التصعيد كطوق نجاة.. لماذا يعيد نتنياهو توجيه البوصلة نحو غزة؟
منذ 7 أكتوبر2023م، دخل رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية
الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية– في واحدة من أكثر المراحل السياسية
والأمنية تعقيداً في تاريخه، فالسبعيني الذي بنى مشروعه السياسي لعقود على صورة «سيد
الأمن الأول»، وجد نفسه فجأة أمام انهيار غير مسبوق في منظومة الردع «الإسرائيلية»،
بعد العملية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، التي كشفت هشاشة المؤسسة الأمنية
والعسكرية والاستخباراتية بصورة صادمة للمجتمع «الإسرائيلي».
الهروب إلى الأمام.. ومأزق الفشل الإستراتيجي «الإسرائيلي»
ومنذ تلك
اللحظة، بدا واضحاً أن نتنياهو لا يدير الحرب بمنطق الحسم العسكري فقط، بل بمنطق الهروب
إلى الأمام، عبر إطالة أمدها وتوسيع دوائر الاشتباك، والسعي إلى تحقيق أي إنجاز
يمكن تسويقه داخلياً باعتباره نصراً يعيد ترميم صورته المتآكلة ويؤجل لحظة
المحاسبة السياسية.
لكن مع مرور
الوقت، تحولت الحرب من محاولة «إسرائيلية» لاستعادة الردع إلى مأزق إستراتيجي، فـ«إسرائيل»
التي دخلت الحرب تحت عنوان القضاء على «حماس» تجد نفسها اليوم بعد أكثر من 30 شهراً
من الإبادة، أمام تقارير تزعم تعاظم قوة الحركة داخل غزة، إذ قالت «القناة 13» العبرية:
إن الجيش أرسل وثيقة وصفتها بـ«السرية للغاية» إلى المستوى السياسي، نبّه فيها إلى
أن «حماس» استعادت جزءاً من نشاطها الاستخباري والتنظيمي، واستأنفت إنتاج العبوات
الناسفة والقذائف والصواريخ.
هذه المعطيات
تكشف عمق الفشل «الإسرائيلي» في تحقيق أهداف الحرب المعلنة؛ فبدلاً من إنهاء
المقاومة، تبدو «إسرائيل» وكأنها دخلت معركة استنزاف، تتآكل فيها قدرتها على فرض صورة
الحسم، وهنا تحديداً يظهر جوهر سياسة نتنياهو القائمة على الهروب إلى الأمام، فهو
يدرك أن إنهاء الحرب دون إنجاز واضح قد يعني نهايته السياسية، وربما فتح أبواب
التحقيق والمحاسبة حول الفشل في السابع من أكتوبر، ولذلك يسعى إلى إبقاء المعركة
مفتوحة علّه ينتزع صورة نصر، ولو كانت مرحلية أكثر منها إستراتيجية.
غزة.. صناعة السردية والبحث عن صورة نصر
وفي هذا السياق،
تبدو غزة بالنسبة لنتنياهو المنطقة الرخوة التي يحاول تحويلها إلى مساحة إنجاز،
وهو يعلم أن فتح مواجهة شاملة مع «حزب الله» في لبنان أو استئناف الحرب على إيران
يحمل أخطاراً إستراتيجية قد تخرج عن السيطرة، بينما تبقى غزة رغم صمودها الساحة
التي يعتقد أن «إسرائيل» قادرة على إدارتها أمنياً وعسكرياً بكلفة أقل، ولهذا يركز
الجيش جهوده على القطاع، باعتباره المكان الذي يمكن إنتاج صورة انتصار فيه، حتى
وإن كانت الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك.
غير أن الأخطر
في المرحلة الحالية لا يتعلق فقط بتوسيع العمليات العسكرية، بل بطبيعة المشروع «الإسرائيلي»
المخطط له في غزة، فالتسريبات الأمنية والإعلامية الأخيرة لا تبدو منفصلة عن عملية
تهيئة لمرحلة جديدة من التصعيد، فـ«إسرائيل» التي لا تحتاج فعلياً إلى ذرائع
لتوسيع عملياتها، تدرك أهمية بناء سردية تسبق أي تحرك ميداني، ولهذا يجري إفشال
جهود المفاوضات «إسرائيلياً» وتحميل «حماس» المسؤولية وتضخيم الحديث عن تعاظم «حماس»،
لتقديم أي تصعيد قادم باعتباره ضرورة أمنية.
إعادة هندسة غزة.. من التدمير إلى مشاريع التهجير
ومن هنا، فإن ما
يجري في غزة لا يبدو مجرد استمرار للحرب، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع الأمني
والاجتماعي، فـ«إسرائيل» بعد السابع من أكتوبر أعادت ترتيب أولوياتها بصورة جذرية،
وباتت تنظر إلى غزة باعتبارها بيئة تهديد وجودي يجب إعادة تشكيلها بالكامل، ولذلك
فإن الهدف «الإسرائيلي» لم يعد مقتصراً على ضرب القدرات العسكرية للمقاومة، بل
يتعداه إلى تدمير البيئة التي أنتجت السابع من أكتوبر ومنع إعادة إنتاجها مستقبلاً.
ولذلك لم تسمح «إسرائيل»
لغزة بالتعافي أو حتى بالتقاط الأنفاس، فالحصار الخانق ومنع جزء كبير من المساعدات
الإنسانية واستمرار القصف والاغتيالات، وتوسيع المناطق العازلة شرقي القطاع وشماله
وجنوبه والنزوح، كلها تبدو جزءاً من رؤية «إسرائيلية» بعيدة المدى تهدف إلى فرض
واقع ديموغرافي وأمني جديد.
كما أن الحديث
المتزايد داخل «إسرائيل» عن الهجرة الطوعية أو البحث عن آليات لإخراج الشعب من غزة
يكشف أن مشاريع التهجير ما زالت حاضرة بقوة داخل العقل الأمني والسياسي «الإسرائيلي».
وفي الميدان،
يبدو أن «إسرائيل» تتجه نحو نمط جديد من إدارة حرب الإبادة، لا يقوم بالضرورة على
حرب شاملة، بل على عمليات متدرجة ومركزة تجمع بين الضغط العسكري والفوضى الأمنية،
فالتقديرات تشير إلى استمرار توسيع المنطقة الصفراء، وزيادة وتيرة الاغتيالات،
وتكثيف القصف الجوي، إلى جانب تشغيل المليشيات المرتبطة بالاحتلال لخلط الأوراق
وإضعاف البنية الداخلية للمقاومة.
كما قد تسعى «إسرائيل»
إلى استنساخ بعض نماذج عملها في الضفة الغربية، من خلال عزل مناطق محددة وتنفيذ
عمليات أمنية داخلها ثم الانسحاب، دون الانخراط في احتلال دائم.
هذه المقاربة
تعكس إدراكا «إسرائيلياً» بأن الحرب الشاملة قد تكون مكلفة سياسياً وعسكرياً،
خصوصاً في ظل احتمال عودة الحرب مع إيران والاستنزاف في لبنان، ولذلك تحاول «إسرائيل»
الجمع بين التصعيد الميداني المتدرج وتجنب انفجار إقليمي واسع، وبحسب ما نقلته
وسائل إعلام «إسرائيلية»، فإن قيادة المنطقة الجنوبية حصلت بالفعل على الضوء
الأخضر لتوسيع العمليات في غزة، لكن دون الذهاب حالياً إلى مواجهة شاملة، بسبب
الضبابية المحيطة بالجبهات الأخرى.
بين تطرف الداخل «الإسرائيلي» والمحددات الأمريكية
وفي الداخل «الإسرائيلي»
لم يعد الضغط يقتصر على اليمين المتطرف، بل بات يشمل الجيش والإعلام، الذي تحول
إلى عامل ضغط يدفع نحو مزيد من التصعيد، فبعد السابع من أكتوبر أصبح الجيش أكثر
تشدداً بسبب فشله في غزة، بل ربما أكثر تطرفاً من بعض أركان الحكومة، لأنه يرى أن
أي تراجع سيُقرأ باعتباره هزيمة إستراتيجية لـ«إسرائيل».
أما العامل
الأمريكي، فيبقى حتى اللحظة العنصر الأكثر تأثيراً في تحديد سقف التصعيد، فالإدارة
الأمريكية رغم دعمها الواسع لـ«إسرائيل»، تدرك أن الانفجار الشامل في غزة قد يفتح
المنطقة على مسارات يصعب احتواؤها، خاصة مع استمرار الحرب في لبنان واحتمال عودتها
مع إيران، لكن السؤال الأهم يبقى: إلى أي مدى ستواصل واشنطن الضغط لمنع التصعيد،
إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بصورة كاملة؟
مع محاولة
نتنياهو الهروب إلى الأمام عبر تحويل غزة إلى ساحة الإنجاز الممكن، ثمة مفارقة
تعززها مؤشرات ميدانية وسياسية توحي بأن الحرب التي كان يُفترض أن تنهي المقاومة،
قد تتحول إلى بيئة تعيد إنتاجها بصورة أكثر تعقيداً، وحينها قد يجد نتنياهو أن غزة
التي أرادها بوابة للنجاة السياسية، أصبحت عنواناً جديداً لأزمة «إسرائيل» الإستراتيجية
المفتوحة، لا مخرجاً منها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً