من هي الفتاة الأعجوبة؟
إذا رأيت الفتاة المسلمة في هذا الزمن، وقد عصفت بها رياح الفتن، وتهاوت
حولها أسوار القيم، وأُلقيت أمامها شباك المغريات، ثم وجدتها صامدة، طاهرة، نقيّة،
فاعلم أنك قد رأيت أعجوبة الزمان!
وكيف لا أتعجب ممن اختارت العفاف في زمن التفلت، ومن ابتغت الطهر في زمن
الدنس، ومن تمسكت بالحجاب في زمن التعري والانكشاف؟ أليست هذه الأعجوبة التي تسير
على الأرض، فلا تلتفت إلى صخب المغريات، ولا تنصاع إلى نداء الهوى؟
إنها الفتاة التي صانت نفسها عن الحرام، وأبت إلا أن تكون كاللؤلؤة المصونة
في صدفها، لا تنالها الأيدي، ولا تقترب منها العيون، اختارت أن تكون صاحبة حياء،
ورفضت أن تكون سلعة رخيصة في سوق الأهواء.
والله إني لأعجب من تلك الفتاة، كيف رفعت راية العفة، وأعلنت ولاءها
للفضيلة، في زمن تاه فيه الناس بين ركام الشهوات؟ كيف استطاعت أن تحمي قلبها من
زيف الدنيا، وأن تملأ روحها بنور القرآن، وأن تتزين بزينة الحياء والوقار؟
إنها ليست فتاة عادية، بل هي بنت الأصول، وربيبة القيم، وسليلة العفاف، هي
تلك الأعجوبة التي تحمل في قلبها قلباً كالأسد ثباتاً، وفي روحها روحاً كالنسيم
طهراً، وفي وجهها نوراً كالقمر إشراقاً.
فيا عجبًا لتلك الفتاة، كيف سارت في دربٍ موحش، لا أنيس فيه إلا الخوف من
الله، ولا زاد لها فيه إلا الإيمان! كيف جاهدت في زمن صار فيه المعروف منكَرًا
والمنكر معروفا، فأصبحت أميرة في أهلها، متميزة في قومها، ثابتة في موضع الزلل!
أترى من حولها من الفتيات وقد غرقن في بحور التبرج والتقليد، فلا تجد في
أعينهنّ حياء، ولا في ألسنتهنّ عفَّة، ولا في لباسهنّ ستراً؟ ثم تراها، كالنخلة
شامخة، لا تنحني لريح، ولا تميل لهوى، قد جعلت همّها رضا ربها، ورضيت أن تكون في
أعين الناس غريبة، لتكون في عين الله قريبة.
أعجوبة الزمان! بل هي نجمة في ليلٍ مدلهم، تسير على هدى، وتضيء لغيرها
السبيل، هي الساكنة في الأرض، الرافعة نظرها إلى السماء، لا تفرح بمدح الناس، ولا
تحزن لذمهم، لأنها تعلم أن الميزان في السماء، وأن الحساب عند ربّ الأرض والسماء.
هي الفتاة التي إذا قرأت القرآن بكت، وإذا سمعت حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم اهتزّ قلبها، وإذا قامت إلى الصلاة خلتَها من الخاشعين، وإذا دعت ربها
علمت أن الاستجابة حق، فلهج لسانها بالدعاء، واطمأن قلبها بالرجاء.
فيا من رأيتها يوماً تمرُّ في الطريق، بثوبها المحتشم، وخطاها الواثقة..
اعلم أنك قد رأيت الفتاة الأعجوبة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً