تقرير: متطلبات الدور التنموي للزكاة
عبدالحافظ الصاوي
أوضاع التنمية بالبلدان الإسلامية لا تجعلها تملك ترف التفكير في مزية التمويل التي تتيحها الزكاة، فكل الدول الإسلامية - باستثناء دولتين أو ثلاث) هي دول نامية، وتعاني من مشكلات تنموية مزمنة، وتعتمد على غيرها من البلدان المتقدمة والصاعدة في توفير متطلبات معيشتها الأصلية، مما جعلها عرضة للعديد من التقلبات الاقتصادية، والتبعية للغير، والتأثير على قرارها السياسي والاقتصادي، بل وغياب مشروعها نحو الوحدة الإسلامية.
وحتى يتحقق للدول الإسلامية فرصة توظيف حقيقي للدور التنموي للزكاة، فهناك متطلبات لابد من القيام بها، حتى تصبح الزكاة واقع في حياة الشعوب، ومن هذه المتطلبات ما يلي:
أولًا: التعامل مع الزكاة كفريضة شرعية، فرضها الله عز وجل على عباده، وأنها تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة. وهذا المدخل من شأنه أن يؤصل لحسن النوايا وسلامة القصد، وهذا من شأنه أيضًا أن يحفز الأفراد داخل المجتمعات الإسلامية على التفاعل مع مشروع توظيف أموال الزكاة تنمويًا، لأن هذا المدخل يؤكد على التعبد بأداء فريضة الزكاة، وهو مدخل يوفر الوقت في عمليات الإقناع ويدفع إلى المبادرات الذاتية لتقديم الأفراد والمؤسسات بتقديم الزكاة للمؤسسات المعنية بأمرها.
ثانيًا: العمل على إيجاد إرادة سياسية جادة للتعامل مع مؤسسة الزكاة: ففي العالم الإسلامي توجد صورتان للتعامل مع مؤسسة الزكاة، الأولى تتمثل في مجرد أداء الواجب، فتسن التشريعات ويُعلن عن قيام مؤسسات، ثم تكون جزء من منظومة المؤسسات الحكومية، فتعاني من البيروقراطية وسوء الإدارة، فتكون عبء إضافي على أعباء الأجهزة الحكومية، فضلًا عن ترسيخ صورة غير إيجابية تجاه الدور المرتقب للزكاة، وتزيد من حالة عدم الثقة من قبل الأفراد تجاه الدولة ونظمها الإدارية، مما يشجع الأفراد على التصرف في أموال الزكاة بمعرفتهم، دون اللجوء لمؤسسات الزكاة.
أما الصورة الثانية فهي إيجابية وتعكسها حالة التجربة الماليزية، حيث أنشأ المركز القومي لجمع الزكاة، وتطور أداؤه الإداري، وفق منظومة حديثة لكافة إدارات الزكاة، ومن بعد هذه الخطوة، بدأت الآثار الإيجابية للزكاة في الظهور، ووجود دور ملموس لها في مواجهة الفقر والبطالة، ودعم التعليم والبحث العلمي.
وعلى المؤسسات العاملة في مجال الزكاة، والمجتمع الأهلي أن يضغطا لإيجاد هذه الإرادة السياسية لتبني مؤسسة الزكاة من قبل الدولة، وممارسة الدور التنموي المرجو منها.
ثالثًا: الاستفادة من التجارب القائمة، في ظل وجود تجارب للمؤسسات الزكوية، على صعيد الدولة كما هو الحال في ماليزيا والسودان، يجب ألا تضيع الدول الإسلامية الفرصة، وأن تستفيد من هاتين التجربتين، بشكل كبير، على مستوى التشريع، أو التنفيذ والتطوير، فكلا التجربتين – على الرغم من وجود بعض الملاحظات- تعتبر صالحة للتطبيق في العديد من البلدان الإسلامية، مع وجود تغير طفيف يتلائم وظروف كل دولة إسلامية.
رابعًا: معالجة أوجه القصور في تجارب إسناد الزكاة لغير الدولة، فعلى الرغم من وجود رأي بجواز أن يسند أمر الزكاة إلى الأفراد، إلا أن عليه كثير من التعليقات والملاحظات، فضلًا عن أن أوضاع القصور التنموي في البلاد الإسلامية تتطلب وجود جهة واحدة تجمع الزكاة، وتصرفها وفق الضوابط الشرعية، بما يؤدي إلى نهوض تنموي، ولا يكون ذلك في ظل وجود عدد كبير من الجمعيات والمؤسسات، بعيدًا عن إدارة مركزية، تحت يديها مواضع الضعف والحاجة ليتم فيها توظيف أموال الزكاة.
وعلى الدول التي أعطت قوانيها الحق في وجود مؤسسة مركزية للزكاة، وتركت أمر توريد الأفراد لأموال زكاتهم طواعية بدون إجبار، أو لم تضع عقوبات على المتكاسلين في توريد أموال الزكاة، أو وضعت عقوبات ولكنها غير جادة في تطبيقها، أن تتلافى هذه السلبيات، وأن تعمل على إلزام الأفراد بتوريد أموال زكاتهم للمؤسسة المركزية وفروعها، وإعطاء العاملين بالمؤسسة الصلاحيات التي تمكنهم من القيام بعملهم بطريقة صحيحة تتفق والضروط الشرعية لجمع الزكاة، وأن تكون العقوبات الموجودة بالقوانين معمول بها ومنفذة.
خامسًا: التنسيق بين المؤسسات الزكوية، إلى أن يتم تفعيل مؤسسة الزكاة تحت إشراف الدولة، فعلى المؤسسات الزكوية أن تقيم مجلسًا أومركزًا للتنسيق فيما بينها، تعمل تحت مظلته، وتكون مهمة هذا المركز أو المجلس وضع استراتيجية لعمل مؤسسات الزكاة في إطار تنموي، وأن تتاح قاعدة معلومات يمكن من خلالها النظر إلى مشكلات التنمية داخل الدولة لتوجيه أموال الزكاة إليها، على هدى من مبدأ " الصدقة لمستحقيها"، وقد يأخذ هذا التنسيق بعدًا جغرافيًا أونوعيًا. فمن خلال خرائط الفقر أو خطط التنمية بالدول الإسلامية، بمكن توزيع عمل مؤسسات الزكاة أو الجمعيات الأهلية التي تستفيد من أموال الزكاة على مناطق جغرافية تراعي أولويات الاحتياج، أو يكون التقسيم نوعي، فقد تعمل بعض المؤسسات في القضاء على الفقر، وأخرى في القضاء على البطالة، وثالثة في تقديم البنية الأساسية، ورابعة في مجالات التعليم، وخامسة في مجال الصحة، وهكذا حسب ما تقتضيه ظروف واحتياجات التنمية داخل كل دولة، ولا مانع من أن يكون هذا التنسيق على المستوى الإقليمي داخل كل قطر، وبخاصة أن العديد من البلدان الإسلامية لديها توجه نحو اللامركزية، وهو مبدأ مهم وضروري في إعمال الزكاة، فضلًا عن وجود نظام إداري يعتمد ما يعرف بنظام البلديات أو المحليات، مما يسهل وجود هذا التنسيق على المستوى الإقليمي أو المحلي كخطوة أولى تمهد للتنسيق على المستوى القومي، ثم مستوى الأمة
سادسًا: تفعيل مصادر التمويل الأخرى، سواء كانت من قبل الدولة أو القطاع الخاص للخروج من نفق التخلف، مثل الوقف، وكذلك الصدقات الجارية، وعموم الصدقات بأنواعها المختلفة، في إطار تحقيق التنمية، حتى توزع الأعباء وتحقق كافة هذه الآليات دورًا في حدود طاقتها وملائتها المالية. ومن خلال الاطلاع على تجارب العديد من المؤسسات المستفيدة من أموال الزكاة وجد أنها تضم في مواردها المالية، معونات من الدولة، وصدقات جارية، وكفالات للأيتام، وعوائد استثمار وقف، وكفارات، ونذور.
سابعًا: ضرورة وجود هيئة شرعية مركزية لمؤسسة الزكاة: ولا يقتصر دور هذه الهيئة على الإجابة على الاستفسارات، أو تقديم الفتاوى، ولكن عليها أيضًا أن تساهم في التعريف بالزكاة من خلال الأبحاث والدراسات والمؤلفات، التي تتناسب وظروف كل بلد.
تاسعًأ: التركيز على أنشطة التدريب: يجب أن تركز مؤسسات الزكاة على تدعيم أنشطة التدريب والتأهيل، في كافة بلدان العالم الإسلامي، على ألا يقتصر نشاط التدريب على المهن الحرفية فقط، ولكن على المهن الأخرى سواء كانت خدمية أم إنتاجية، من أجل القضاء على البطالة، وعلى أن يكون التدريب بغرض التأهيل لأسوق العمل، ويتطلب هذا الاستفادة من الدراسات المتوفرة عن العجز في عرض العمل، والوظائف التي يمكن أن تستوعب أكبر عدد من الشباب، حيث إنهم الفئة الأكثر عرضة للباطلة في العالم الإسلامي. وثمة نقطة مهمة في هذا الجانب وهي تغير ثقافة المجتمع تجاه التدريب، بحيث تكون ثقافة دائمة مع جميع الأفراد، ولا يكون التدريب فقط لمرة واحدة في العمر، لكي لا يتعرض الأفراد، للبطالة في ظل تغير الظروف الهيكلية للاقتصاد، أو التطور التكنولوجي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً