المغيرة بن شعبة وعدل الإسلام.. واقعة الاتهام وشهادة الشهود

المغيرة بن شعبة وعدل الإسلام.. واقعة الاتهام وشهادة الشهود

في بيتٍ واحدٍ منهم اجتمع الأربعة: أبو بَكْرَة نُفَيْع بن الحارث، وأخوه نافع، ومعهما زياد بن أبيه، وشِبْل بن معبد، وكان البيت الذي اجتمعوا فيه يُحاذي بيتَ والي البصرة، الصحابي الكبير المُغِيرة بن شُعبة، وكان وقتئذٍ واليًا من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

وبينما المجتمعون في جلستهم يتداولون الحديث، إذ هبَّت ريحٌ بها شدَّة، ففتحت بشدَّتها نافذةَ البيت، فقام أحدهم ليغلقها، وأمسك بها وهو يُرسل النظر إلى نافذة بيت المُغِيرة، أمير البلاد، وكانت في مواجهة نافذة بيتهم، فحملق في دهشةٍ مما وقعت عليه عيناه، فلم يُمْهِل ونادى رفاقه أن يأتوا ليروا الذي يرى، وقال لهم: تعالوا انظروا صاحبكم يزني بأم جميل، وهي بنت الأفقم، زوجة الحَجَّاج بن عتيك الثَّقفي.

فقام ثلاثتهم لا يكادون يُصدِّقون، حتى أبصروا المُغِيرة فوق المرأة، فسقط في أيديهم، وراحوا يتبادلون النظرات من عجبٍ، فما رأوه جدُّ عظيم، هنالك لم يجدوا مناصًا من إبلاغ أمير المؤمنين بما رأوه، وتواعدوا على شدِّ الرحال نحو المدينة.

وعندما وصلوها سردوا الرؤية التي رأوها على مسامع الخليفة، فمن فوره أرسل في طلب المُغِيرة ليتواجه مع الرامين له بالفحش، وجاء المُغِيرة وتواجه معهم، وسمع منهم فأنكر، وقال: إنَّها زوجتي وبها شبهٌ بأم جميل، فأنفذ الفاروق شروط الشهادة في الشاهدين، وأمر كلَّ واحدٍ منهم أن يحكي الذي رأى؛ فحكى الثلاثة الأُوَل روايةً تطابقت بلا اختلاف، حتى حان دور زياد بن أبيه، فشهد أنه رأى أمرًا سيئًا، وما رأى المباشرة كما تتطلَّبها الفاحشة.

وما إن انتهى من شهادته حتى تنفَّس المُغِيرة الصعداء، وقد بدت له تباشير الموت رجمًا، وقال رضي الله عنه: الحمد لله الذي جعل في شهادة زياد فرجًا ومخرجًا، ثم هتف للخليفة: يا أمير المؤمنين، أنصفني من هؤلاء العبيد، فردَّ الفاروق: صَهْ، والله لو تطابقت شهادتهم لرجمناك بأحجارك، ثم أمر رضوان الله عليه بإقامة حدِّ القذف على الثلاثة الشاهدين.

شروط الحد ودفع شبهات القسوة

من تلك الواقعة، وبها يبرأ الدين الحنيف من افتراءات الشانئين من مستشرقين ومستغربين وسَدَنَة العلمانية، بأنه في حدِّه للزاني المُحصَن قسوةٌ عنيفة، وبه استهانةٌ بالنفس الإنسانية، وهو قولٌ مرذولٌ منهم وعليهم مردود؛ فإن الشروط التي يتوجَّب توافرها في إقامة هذا الحد تجعلُه يدنو من المُحال، فلا بد من تماثُل شهادة الشهود بلا أدنى اختلاف، وهو أمرٌ بالغ العُسر، كما بان ذلك في شهادة الشهود على المُغِيرة بن شُعبة.

فأيُّ استهانةٍ بالنفس، وأيُّ قسوةٍ، إلا أن يكون المفترون يبتغون الجريمة بلا عقاب، فيُغري ذلك ذوي القلوب المعتلَّة أن يأتُوها وهم في أمان؟ أم يريدون أن تُزال الحرمة عنها فتكون الفاحشة سلوكًا غير مذموم ولا منكور، ومحميَّة بالقانون إن كانت عن رضا من الفاعلين؟ وبذلك تُزال الحواجز التي تحول دون سُفول النفوس إلى دركٍ تعفُّ عنه العجماوات من البهائم، كما هي الحال عند الغربيين، وما حالهم هذا على جزيرة الشيطان منا ببعيد.

عدل الإسلام وصيانة الأعراض ومكانة الصحابة

ولقد كان المُغِيرة في الإسلام ذا شأنٍ وجاه، ولشأنه هذا تولَّى إمارة من الإمارات، ولكن شأنه هذا وقدره لم يجعله فوق المحاسبة، أو أن تكون له المحاباة والمجاملة؛ فاستدعاه الخليفة كما يُستدعى آحاد الرعية، وتم التحقيق فيما نُسب إليه كأنه من عامة الناس، وهذا هو الإسلام، وهذا عدله.

ولقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم صريحة مدوِّية: «والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمدٌ يدها»؛ فقد قوَّمتَ عوجًا كان في مِلَل السابقين، كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، والوضيع إن سرق أقاموا عليه الحد.

وبقي المُغِيرة في مكانته، واستُعمل في الإمارة كما كان، فما شانَه افتراءُ المفترين، ولا قدح في صحبته ادِّعاءُ المدَّعين، وتلك سِمةٌ من سمات ديننا العظيم؛ فلا يهدم إنسانًا لشبهةٍ أصابته ولم تثبت، ولا ينتقص من حقه لفريةٍ لم تصح.

وأُقيم حدُّ القذف على الشاهدين وجُلِدوا، ولن تُقبل لهم شهادة، وهذا هو حكم الشرع، ليكون خيرَ رادعٍ لمن تُسوِّل له نفسه أن يخوض في الأعراض بلا تثبُّت، وأن يدَّعي قولًا يجرح في طهارة موحِّدٍ بلا دليلٍ دامغ، وبذلك تُصان الأعراض، وتُلجَم ألسنة المتهاونين، لتبقى لحمةُ البلاد ذاتَ صلابة، وتصمد عند عاديات الزمن، ويبقى عقدُ الأمة منتظمًا بلا انفراط.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة