6 خطوات تعيد للطفل شعوره بالأمان أثناء الحرب
في بيت هادئ
ومطمئن، وفي نهاية يوم دراسي عادي، جلس طفل الثامنة من عمره وهو يريد أن ينطلق إلى
عالمه الصغير، ألعاب تملأ المكان، وضحكات تتردد بين الجدران، ثم يخرج من بيته إلى
المسجد وقت الصلاة، ويذهب إلى النادي الذي يمارس فيه رياضته المفضلة بكل حُرية.
كان الأمان يحيط
به من كل جانب، لا يفكر في هذا الأمان ولو لمرة واحدة؛ لأنه ببساطة لم يرَ غيره،
فالطريق معروف، والوجوه مألوفة، والحياة آمنة، ولم يتخيل يوماً أن يعيش عكس ذلك،
ولكن في مساء عابر جلس بجوار والده الذي يتابع الأخبار فوجد وضعاً قد اختلف،
وأحداثاً ملتهبة، دماء وأشلاء وانفجارات وطائرات.. إلخ.
رجع الطفل إلى
لعبه ولكن ضحكاته لم تكتمل، وتركيزه تشتت، ونظراته صارت تذهب بعيداً، نظرات يملؤها
القلق والخوف وتحمل في طياتها أسئلة لا يستطيع بنفسه أن يجد لها جواباً، ولا
يستطيع أن يَصُوغ لها سؤالاً! وفي نهاية يومه ذهب ليخلد إلى النوم، ذهب بخياله
ليفكر فيما يجري، وما سيحدث، والصور التي شاهدها لا تزال أمام عينيه البريئتين.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأ القلق يتسرب إلى أعماقه، ويتمكن منه، وبدأ الخوف يكون ملازماً له، ومُجاوراً
لعقله وفكره، وهكذا.. وبدون مقدمات، بدأت الحياة تتغير حول الطفل فتغير ما بداخله،
وبدأ يفقد الشعور بالأمان.
حين يهتز الأمان الداخلي
من أخطر ما
يُواجهه الإنسان -وخاصة الأطفال- حال الحروب عدم الشعور بالأمان؛ لأنه يغرس في
النفس بذور القلق والخوف، وعدم الشعور بالراحة الداخلية، فتهتز الثقة عنده قبل أن
يكتمل الفهم لديه، فالطفل الذي يفقد إحساسه بالأمان يعيش اضطراباً داخلياً يتغلغل
في كل تفاصيل حياته، ويتحول اللعب من متعة وانسجام إلى هروب من المشاعر الداخلية،
وتتحول الضحكات إلى رهبة خفية لا يستطيع إظهارها.
ففقدان الأمان
من الداخل يهزّ لدى الأبناء واحدة من أعمق القيم النفسية، فحين يفقد الطفل هذا
الإحساس، يبدأ جسده بالتعبير عمّا يعجز لسانه عن قوله، وتظهر عليه بعض الأعراض
مثل: آلام في المعدة، أو تقيؤ متكرر، أو قضم أظافر، أو نوبات هلع وخوف وغضب، وفي
علم النفس، يُعرف هذا بـ«الاضطراب النفسي الجسدي أو سيكوسوماتي» (Psychosomatic Disorder)، حيث يتحول فقدان الأمان الداخلي حينها إلى قلق صامت.
القلق الصامت وأزمة المعنى
القلق الصامت هو
ذاك الشعور الذي يتسلل بهدوء خلف ابتسامات الطفل، وينمو في صمت، ويكبر دون أن
يشاهده من حوله، فهو ليس بخوف من شيء محدد، بل هو توتر خفي في القلب، وارتباك في
فهم العالم المحيط، وفهم مآلات الأحداث الجارية، يبدأ هذا الأمر بالتخيل المُشوه
عند الأبناء جرَّاء ما يحيط بهم من أحداث وفظائع، وتتحول أبسط الأخبار أو الصور
التي يشاهها إلى مصدر للتهديد، وأثناء هذا الصمت القاتل تتمكن الهزة الحقيقية
للأمان داخل الطفل وينمو القلق دون كلمات تُنطق، وحينها يتحول الشعور بالطمأنينة
إلى سؤال دائم ومُحيِّر: هل العالم آمن ومُستقر كما يُقال؟!
كيف نعيد للطفل شعوره بالأمان في زمن الحروب؟
1- الأسرة صمام الأمان:
في زمن الحروب،
يظهر الدور الأسمى والحقيقي للأسرة، لأننا نعتقد أن الأسرة ليست مجرد ممول مالي،
بل هي السفينة الحقيقية التي تسير بأبنائها وتحميهم نفسياً وصحياً وسط الأزمات،
وهي الركن -بعد الله- الذي يأوي إليه الطفل ويستند إليه في عالم مضطرب ومتغير،
فعلى الأسرة أن تقوم بدورها في إشعار الأبناء بالأمان والتآلف، ونزع فتيل التوتر
والقلق من داخله، وأن تُكرر على مسامعه: «أنت آمِن.. نحن معك».
2- تقديم صورة متوازنة للطفل عن العالم:
لا بد أن نُظهر
العالَم أمام أبنائنا منذ الصغر بصورته الحقيقية، ولا نتكلم عن العالم أمامهم
بصورة مثالية، وأيضاً لا نتكلم عن العالم بصورة سَوْدَاوية انهزامية، بل التوازن
خير مثال، فهو عالم فيه الخير والشر، والغني والفقير، والظالم والمظلوم، والطيب
والخبيث، والملائكة والشياطين.
فتقديم صورة
متوازنة عن العالم للأطفال يجعله يَعِي في وقت الحروب الأمور على حقيقتها، دون
إفراط ولا تفريط، وهنا يتسلل إلى فكره أن القلق والخوف شيء وارد في الحياة، ولكنه
ليس النهاية، ومن خلال ذلك يتعلم كيف يتعايش مع القلق والخوف، وكيف يُوازن بين
القلق والأمان.
3- فلترة المعروض على الشاشات:
من مسؤوليات
الأسرة وقت الحروب ألا يرى الأبناء الحروب على الشاشات بكل تفاصيلها؛ لأن استقبال
الأطفال للأحداث يختلف عن استقبال الكبار، ولأن استمرار مشاهدة مشاهد القتل
والتفجير والدماء والقنابل بصورة مستمرة قد يُحول القلق الطبيعي إلى قلق مرضي وخوف
دائم، وهذا سيُعيق نموه النفسي نمواً طبيعياً.
4- إيصال إيحاءات الطمأنينة والأمان:
الأطفال لا
يحتاجون في زمن الحروب إلى كلمات الطمأنينة فحسب، بل يَتُوقون إلى مشاعر الأسرة
التي تبث في روحهم الأمل، وتغرس في نفوسهم الأمان، فنبرة الصوت الهادئة،
والابتسامة الدافئة، والأحضان المتتابعة، كل هذا يُقرر في نفوسهم الارتياح والشعور
بالأمان، وعدم القلق.
5- الإجابة عن أسئلتهم الوجودية والجوهرية:
في وقت الحروب
والقلق تأتي أسئلة وأفكار للأبناء تحتاج إلى جواب ديني ومنطقي، أسئلة مثل: لماذا
خلق الله الشر؟ ولماذا ينتصر الظالم على المظلوم؟ فهذه الأسئلة تحتاج لأجوبة
منطقية تساعد في استقرار الجانب الديني والوجداني لدى الأبناء، أجوبة تساهم في
بناء قيمي ديني قويم.
6- تقليل الضغوط:
الطفل زمن
الحروب يعيش ضغطاً داخلياً، فلا بد أن نخفف عنه الضغوط الخارجية، مثل الواجبات
المدرسية المكثفة، والمواعيد المشحونة بالالتزامات، ولا بد من تخفيف حدة التوقعات
المبالغ فيها، فهذا يساعدنا على حماية يومه من الإجهاد النفسي الزائد.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً