تدني الوازع الديني، أو رصد انخفاض المنسوب القيمي في النفس البشرية.

لقد عنى القرآن الكريم قبل أكثر من 14 قرناً من الزمان، بتنمية وتعزيز الوازع الديني لدى الإنسان، وترسيخ استشعار رقابة الله تعالى عليه في السر والعلن، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًب) (الأحزاب: 52)، وقوله عز وجل: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) (الملك: 13)، وقوله سبحانه: (وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) يونس: 61).

وجاءت السُّنة لتكمل تربية الإنسان، وتعزز لديه الحس الرباني برقابة الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه البخاري).

قال الحافظ ابن رجب: في قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قيل: «إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته، حتى كأنه يراه».

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم مجدداً المعنى ذاته، في قوله: «اتق الله حيثما كنت..» (رواه الترمذي)، وقوله: «من غشنا فليس منا» (رواه مسلم).

حصن رباني ضد الجريمة

هذه النفس البشرية التي تربت على كتاب الله وسُنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ليست في حاجة إلى كاميرا مراقبة، أو أنظمة تجسس، بل لديها قرون استشعار فائقة الدقة إزاء الحلال والحرام، الحق والباطل، والخير والشر، قال عبدالله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فانحدر بنا راعٍ من الجبل، فقال له عمر ممتحنًا له: أيها الراعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إنني مملوك، فقال عمر: قل لسيدك: أكلها الذئب (يريد أن يختبره)، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر، ثم غدا مع المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال له: أعتقتْك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

«أين الله» تعدل أكثر من ألف كاميرا مراقبة، وألف نظام أمني، إذا كانت منهجاً تربوياً وإيمانياً لأبنائنا وبناتنا، ورجالنا ونسائنا، وشبابنا وشيوخنا، وللبشرية جمعاء، إذا كانت تريد النجاة من تفشي الجريمة.

«أين الله» منهج إلهي، وحصن رباني، وسلاح أمني لا مثيل له، ضد الغش والسرقة، والاحتيال والابتزاز، والتحرش والاغتصاب، والقتل والعنف، وكل صور وأنواع الجريمة، شريطة الامتثال له، قولاً وعملاً.

من روائع الشعر الزهدي للشاعر العباسي أبو العتاهية:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل    خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة           ولا أن ما يخفى عليه يغيب

وقول الشاعر:

وإذا خلـوت بريبة في ظـلـمـة        والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحْيِ من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة