الصاحب ساحب..

خبراء يحذرون من مصاحبة «الرباعي الخطر»!

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخلل» (رواه الترمذي)، وحثّ حجة الإسلام الغزالي على انتخاب الرفيق الصالح لأن «الأخلاق روح يسري».

فالمجتمع فئات وأشكال وأمزجة شتى، منهم الإيجابي ومنهم السيئ، ومنهم الإمعة، ومنهم المتلون، الذين يمثلون عبئاً حقيقياً على الأشخاص أصحاب الأخلاق السليمة.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء التربية والسلوك، للتحذير من أصحاب الأفكار السلبية، الذين يثيرون القلاقل داخل المجتمع ولا تشعر معهم باطمئنان أو سكينة، وأهمهم المثبط والمتلون والمنغلق والمجامل.

المُثبّط محارب لروح المغامرة

يقول المستشار الأسري والتربوي علاء حسني، في حديثه لـ«المجتمع»: إن العيش بإيجابية اختيار واعٍ لطريقة النظر إلى الناس والأحداث، وليس هروبًا منها، وإنما ضبط لأثرها في النفس.

وأوضح أنه في حين تُدار العلاقات بوعي قيمي، تتحوّل النماذج المرهِقة من عوائق في الطريق إلى محطات نضج، ويغدو الاتزان الداخلي أساس الاستمرار والبناء.

وأضاف أنه في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية، لم يعد العيش بإيجابية شعارًا تحفيزيًا عابرًا، بل أصبح كفاية نفسية وقيمية، تُقاس بقدرة الإنسان على إدارة ذاته وعلاقاته بميزان الحكمة، لا بالهروب من التحديات أو تجاهلها.

وتابع قائلاً: الإيجابية لا تعني بيئة مثالية، بل تعني حسن التعامل مع أنماط بشرية قد تُربك القرار أو تستنزف الطاقة إن لم نُحسن إدارتها.

كما نبه حسني إلى أنه من أبرز هذه الأنماط المُثبِّط، الذي يتنكّر خوفه في ثوب النصيحة، فغالبًا لا يكون سيئ القصد، لكنه أسير تجاربه ومخاوفه، فيحارب المغامرة والمبادرة أو يضعفها.

ويتجلى هذا الخوف في عبارات مألوفة، مثل: لا تُتعب نفسك، جرّبها غيرك وفشل، الوضع لا يحتمل، لو كانت ستمطر لغيَّمت، وهي عبارات تثبيط نسمعها كثيرًا، وقد تصدر من أقرب المقرّبين.

ويكون التعامل الإيجابي مع هذا النمط بتجنّب الصدام، والفصل بين النية والأثر، وتقليص مساحة تأثيره؛ فليس كل محبٍّ يصلح أن يكون مستشارًا، والتوكّل لا يُفهم إلا مقرونًا بالأخذ بالأسباب.

المتلون واضطراب القيم

أما المتلوّن، فخطورته لا تكمن في اختلافه، بل في غياب المبدأ واضطراب القيم؛ إذ تتبدل مواقفه بتبدل المصالح، ويُطبّع التناقض باعتباره مرونة.

ونبه حسني إلى أن هذا النمط يدار بضبط العلاقة في حدودها المهنية أو الاجتماعية، وعدم البناء عليه في قرارات مصيرية، حفاظًا على السلامة القيمية والثقة.

كما يظهر معنا أيضاً المنغلق حبيس الماضي، الذي يخلط بين الثبات على القيم والجمود في الوسائل، ويُقيّم الواقع بمعايير زمن مضى، حتى يكاد الماضي يتحوّل عنده إلى سجن.

ويبقى المُجامِل، الذي يُكثر من العبارات المسكّنة، فيغيب الصدق البنّاء، فرغم أن اللطف خُلُق كريم، فإن المجاملة المفرطة تقتل الوعي، والدعم غير الصادق يُهدر فرص النمو، ولا بد من تفضيل الصدق الرحيم على التزيين المؤقت.

المنغلق حبيس الماضي

فيما أكدت الإعلامية الأردنية ياسمين الجيوسي أنه يجب على من أراد الوصول والفوز مع الحرص على العيش بسلام، أن يوازن بين قبول الطرف الآخر -بالحد المسموح- وكيفية إتقان فن النُّصح والتوجيه برفق وحكمة وشدة -إن لزم الأمر- على ألا نصل إلى حد الإمّعة.

وأوضحت الجيوسي لـ«المجتمع» أن الإنسان الواعي يحرص دائماً على الحفاظ على طاقته الداخلية؛ التي تحرّكه بفاعلية نحو تحقيق أهدافه، وتعزّز ثقته بنفسه وتخطّي التحديات، وهي تُعرف بالإيجابية التي هي أسلوب حياة يقوم على النظرة المشرقة في جميع المواقف، دون إنكار التحديات والعقبات وتجاهلها، بل تعينه على تجاوزها بعقلانية؛ ما يحقق التوازن بين طموحاته ومبادئه وواقعه دون استسلام.

وفي زماننا، لَمعتْ نماذج سلبية لا يكاد أحد منا إلا وقد عايشها وواجهها في حياته، كالمثبّط للآخرين، والمتلوّن بلا مبدأ، أو المنغلق حبيس الماضي، أو المجامل صاحب العبارات المسكّنة، بحسب الجيوسي.

فهؤلاء -والكلام على لسانها- يجب الحذر منهم والتعامل معهم بحكمة بالغة، ولا أجد لنفسي ولغيري نصائح سوى التعامل معهم كما تعامل قدوتنا صلى الله عليه وسلم معهم؛ حيث قابلهم بالثّبات والإصرار على الهدف والغاية، والحلم والتجاوز عنهم بأوقات وأحياناً أخرى واجههم بعقلانية دون استعجال بعنف أو اندفاع عاطفي، فترك المثبّط وركّز على تقوية الصف الداخلي، وواجه صلى الله عليه وسلم المتلوّن بالحذر وتفنيد أباطيله بفطنة بما يقيّد مراوغته.

أما المنغلق الذي يعيش في منطقة رمادية تملؤها الحيرة والتردد والرؤية الضبابية كان يرمي له طوق النجاة، ليركب سفينة الأمة وينل مفتاح الرّيادة، فإن استجاب فبها، وإلا (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) (الكهف: 6).

وبالنسبة لتعامله مع المجامل كان قائمًا على قبول عباراته اللطيفة، إذا كان صادقًا، وتعزيز إيجابيته مع التواضع، ولكن كان يرفض المتملّق كثير المبالغة بالمدح، بما يُعرف عندنا بالعاميّة «الشخص المِلْسِن المراوغ»!

المجامل عدو التطور

أما الباحث والأكاديمي العراقي د. فراس عبدالرزاق السودانيّ، فقد أكد ضرورة اختيار دائرة معارفنا القريبة بعناية، فتأثيرها علينا واقع؛ إمّا أن يكون مَن حولنا طاقة إيجابيّة تدفعنا للأمام، وإما عِبئاً مُثبّطاً يجب تجاوزه.

وأوضح، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أنه يجب على المرء أن يختار معارفه من كلّ مُتّزن طيّب الخصال، لا المتأرجح بين إفراط وتفريط، والحذر من العلاقات ذات الخطورة الناعمة ضرورة قصوى لمَن يحلم باستمرار العطاء، فحماية الفضاء النفسي ضرورة، وهذه العلاقات يتسلّل تأثيرها إلى النفس بصمت دون سوءٍ مُعلن من صاحبها.

وتابع قائلاً: نلتقي في حياتنا بالمُثبِّط الذي يرى الخطر في كلّ تغيير، فلا يقوى على المبادرة إليه، لا ينبغي أن يُستشار هذا في شيء من طموحاتنا، ففاقد الشيء لا يُعطيه، المشورة مهمّة، لكنّ الاستماع لإقدام النفس خير من الاستماع لمثبّط.

كما نلتقي المنغلق، الذي يعيش أسير العادة، وهو كالمثبّط جامد يأبى التغيير لعلَّةٍ نفسيّة، فالحياة تتقدم، ورفض التغيير تراجع صامت، ومخالطة المنغلق تُسرِّب للنفس الوهن والجمود.

وفي حديثه أيضاً نبه السوداني أننا نلتقي المتلوّن الذي يُغيّر مواقفه حسب المصلحة، ومثله لا يؤمن ضرره؛ لأنّ توقّع أفعاله صعب؛ إذ لا يحكمه مبدأ، والوثوق بكلمته وهْم لا يُبنى عليه، وهذا يُحتّم علينا الحذر الشديد في التعامل معه وألّا نبني معه صرحاً من الثقة، ليس سوى المواقف العابرة والمصالح الواضحة؛ لأنّ مبدأه الوحيد هو المصلحة.

كما اختتم حديثه عن المجامل الذي يُفرط في المجاملة دون أدنى مطابقة للحال، ومع أنّ المجاملة من اللطف وجبر الخواطر، إلا أنّ الإفراط فيها مضرّ مرذول.

وفي الحديث الشريف: «المؤمنُ مرآة أخيه» (رواه أبو داود)، وخسارة المرء للمرآة تجعله يتخّبط دون رقيب ولا موجّه، المجاملة دون صدقٍ أو فائدة حقيقيّة كلماتٌ مريحة، إلا أنّها لا تُساعدنا على التطوّر.



اقرأ أيضاً:

طبقات الأصدقاء (تراث)

كيف تتجنب الشخصيات السامة؟

بلاغة التصوير القرآني لشخصية المنافق في مطلع سورة «البقرة»

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة