إنما يتقبل الله من المتقين
قال الله تعالى:
(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27)، تؤكد هذه الآية الكريمة أن قبول
الأعمال في الإسلام لا يخضع للمظاهر والأشكال الفارغة من المضمون المتصل بالله تعالى،
وهذا المضمون هو تقوى الله عز وجل، فالتقوى هي الميزان الذي يتم به قبول الأعمال
عند الله، وهي صمام الأمان في رحلة الإنسان مع الطاعة والعبادة.
وعن ابن عباس
قال: بينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قربانًا! وكان الرجل إذا قرب قربانًا
فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته، وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار،
فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب
خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر أبغض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة
وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت
قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟ فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير
مني!! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (تفسير
الطبري، 10/ 203).
أي: قال هابيل
لقابيل ناصحاً ومرشداً: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين
يخشونه في السر والعلن، وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم
الله من نعم، فعليك أن تكون من المتقين لكي يقبل منك الله، (التفسير الوسيط، 4/
119).
العبرة بالعموم لا الخصوص
ليس المقصود من
الآية الكريمة الوقوف عند ما حدث مع ابني آدم عليه السلام، فالعبرة بالعموم لا
الخصوص، والآية عامة في قبول الأعمال ممن كل من يتقي الله عز وجل، قال الزمخشري:
في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) دليل على أنّ اللَّه تعالى لا يقبل طاعة إلا
من مؤمن متق، فعن عامر بن عبداللَّه أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك
فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع اللَّه يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). (تفسير
الكشاف، 1/ 624).
تعريف التقوى
التقوى تعني
الوقاية، وهي تعني حفظ الشّيء ممّا يؤذيه ويضرّه. (المفردات: للراغب، ص 881)، وقيل:
هي التّجنّب عن كلّ ما يؤثّم من فعل أو ترك، وقيل: هي امتثال أوامره تعالى واجتناب
نواهيه، بفعل كلّ مأمور به وترك كلّ منهيّ عنه حسب الطّاقة.
قال الحليميّ:
حقيقة التّقوى فعل المأمور به والمندوب إليه واجتناب المنهيّ عنه والمكروه المنزّه
عنه لأنّ المراد من التّقوى وقاية العبد نفسه من النّار وهو إنّما يقي نفسه من
النّار بما ذكرت. (بصائر ذوي التمييز، 2/ 300).
والمتقون هم
الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من
معصيته. (تفسير الطبري، 10/ 203).
لماذا كانت التقوى سبب قبول الأعمال؟
يمكن النظر إلى
التقوى على أنها سبب قبول الأعمال لما يأتي:
1- المراد بالتقوى في الآية اتقاء الشرك:
قال ابن عطية:
المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السُّنة، فمن اتقاه وهو موحد
فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة
العليا من القبول والختم بالرحمة. (تفسير القرطبي، 6/ 135).
وفي صحيح مسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ
الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ
وَشِرْكَهُ»، فمن أشرك مع الله غيره فلا قبول لعمله، سواء كان هذا الشرك كبيراً أم
صغيراً.
والشرك الكبير
هو العبودية لغير الله، أما الشرك الصغير فهو الرياء، فمن أراد أن يتقبل الله له
منه فلا يصرف عبادته لغير الله، ولا يرائي بها أحداً من خلقه؛ لذا كان الإخلاص لله
تعالى هو أول شروط قبول الأعمال، فمن أخلص عمله لله؛ أي نقاه من الشرك فإنه يؤهله
للقبول، قال تعالى: (فَاعْبُدِ
اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) (الزمر: 2)، وقال عز وجل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة: 5).
2- التقوى تحمي العمل من الفساد:
إذا كانت التقوى
تعني الوقاية والحماية فإنها تحمي القلب من الآفات التي تحبط العمل، كالإعجاب به
أو التكبر على غيره أو المن أو الأذى به إن كان فيه ما يتعلق بالعطاء كالزكاة أو
الصدقة أو الهبة أو غيرها، كما تقي القلب من الحقد والحسد والبغضاء، فالتقوى تقي
القلب من هذه المفسدات، حتى لا يفسد العمل بعد أدائه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) (البقرة: 264).
3- التقوى تُثمر الاتباع:
لا يكتفي المتقي
بالحماية من الشرك أو الرياء أو مفسدات الأعمال؛ وإنما يحرص على الاتباع والموافقة
لما أمر به الشرع الشريف، حتى يصل إلى أحسن الأعمال، قال الفضيل بن عياض في قوله
تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2)، قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن
العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً،
لم يقبل حتى يكون خالصاً وصواباً، قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا
كان على السُّنة.
وقد دل على هذا
الذي قاله الفضيل قول الله عز وجل: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110) (جامع العلوم
والحكم، 1/ 72)، كما يعني الاتباع أن يمتثل المتقي الأمر ويجتنب النهي، فيفعل ما
أمر الله به ورسوله، ويجتنب ما نهى الله عنه ورسوله، فمن فعل هذا فهو من المتقين
الذين يتقبل الله أعمالهم.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً