اتفاق أوسلو بعد 33 عاماً.. وجه آخر للحرب على الفلسطينيين
13 سبتمبر
الجاري الذكرى الـ33 لتوقيع «إعلان المبادئ»، المعروف باسم «اتفاق أوسلو» عام 1993م،
بعدما قُدِّم حينها باعتباره بداية مرحلة جديدة تنهي الصراع وتفتح الطريق أمام
إقامة الدولة الفلسطينية عبر المفاوضات، لكن بعد أكثر من 3 عقود، تكشف حصيلة
الاتفاق أن الاحتلال لم ينته، بل أعاد تنظيم وجوده وسيطرته على الأرض والسكان، مع
تخفيف أعبائه السياسية والمادية.
«اتفاق أوسلو».. وخلل قانوني منذ البداية
تتمثل إحدى أبرز
الإشكالات في «اتفاق أوسلو» في أنه لم يجعل قواعد القانون الدولي المرجعية الحاكمة
لمساره، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد عدم جواز
الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتحظر الاستيطان وتغيير الواقع الديموغرافي في
الأراضي المحتلة.
وبدلاً من تثبيت
الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، حوّل الاتفاق جانباً منها إلى قضايا قابلة
للتفاوض بين طرفين غير متكافئين، فيما أُجّلت ملفات القدس واللاجئين والمستوطنات
والحدود إلى مفاوضات الوضع النهائي.
وكان يفترض أن
تكون المرحلة الانتقالية قصيرة ومحددة زمنياً، لكنها تحولت إلى واقع مفتوح، استفاد
منه الاحتلال في توسيع المستوطنات وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما بقي المسار
التفاوضي يدور في حلقة مفرغة.
اتفاق أوسلو وتقسيم الضفة الغربية
قسّمت اتفاقات
أوسلو الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، مع احتفاظ الاحتلال بالسيطرة
الكاملة تقريباً على المنطقة «ج»، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية،
وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية والمائية والامتدادات
الجغرافية اللازمة لتطور المدن والقرى الفلسطينية.
وبمرور الوقت،
تحول هذا التقسيم، الذي قُدِّم باعتباره مؤقتاً، إلى واقع طويل الأمد، وارتفع عدد
المستوطنين من نحو 260 ألفاً عام 1993م إلى أكثر من 700 ألف اليوم، فيما أسهمت
الطرق الالتفافية والحواجز العسكرية والمستوطنات وجدار الفصل في تقطيع أوصال الضفة
الغربية وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى مناطق متفرقة تفتقر إلى التواصل الجغرافي
اللازم لقيام دولة قابلة للحياة.
القدس في «اتفاق أوسلو».. تأجيل وحسم على الأرض
كان تأجيل قضية
القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي من أبرز الملفات التي تركها «اتفاق أوسلو» مفتوحة،
واستغل الاحتلال السنوات اللاحقة لتعزيز عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني،
وتوسيع المستوطنات حولها وداخلها، إلى جانب هدم المنازل وسحب إقامات المقدسيين
وفرض قيود على البناء والإقامة.
وبينما بقيت
القدس مدرجة نظرياً ضمن قضايا الحل النهائي، عمل الاحتلال عملياً على تغيير واقعها
وفرض رؤيته السياسية عليها، بما في ذلك التعامل معها باعتبارها «عاصمة موحَّدة»،
بالتوازي مع محاولات تغيير وضعها القانوني والتاريخي والمساس بهوية مقدساتها
الإسلامية والمسيحية.
«اتفاق أوسلو».. هل كان السلام أقل كلفة؟
تقول الرواية
السياسية الشائعة: إن التفاوض والسلام أقل كلفة من الحرب والمواجهة، لكن تجربة «اتفاق
أوسلو» تظهر أن ما سُمّي «عملية السلام» فرض على الفلسطينيين كلفة كبيرة، وإن جاءت
بصورة تدريجية وأقل وضوحاً من كلفة الحرب المباشرة.
فقد نُقلت أعباء
إدارة السكان وتقديم الخدمات إلى سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، في وقت قُيّدت
فيه الحركة الاقتصادية والسياسية باتفاقية باريس الاقتصادية والتنسيق الأمني،
بينما احتفظ الاحتلال بالسيطرة على الحدود والمعابر والمياه والموارد والحركة.
وبذلك، أصبح
الاحتلال قادراً على إدارة سيطرته بكلفة أقل، في حين تحمّل الفلسطينيون أعباء
إدارة تفاصيل الحياة اليومية من دون امتلاك السيطرة الفعلية على كثير من مقوماتها.
لم يكن ذلك، وفق
هذه القراءة، سلاماً مكتمل الأركان، بقدر ما كان استنزافاً متواصلاً للأرض
والاقتصاد والمجتمع تحت مظلة مسار سياسي لم يضع آليات ملزمة لإنهاء الاحتلال أو
ضمان تنفيذ أهدافه المعلنة.
الضفة وغزة.. اختلاف الوسائل ووحدة الهدف
تكشف المقارنة
بين الضفة الغربية وقطاع غزة اختلافاً واضحاً في أدوات الاحتلال، ففي الضفة
الغربية استمر الاستيطان ومصادرة الأراضي والاقتحامات والاعتقالات والقتل والتهجير
وتدمير المخيمات، رغم اعتماد السلطة الفلسطينية مسار التسوية السياسية والتنسيق
الأمني.
واتبع الاحتلال
في الضفة أسلوباً يقوم على الضم التدريجي وتغيير الواقع على الأرض، عبر الحواجز
والتوسع الاستيطاني وفرض قيود متزايدة على حركة الفلسطينيين وحياتهم، بما يخلق
ظروفاً تدفع إلى النزوح والرحيل.
أما في قطاع
غزة، فاستخدم الاحتلال القصف واسع النطاق والحصار وتدمير البنية التحتية واستهداف
مقومات الحياة، بما أدى إلى كارثة إنسانية واسعة وخلق ظروف قاسية تهدد بقاء
السكان.
وفي الحالتين،
تختلف الأدوات وسرعة التنفيذ، لكن النتيجة تتمثل في استمرار السيطرة على الأرض،
وتقليص الوجود الفلسطيني، وإضعاف القدرة على البقاء وممارسة حق تقرير المصير.
«اتفاق أوسلو».. والمشكلة في طبيعة المشروع
تُظهر العقود
الماضية أن المعضلة لا تختزل في الوسيلة التي اختارها الفلسطينيون أو في المسار
السياسي الذي اتبعوه؛ فالمفاوضات لم توقف الاستيطان ولم تفض إلى قيام الدولة
الفلسطينية، بينما واجه الصمود والمواجهة سياسات عسكرية وأمنية قاسية.
وتكمن الإشكالية
الأعمق، وفق هذه الرؤية، في طبيعة المشروع الاستيطاني الإحلالي الذي يتعامل مع
الحقوق الوطنية الفلسطينية باعتبارها قابلة للتأجيل والمساومة.
فالمفاوضات يمكن
أن تتحول إلى وسيلة لإدارة الوقت وفرض الوقائع، بينما تستخدم الحرب والعمليات
العسكرية للحسم وفرض واقع جديد على الأرض.
ومن هنا، فإن أي
مسار سياسي لا يقوم على إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان وتفكيكه، وضمان حق الشعب
الفلسطيني في تقرير مصيره، وربط المفاوضات بقواعد القانون الدولي وآليات واضحة
للمساءلة والتنفيذ، سيظل عاجزاً عن تحقيق سلام عادل ومستدام.
وبعد 33 عاماً
على اتفاق أوسلو، تبدو التجربة الفلسطينية أمام سؤال أكثر إلحاحاً: هل كان الاتفاق
خطوة نحو إنهاء الاحتلال، أم إطاراً سياسياً أعاد ترتيب أدوات السيطرة على الأرض
والسكان؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً