فضائل آل البيت وحقوقهم.. كيف ننجو من فخ الغلو والجفاء؟
تطفو من وقت
لآخر قضايا على السطح فتعالَج معالجات متباينة رغم أنها قضايا قديمة محسومة لدى
أهل العلم بالله عز وجل ودينه، ومنها الكلام في فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه
وسلم وحقوقهم، ثم ما يترتب على ذلك من رفعهم فوق ما ينبغي لهم أو التقصير في ذلك،
وهذه كلمات في تعيين الموقف الوسط الرشيد وإزكائه تفاديًا للإفراط والتفريط.
من هم آل البيت؟
اختلف أهل العلم
في تحديد المعنيِّين بلفظة «آل البيت» على أقوال:
الأول: أنَّهم الذين حُرِّمت عليهم الصَّدقة:
وهو قول جمهور
العلماء، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر.. وغيرهم، واختلفوا
فيمَن حرمت عليهم الصَّدقة؛ فمنهم من قال: إنهم بنو هاشم فقط، وهو مذهب أبو حنيفة،
ومالك، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، وابن حجر، وغيرهما، ومنهم من قال: هم بنو
هاشم، وبنو المطلب، وهو قول الشافعي، واختاره ابن تيمية، وابن عبد البر، وغيرهما.
واستدل أصحاب
هذا القول بأدلة، منها ما روي من أن الحَسَنَ بنُ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِن
تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عليه وَسَلَّمَ: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بهَا، أَما عَلِمْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ؟» وفي رواية: وَقالَ: «أنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ؟» وفي
رواية: «أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟» (رواه مسلم، 1069).
الثاني: أنَّهم الأزواج والذُّريَّة:
حكاه ابن عبد
البر، وهو قول ابن العربي من المالكية، واستدلوا بآية التطهير، وهي قول الله عز
وجل: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ
مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ
الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً {32} وَقَرْنَ فِي
بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ
الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً) (الأحزاب).
القول الثَّالث: أنَّهم نِساء النبي خاصَّة:
وهو قول عكرمة،
وعطاء، ومقاتل، وهو منسوب لابن عباس، واستدلوا بظاهر آية التطهير لأجل دلالة
السياق.
القول الرابع: أنَّهم أصحاب الكِساء خاصَّة:
وأصحاب الكساء
هم علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم، حُكي هذا القول عن أبي سعيد
الخدري، وأنس، وعائشة، وأم سلمة، رضي الله عنهم، وغيرهم من التابعين كمجاهد،
وقتادة، واستدلوا بالحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها، قالت: خَرَجَ النَّبيُّ
صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ غَدَاةً وَعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِن شَعْرٍ
أَسْوَدَ، فَجَاءَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ فأدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الحُسَيْنُ
فَدَخَلَ معهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فأدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ
فأدْخَلَهُ، ثُمَّ قالَ: «(إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33)» (رواه مسلم، 2424).
القول الخامس: أنَّهم أتباعه من أمَّته إلى يوم القيامة:
روي عن جابر بن
عبدالله، وطائفة من أصحاب مالك، وأحمد، واختاره النووي، واستدلوا بأن لفظة الآل
تشمل الأتباع وليس الأقرباء فحسب، كما هو ظاهر الوضع القرآني للفظة.
ويظهر -والله
أعلم- أن معنى الآل قد يتعدد حسب الاعتبار، فعلى اعتبار فضل القرابة؛ يدخل فيه
الأقرب نسبًا من النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في القول الثاني والثالث، وعلى
اعتبار الأحكام الشرعية الواجبة عليهم ولهم؛ يدخل فيه قومه صلى الله عليه وسلم
عامة كما هو القول الأول، وعلى اعتبار الصلاح؛ يدخل فيه فضلاء الأتباع كما هو
القول الخامس.
فضائل آل البيت
وهذا باب كبير
صنفت فيه المصنفات وحسبنا مما ذُكر فيه آية التطهير التي هي الشعار الأجل في فضائل
آل البيت، قال الله عز وجل: (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا)، وأنهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال زيد بن أرقم
رضي الله عنه: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا،
بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا
أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي
فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ
فِيهِ الْهُدَىٰ وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ
عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي،
أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ
بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (رواه مسلم، 2408).
حقوق آل البيت
وقد قصَّت لهم
الشريعةُ حقوقًا، من أهمها:
1- محبتهم: وهي
أعظم الحقوق وأولاها لتعلقها بإيمان المسلم، فعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ قال: قال
رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «والذي نفسي بيَدِه، لا يُبغِضُنا أهْلَ
البَيتِ رجلٌ إلَّا أدخَلَه اللهُ النَّارَ» (أخرجه ابن حبان (6978) وصححه،
واللَّفظُ له، والحاكم (4717)).
2- إكرامهم
وتوقيرهم: فمما توجبه محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة الأقرب له نسبًا، قالَ
أبو بَكْرٍ الصِّديق رضي الله عنه: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ في أهْلِ بَيْتِهِ. (رواه البخاري، 3751).
3- الصلاة عليهم:
وهي الدعاء لهم بالرحمة، قد جاء ذكرهم في الصيغ الصحيحة المروية في الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من أركان الصلاة؛ فلا تصح إلا بها، فعن عبدالرَّحمنِ
بنُ أبي لَيلى قال: لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ، فَقالَ: أَلَا أُهْدِي لكَ
هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فَقُلتُ: بَلَى،
فأهْدِهَا لِي، فَقالَ: سَأَلْنَا رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ الصَّلَاةُ علَيْكُم أَهْلَ البَيْتِ؛ فإنَّ
اللَّهَ قدْ عَلَّمَنَا كيفَ نُسَلِّمُ علَيْكُم؟ قالَ: «قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ
علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ
إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى
آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ
حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري 3370).
4- أداء حقوقهم
المالية: فقد قال الله عز وجل في الآية المحكمة: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى
عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال: 41)، وقال تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ
أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (الحشر: 7)، فلجميعهم كبيرهم وصغيرهم
ذَكرهم وأنثاهم حق في المغنم والفيء، وعلى ذلك إجماع أهل السُّنة والجماعة.
مقالة أهل الغلو فيهم ونقضها
ولما في بعض
البشر من الطغيان؛ يغالي بعض الناس في الصالحين، ومن ذلك حذر أصلح الصالحين رسول
رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم من الغلو ولو في جنابه، فقال: «لَا
تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ،
فَقُولوا: عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (رواه البخاري، 3445)، فكيف بمن دونه؟!
فلا شك ببطلان
دعوى المدعين لعصمة آل البيت أو بعضهم، أو حصر الحق أو العلم فيهم، وقد نقض ذلك جد
آل البيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد سُئِلَ: أَخَصَّكُمْ رَسولُ اللهِ
صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بشَيءٍ؟ فَقالَ: ما خَصَّنَا رَسولُ اللهِ صلَّى
اللَّهُ عليه وسلَّمَ بشَيءٍ لَمْ يَعُمَّ به النَّاسَ كَافَّةً، إلَّا ما كانَ في
قِرَابِ سَيْفِي هذا، قالَ: فأخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ
مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن سَرَقَ مَنَارَ الأرْضِ،
وَلَعَنَ اللَّهُ مَن لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن آوَى مُحْدِثًا. (رواه
مسلم، 1978).
ولا شك كذلك
بإمكان وجود الطالحين الذين ليس لهم من التعلق بصالحي آل البيت إلا النسب الذي لن
ينفعهم بشيء، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «وَمَن بَطَّأَ به
عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ» (رواه مسلم، 2699)، وليس أمثال هؤلاء من أهل
البيت حقيقةً وإن صحَّ نسبهم، فقد رد الله قول نوح عليه السلام: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)
(هود: 45) فقال عز من قائل: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ
صَالِحٍ) (هود: 46).
مقالة أهل الجفاء لهم ونقضها
وعلى الطرف
المقابل؛ يجفو البعض آل البيت، فلا يصرف إليهم ما أوجبته الشريعة لهم من حقوق،
وهذا فرع عن الجفاء في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله يصطفي من الملائكة
ومن الناس ومن أنساب الناس ما يشاء، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ:
«إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن
كِنانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ»
(مسلم، 2276)، وليس أحد بأعلم من الله لكي يرد عليه ما قصَّه من حقوقٍ لبعض البشر،
فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بمسلك رشيد أن يُردَّ الغلو بالجفاء، بل يرضى
الله القسط ويأمر به.
اقرأ أيضاً:
أخلاق النبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مع أهل بيته
حكاية محمد بن الحنفية مع الحسين.. والمبادرة والصلح
خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي وحرصه على حقن دماء المسلمين
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً