بين الفطرة وألفة المنكر
معرفة الشر دون أن نألفه.. موقف الوليد بن عبد الملك
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، في ترجمته للوليد بن عبدالملك بن مروان بن الحكم الأموي أنه
كان يقول: «لولا أن الله ذكر قوم لوط، ما شعرت أن أحدًا يفعل ذلك»(1).
يستند هذا النص
إلى بيئة شامية حكيمة في ذروة العصر الأموي، حيث توطدت أركان الدولة واستقرت
الخلافة في البيت المرواني، وفي هذا السياق نشأ الوليد بن عبدالملك في بيئة
إسلامية ملكية، تحيط بها معاني الفطرة السليمة والأنفة العربية.
ويكتسب قوله
أهميته من صدوره عن شخصية جمعت بين هذا التكوين المبكر وموقع القيادة الذي انتهت
إليه، مما يجعل عبارته مدخلًا للتأمل في أثر البيئة والتنشئة في تشكيل الموقف
الأخلاقي للإنسان.
حين يكشف الوحي للإنسان ما تستبعده الفطرة
ليست الدلالة
العميقة في قول الوليد مجرد عدم المعرفة بفعل معين، بل في طبيعة الاستجابة النفسية
لهذا النوع من السلوك؛ فالإنسان الذي يعيش في بيئة محافظة قد لا تتكون في ذهنه صور
كثيرة من الانحرافات التي لم يألفها ولم يعتد سماعها.
وهنا يظهر الفرق
بين معرفة الشر وبين تطبيع الشر؛ فالمؤمن يعرف وجود الفاحشة لا لأنه خالطها أو
اعتاد الحديث عنها، بل لأن الوحي أخبره بها وحذره منها، ومن هنا جاء قصّ القرآن
لخبر قوم لوط في سياق استنكار هذا الفعل، فقال تعالى: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ
أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 80).
فالآية لا تعرض
مجرد وقوع الفعل، وإنما تكشف عن مدى خروجه عن المألوف الفطري، وهو ما يفسر كيف
يستنكر الإنسان السوي فعلًا لم يألفه ولم يخطر له على بال، وقد بيّن ابن كثير هذا
المعنى بقوله: «وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى
صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله»(2)، وبذلك يتضح وجه الصلة بين
الوحي والموقف الذي عبّر عنه الوليد؛ فقد يكشف الوحي للإنسان حقيقة انحراف لم يكن
حاضرًا في تصوره، دون أن تعني معرفته به ألفته أو اعتياده.
وإذا كانت معرفة
الشر قد تأتي من الوحي دون مخالطته، فإن الوعي بوجوده لا يعني بالضرورة التطبيع
معه، بل قد يكون وسيلة إلى اتقائه؛ ويظهر ذلك في سؤال حذيفة رضي الله عنه عن الشر،
ويشهد لذلك قوله: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ
أَنْ يُدْرِكَنِي»(3)، فلم يكن سؤال حذيفة عن الشر طلبًا لمعرفة
تفاصيله أو ألفةً به، وإنما كان معرفةً يقصد بها الوقاية منه، وهو ما يبيّن أن
معرفة الشر لا تفسد الفطرة ما دامت مقترنةً بميزان يميّز بين معرفته والوقوع فيه.
ومن هنا يظهر
أثر التربية على معايير الخير والشر؛ فالعقل الذي يتلقى معايير الخير والشر من
مصادر ثابتة لا يصبح أسيرًا لما يراه حوله، بل يمتلك ميزانًا سابقًا يحاكم به
الواقع.
كيف تصنع البيئة الصالحة حصانة داخلية لدى الإنسان؟
البيئة ليست
مجرد مكان يعيش فيه الإنسان، بل هي منظومة من الصور والمعاني والعادات التي تشكل
نظرته إلى الأشياء، فالإنسان الذي ينشأ في محيط يحفظ الحياء ويعظم الفضائل تتكون
لديه حساسية أخلاقية تجعله يرفض بعض التصرفات قبل أن يدخل معها في نقاش طويل.
وهذا الأثر الذي
تتركه البيئة في تكوين الإنسان تؤكده السنة في الحديث عن الفطرة وعلاقة الوالدين
بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ،
فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»(4)،
فهذا الحديث يبين أن البيئة التي تحيط بالإنسان منذ نشأته لا تبقى خارج تكوينه، بل
يكون لها أثر في توجيه ما يتشكل فيه من تصورات واستجابات، وهو ما يفسر أثر البيئة
الصالحة في حفظ الحساسية الأخلاقية وتقوية الحصانة الداخلية.
ولا يقف هذا
الأثر عند حدود التنشئة الأولى، بل يمتد إلى الصحبة والمجالس التي يختارها الإنسان
ويخالط أهلها؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ
الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ»(5)،
وقد فهم العلماء من هذا التوجيه أن المجالسة ذات أثر يتجاوز مجرد المصاحبة
العابرة؛ فبيّن ابن حجر أن في الحديث «النهي عن مجالسة من يُتأذّى بمجالسته في
الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من يُنتفع بمجالسته فيهما»(6)، وبذلك
يتأكد أن اختيار البيئة والصحبة ليس أمرًا اجتماعيًا محضًا، وإنما هو جزء من حماية
الإنسان لما تكوّن فيه من قيم وحصانة أخلاقية.
وفي واقع الناس
اليوم، تتأكد أهمية بناء البيئة؛ فالأسرة والمدرسة والإعلام ليست ناقلة للمعلومات
فقط، بل صانعة للخيال الإنساني، وما يكثر عرضه على الإنسان قد يتحول مع الزمن إلى
شيء مألوف، بينما ما يُصان عنه قد يبقى في دائرة الاستنكار الأخلاقي.
أثر القدوة القيادية في حراسة القيم العامة
تظهر في هذا
الموقف زاوية تتعلق بصورة القائد؛ فالحاكم لا يؤثر بقراراته فقط، وإنما بما يمثله
من نموذج أمام الناس، وقد ارتبطت القيادة في التراث الإسلامي بمفهوم المسؤولية
الأخلاقية، لأن صاحب السلطة يشارك في تشكيل المناخ العام للمجتمع.
وتتأكد هذه
المسؤولية من خلال التصور القرآني لمقام القيادة؛ قال الله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ
خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
الْهَوَى) (ص: 26)، فالآية تخاطب صاحب السلطة مباشرة، وتربط مقام الخلافة بالحكم
بالحق والنهي عن اتباع الهوى، وقد فسّر ابن كثير ذلك بقوله: «وصية من الله عز وجل
لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق»(7)، وهو ما يجعل المسؤولية
الأخلاقية جزءًا من جوهر القيادة، لا أمرًا منفصلًا عنها.
ولا يعني ذلك أن
عصمة القادة من الأخطاء أمر ممكن، فالإنسان يبقى بشراً، غير أن قيام القيادة على
المسؤولية لا يقف عند التزام الحاكم في نفسه، بل يمتد إلى مسؤوليته عمن يتولى
أمرهم؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(8)،
فهذا الحديث ينقل المعنى من معيار السلوك القيادي إلى تبعة القيادة نفسها، إذ يجعل
الإمام مسؤولًا عن رعيته، وهو ما يفسر أثر ما يحمله القائد من معايير في اتجاه
المجتمع.
وإذا كانت
المسؤولية تقتضي أن يلتزم القائد في سلوكه بما يدعو إليه، فإن أثر ذلك يظهر بصورة
أوضح حين يكون القائد وأهل بيته موضع نظر الناس؛ فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه إذا صعد المنبر ونهى الناس عن شيء، جمع أهله وبيته فقال: «إِنِّي نَهَيْتُ
عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ
إِلَى اللَّحْمِ، فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا، وإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا، وإِنِّي
وَاللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي شَيءٍ مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ
النَّاسَ، إِلَّا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ لِمَكَانِهِ مِنِّي»(9)،
فهذا الموقف يقدم تطبيقًا عمليًا لمعنى القدوة القيادية؛ إذ أدرك عمر أن المعايير
التي يعلنها الحاكم لا تبقى في حدود القول، بل يراقب الناس مدى التزام القائد وأهل
بيته بها.
ولهذا، فإن
القيادة الرشيدة لا تكتفي بإدارة المؤسسات، بل تهتم أيضاً بحراسة القيم التي تقوم
عليها تلك المؤسسات؛ لأن انهيار المعايير الأخلاقية ينعكس على الأسرة والتعليم
والعمل وسائر مجالات الحياة.
من استنكار الفرد إلى حماية المجتمع
حين يكون
الاستهجان الأخلاقي راسخاً في المجتمع، فإنّه يؤدي وظيفة وقائية؛ إذ يمنع تحول
الخطأ إلى عادة، والانحراف إلى أمر مألوف، فالمجتمعات لا تحافظ على تماسكها
بالقوانين وحدها، بل تحتاج إلى منظومة قيمية داخلية تجعل كثيراً من الانحرافات
مرفوضة قبل وصولها إلى ساحات العقوبة.
وإذا كان
استنكار المنكر يحفظ للمجتمع حساسيته الأخلاقية، فإن القرآن لا يحذر من الفاحشة
وحدها، وإنما يحذر كذلك من انتقالها إلى المجال العام وانتشارها بين الناس؛ قال
الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور: 19)، فموضع الشاهد هنا هو
«شيوع الفاحشة»؛ إذ تكشف الآية أن الخطر لا يقف عند وقوع الخطأ من فرد، بل يمتد
إلى تحوله إلى ظاهرة حاضرة في وعي المجتمع ومجاله العام.
ومن التحذير من
شيوع المنكر يأتي بيان المسؤولية الجماعية عن منعه قبل أن يستفحل؛ فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا،
كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا
وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا»(10)، فهذا الحديث يصور المجتمع كجسد واحد،
ويبين أن ترك المنكر في موضعه لا يبقى أثره محصوراً في فاعله، بل قد يمتد ضرره إلى
الجميع، ومن ثم تصبح حماية المجتمع من الانحراف مسؤولية تتجاوز حدود الفرد.
وقد ظهر هذا
المعنى في مواقف عملية من السلف، حين انتقل إنكار المنكر من مجرد الرفض الداخلي
إلى مقاومة ظهوره في المجال العام؛ ومن ذلك موقف عبادة بن الصامت رضي الله عنه،
حين مرت به قطارة(11) تحمل الخمر بالشام، فأنكرها، ثم قال: «بايعنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في
العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن نقول في الله لا تأخذنا في
الله لومة لائم»(12)، فالموقف يجسد عملياً ما قررته النصوص من ضرورة
بقاء المنكر موضع استنكار، وعدم ترك ظهوره حتى يتحول إلى أمر مألوف في المجتمع.
وفي زمن كثرة
المؤثرات البصرية والإعلامية، يصبح بناء المناعة الأخلاقية أكثر أهمية؛ فالمطلوب
ليس فقط منع الخطأ، بل صناعة إنسان يمتلك معياراً داخلياً يميز به بين ما يوافق
الفطرة وما يصادمها.
التربية المعاصرة.. كيف نحفظ الفطرة في زمن الانفتاح؟
إن استحضار هذا
المعنى في العصر الحديث لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني امتلاك وعي قادر على
التعامل مع العالم دون أن يفقد معاييره، فالأسرة الناجحة لا تكتفي بمنع الخطأ،
وإنما تبني لدى الأبناء معنى الجمال الأخلاقي، حتى يصبح الالتزام قيمة محبوبة لا
مجرد قيود خارجية.
وهذا الدور الذي
تقوم به الأسرة لا يقتصر على توفير الحماية، بل يمتد إلى مسؤولية توجيه الأبناء
وبناء القيم في نفوسهم؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا ) (التحريم: 6)، فالآية تجعل رعاية الأهل وتقويمهم مسؤولية تقع على
عاتق الأسرة، وهو ما يؤكد أن حماية الأبناء من المؤثرات لا تتحقق بالمنع وحده،
وإنما بالتربية التي تبني في داخلهم معيارًا يوجه اختياراتهم.
وفي التعليم، لا
يكفي نقل المعرفة، بل لا بد من صناعة الشخصية القادرة على التمييز، وهذا البناء لا
يتم بالتوجيه النظري وحده، وإنما يحتاج إلى ممارسة تربوية متدرجة تحول القيمة من
معرفة إلى سلوك؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ
وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ»(13)، ففي هذا التوجيه يظهر معنى
التدرج في التربية، إذ يبدأ بناء السلوك في سن مبكرة بالممارسة والتعويد، حتى
تتحول القيمة التي يتعلمها الطفل إلى جزء من شخصيته.
وفي الإعلام، لا
تكمن المسؤولية في نقل الواقع فقط، وإنما في إدراك أن كثرة العرض قد تؤثر في
حساسية المجتمع تجاه الأشياء.
ولهذا، فإن
حماية الفطرة تبدأ من صناعة بيئة ترفع قيمة الحياء، وتعظم الفضيلة، وتقدم النماذج
الحسنة، حتى يبقى الإنسان قادراً على رؤية الانحراف باعتباره خروجاً عن الأصل لا
مجرد اختلاف في الذوق.
يكشف موقف
الوليد بن عبدالملك عن معنى أوسع من حدود العبارة نفسها؛ فهو يفتح باب التأمل في
أثر الوحي والبيئة والتربية في تشكيل الإنسان، فالفطرة السليمة لا تعني غياب
المعرفة بالشر، وإنما تعني ألا يصبح الشر مألوفاً في النفس ولا مستساغاً في
الوجدان.
وحين تجتمع الفطرة مع الهداية، والمعرفة مع الحياء، والقيادة مع المسؤولية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حفظ قيمه ومواجهة التحولات التي تهدد بنيته الأخلاقية.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/347).
- 2 تفسير ابن كثير (3/ 399).
- 3 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (3606)، ومسلم (1847).
- 4 متفق عليه، أخرجه البخاري (1385)، ومسلم (2658).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (5534)، ومسلم واللفظ له (2628).
- 6 فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني (4/ 324).
- 7 تفسير ابن كثير (7/ 53).
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (893)، ومسلم (1829).
- 9 أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (21789).
- 10 أخرجه البخاري (2493).
- 11 القِطارة: جماعة من الإبل يسوق بعضها خلف بعض على نسق واحد؛ المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مادة «قطر» (2/ 744).
- 12 تاريخ دمشق: ابن عساكر (26/ 197 - 198).
- 13 أخرجه أبو داود في سننه (495)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته (5868).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً