دور المرأة المسلمة في نهضة المجتمعات
من الضروري أن
ندرك ابتداء أن نهضة المجتمعات مشروع مشترك بين كل أفراده، ونقصد بالمشترك أنه
مشروع يبدأ من تربية الطفل وينتهي بصناعة القرار، بهذا التكامل نضمن صعوداً آمناً
نحو القمة حيث المجتمع القوي الذي يعتز بهويته ويستخدم أدوات عصره بذكاء.
وبما أن المجتمع
مكون من عناصر، إذن لا بد من التوازن بين عناصره؛ بمعنى أن تفعيل أدوار عناصر
المجتمع يتطلب إستراتيجية تكاملية، ولا يمكن أن ينهض بالتنافسية بين الأفراد بحيث
يطغى جانب على آخر، أو دور على الثاني.
والقاعدة
الذهبية في ذلك هي أن المرأة والرجل ليسا في سباق تتابع، بل هما في تجديف مشترك في
قارب واحد، إذا حاول أحدهما القفز أو السيطرة الكاملة غرق القارب.
المجتمع جسد واحد
في علم الاجتماع
يعمل المجتمع كجسد واحد، فهو كما جاء في الحديث النبوي الشريف «كالبنيان المرصوص
يشد بعضه بعضاً»، والإخلال يحدث عندما يحاول كل طرف إلغاء الآخر، أما الحل فيكمن
في توزيع الأدوار بناء على الكفاءة مع احترام الخصوصية الفطرية، واستغلال طاقات
الرجل فيما يصلح له وطاقات المرأة فيما تصلح له، طبعاً مع وجود مساحات تقاطع واسعة
في الفكر والإبداع.
وتاريخياً، يبدو
هذا الأمر واضحاً جلياً؛ فالمرأة لها دورها الفعال في النهضة وكذلك الرجل، ونركز
في هذا المقال حول دور المرأة في نهضة المجتمعات، فمنذ أن خطت السيدة خديجة بنت
خويلد بمالها وحكمتها أول ملامح الأمان في مهد الرسالة، والتاريخ يشهد أن نهضة
الأمم المسلمة لم تكن يوماً قصيدة يكتبها الرجل وحيداً، بل شراكة صاغتها سواعدهما
معاً.
فمن بين أنوار
العلوم التي كانت تشع من دار الشفاء العدوية؛ أول منارة تعليمية نسائية في تاريخ
المدينة المنورة شكلت نسقاً فكرياً وإنسانياً متكاملاً حفظت به الحروف من النسيان
والكتابة من الجهل والضياع.
ومن جدران جامعة
القرويين التي أرست مداميكها فاطمة الفهرية، هذه الجامعة التي تعد معجزة تاريخية،
صنفتها موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية و«يونيسكو» كأقدم جامعة في العالم لا تزال
تدرس حتى الآن، هذه الجامعة التي لم تكن مقتصرة على المسلمين فقط، ولم تكن مجرد
مسجد للصلاة، بل أول نموذج للجامعة الحديثة في التاريخ ومنارة للعلم يقصدها طلاب
المعرفة من شرق الأرض وغربها.
والسؤال اليوم:
كيف يمكننا أن ننهض بالمجتمع من خلال قراءتنا للتاريخ بما فيه من قيم راسخة ونماذج
فريدة، والتنسيق مع الاحتياجات المعاصرة؟
لعل ذلك يتطلب
منا دراسة اجتماعية تحقق التوازن المطلوب والنهضة المنشودة.
والبداية تأتي
من تفعيل الأدوار لعناصر المجتمع، والذي يعنينا هنا المرأة، فلا بد من تفعيل دور
المرأة للوصول للقمة وتجنب الانهيار القيمي، وهذا يتم عبر مسارات ثلاثة متوازية:
أولها:
الاستقلال المعرفي والفكري، بمعنى أن علم المرأة ينبغي أن نتجاوز فيه فكرة
الشهادات الورقية إلى بناء العقل الناقد، والغاية من هذا الأمر أن المرأة تشكل
الوعي الأول للطفل، فإذا كانت على ذلك القدر من الوعي فنحن نبني جيلاً محصناً ضد
الانهيار الفكري.
ثانيها:
التشريعات الذكية، فالانهيار يحدث عندما نضع المرأة بين خيارين؛ بيتك أو عملك،
التفعيل الحقيقي يتطلب قوانين تدعم العمل المرن والاقتصاد المنزلي الرقمي؛ ما يسمح
لها بالعطاء المهني دون التضحية بالدور الأسري الذي هو نواة استقرار المجتمع.
ولنا في تاريخنا
القدوة الحسنة والنماذج المبهرة في التمكين للمرأة سواء في الرقابة أو الإدارة
والتخطيط من غير إخلال بالوظائف الأساسية لكل فرد من أفراد المجتمع.
ثالثها: التكامل
الوظيفي: إن المجتمع بما فيه من طاقات لجميع أفراده؛ نساء ورجالاً، شباباً وكباراً،
لا بد من استغلال طاقاتهم دون حدوث فوضى اجتماعية، وهذا يتحقق بمبدأ التكامل
الوظيفي، ثم استغلال هذه الطاقات وخصوصاً الطاقات المعطلة كالخريجين الجدد أو ربات
البيوت المبدعات، ودعم المشاريع الصغيرة التي يمكن أن تخرج من هذه الفئات؛ فيتحول
كل فرد إلى وحدة اقتصادية منتجة فعالة في المجتمع وإيجابية بدلاً من الاستسلام إلى
فكرة المجتمع المستهلك الذي لا ينتج شيئاً.
وهنا لا بد من
الأخذ بعين الاعتبار إلى إعطاء كل فرد الأدوات التي تناسب مهاراته وظروفه ليصل إلى
أقصى ما يمكنه تقديمه لنهضة مجتمعه.
وهنا لنا وقفة
مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يوزع الأدوار لأصحابه بما يتناسب مع
قدراتهم ومواهبهم، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحم
أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال
والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين
وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
أهمية الإدارة الناجحة
الإدارة الناجحة
هي التي تقدِّر مجهودات أعضائها والمنتمين إليها، فتنتقي منهم أصحاب الخبرات،
وتستقي منهم ذوي المهارات حسب تعدد المهام وتنوع التخصصات، والذي عليه يتم التكليف
بإنجاز المهمات.
فالصحابة الكرام
تنوعت عندهم ميادين العطاء، وتعددت بهم دروب الاختصاص؛ فمنهم من برَع في الجهاد
وملاقاة الأعداء، ومنهم من اشتغل بالقراءة والإقراء، ومنهم من أحسن القضاء
والإفتاء، ومنهم من اشتغل بالمدارسة، ومنهم من اشتغل بالتوجيه والتربية، ومنهم من
برَع في التجارة والاقتصاد، ومنهم من برَع في الإدارة واتخاذ القرارات.
وقد أبلى كلٌّ
منهم في ميدانه بلاءً حسنًا، وأبدع فيه أيما إبداع، وحفظ وبلَّغ أحسن ما يكون
البلاغ، فكانوا مثالاً يُحتذى في الإتقان وحسن التصرف، والدقة والتحري في شتى
الفنون والأعمال، فشكَّلوا منظومة متكاملة من التميز والاختصاص قامت على أوتادها
الدولة، ونهض على أساسها المشروع الإسلامي بأكمله.
إن التعليم
المستمر للرجل والمرأة في فقه الواقع والتعامل ثم الحماية القانونية التي تحفظ
كرامة الإنسان؛ رجلاً كان أم امرأة.
وأخيراً،
المسؤولية الجماعية التي تنبني على إدراك أن نهضة المجتمع مشروع مشترك يبدأ من
تربية الطفل وينتهي بصناعة القرار، بهذا التكامل نضمن صعوداً آمناً نحو القمة، حيث
المجتمع القوي الذي يعتز بأفراده ويحافظ على هويته وقيمه.
ونؤكد بأن نهضة
المجتمعات ليست صنيعة فئة دون أخرى، بل هي نتاج تكامل وظيفي واعٍ يستثمر في طاقات
الفرد وقدراته الفطرية والمكتسبة.
إن نموذج «التجديف
المشترك» يؤكد أن تفعيل دور المرأة عبر الاستقلال المعرفي والتشريعات الذكية ليس
ترفاً فكرياً، بل ضرورة بنيوية لحماية المجتمع من الانهيار القيمي والتنموي، وإن
استحضار النماذج التاريخية، ودمجها مع أدوات العصر الحديث، يقدم لنا خارطة طريق
واضحة؛ تبدأ من صياغة وعي المرأة وتمرّ بمرونة القوانين، لتنتهي ببناء بنيان مرصوص
يعتز بهويته ويحقق استدامة النهضة عبر المسؤولية الجماعية المشتركة.
وننبه هنا إلى
أمر مهم وهو أن المرأة إذا أرادت أن تكون لها فعاليتها في المجتمع فلا بد لها من
امتلاك 3 ركائز؛ الرؤية والمبادرة والأثر المستدام، فالرؤية تعني القدرة على تحديد
مشكلة أو فرصة، والمبادرة تكون بصنع التغيير وليس انتظاره، والأمر المستدام بأن
يمتد نفع علمها إلى الآخرين.
بمعنى أن
الفعالية المطلوبة لنهضة المجتمع من خلال المرأة وأدوارها الفعالة تبدأ بالدوائر
الصغيرة؛ فالأم التي تربي جيلاً واعياً، والمعلمة التي تزرع القيم، والطبيبة التي
تخلص في عملها، كلهن نماذج معاصرة فعالة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً