من أبيات الحكمة لأبي الطيب المتنبي .. الظلم من شيم النفوس

من حكم المتنبي.. الظلم من شيم النفوس


حول البيت:

أولًا: التحليل الاجتماعي

يعكس البيت رؤية تشاؤمية واقعية لطبيعة الإنسان في المجتمع، إذ يقرر أن الظلم صفة متأصلة في النفوس البشرية، وليس سلوكًا عارضًا نادرًا. فالناس – في نظر الشاعر – يميلون إلى الظلم متى توفرت لهم القدرة والفرصة.

أما الإنسان العفيف عن الظلم، فلا يُعدّ استثناءً نابعًا من صفاء النفس بالضرورة، بل قد يكون امتناعه بسبب عجزٍ أو مانعٍ اجتماعي: ضعف سلطة، خوف من عقوبة، أو غياب المصلحة.

وهنا يسلّط الشاعر الضوء على واقع اجتماعي تُحكمه موازين القوة، حيث يرتبط العدل غالبًا بالقدرة لا بالقيم.

ثانيًا: التحليل الديني

من منظور ديني، يتقاطع البيت مع فكرة معروفة في التراث الإسلامي، وهي أن النفس أمّارة بالسوء ما لم تُهذَّب بالإيمان والتقوى. فالظلم ليس فطرةً خالصة، بل نتيجة اتباع الهوى وغياب الوازع الديني.

غير أن البيت لا يبرز العامل الإيماني صراحة، بل يلمّح إليه من خلال الغياب:

فالعفّة عن الظلم لا تكون كمالًا إلا إذا صدرت عن تقوى وخشية لله، لا عن عجز أو خوف دنيوي.

وبذلك يذكّرنا البيت ضمنًا بأن العدل الحقيقي لا يتحقق إلا برقابة داخلية نابعة من الإيمان، لا بمجرد القيود الخارجية.

ثالثًا: التحليل الأدبي

1. الفكرة والمعنى

ينتمي البيت إلى الشعر الحكمي، حيث يقدّم الشاعر خلاصة تجربة إنسانية مكثفة في بيت واحد. المعنى قائم على المفارقة بين الظاهر والباطن:

ظاهر العفّة

وباطن القدرة على الظلم

2. الأسلوب

استخدم الشاعر أسلوب الشرط: فإن تجد… لإشراك القارئ في عملية التأمل والاستنتاج.

وفيه نبرة تقريرية جازمة تعكس ثقة الشاعر بحكمته وتجربته بالحياة.

3. الصورة البلاغية

في قوله «الظلم من شيم النفوس» تشخيص معنوي، إذ جعل الظلم خُلُقًا ملازمًا للنفس.

كما يقوم البيت على مقابلة ضمنية بين:

الظلم ↔ العفّة

القدرة ↔ العجز

4. الإيقاع واللغة

اللغة واضحة، خالية من التكلف، مما يخدم الطابع الحكمي، ويجعل المعنى قريبًا من المتلقي وسهل التداول والحفظ.

خلاصة

يقدّم البيت رؤية نقدية عميقة للإنسان والمجتمع، مفادها أن العدل ليس الأصل في النفوس، بل هو استثناء، ولا يكون فضيلة حقيقية إلا إذا صدر عن وازع أخلاقي أو ديني.

وهو بيت يجمع بين صدق التجربة الاجتماعية، والتنبيه الأخلاقي، والعمق الأدبي في صياغة موجزة مؤثرة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة