عقيدة القتل «الإسرائيلية».. بين الإبادة والاغتيال

د. فاطمة حافظ

14 أبريل 2026

113

ارتبط المشروع الصهيوني منذ تأسيسه بالعنف المفرط الذي ارتكبته عصابات «الهاجانا» المسلحة، واستمر هذا النهج قائماً حتى اليوم؛ إذ ارتكبت «إسرائيل» في غزة واحدة من أفظع عمليات الإبادة الجماعية في العصر الحديث، صاحبتها سلسلة من الاغتيالات المتوالية في عدد من البلدان المجاورة، وأخيراً أقرت قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في استباحة مطلقة لمن تعدهم أعداء أو من تسميهم أغياراً.

وفي السطور التالية، نتناول نشأة مفهوم الإبادة ودلالاته، وكيف يشكل مع الاغتيالات السياسية عقيدة العنف الصهيونية. 

اختراع مفهوم الإبادة

شهد التاريخ الإنساني منذ القدم القتل الجماعي الذي وصف في المصادر التاريخية بكونه مذابح أو مجازر ارتكبت بحق الآلاف من الضحايا الأبرياء، إلا أنه مع  نهايات الحرب العالمية الثانية، ظهر مفهوم «الإبادة الجماعية»؛ وهو مِن وضع محامٍ يهودي بولندي يدعى رافائيل ليمكين الذي سعى من خلاله لوصم القوات النازية بارتكاب إبادة بحق اليهود، وحقق المفهوم ذيوعاً سريعاً؛ إذ اعتمدته الأمم المتحدة كمصطلح رسمي عام 1946م؛ أي بعد حوالي عامين من صكه، وسرعان ما اعترفت بالإبادة كجريمة جنائية لا تسقط بالتقادم في زمن السلم أو الحرب مع صدور اتفاقية منع الإبادة الجماعية (1948م).

ووفقاً للاتفاقية، فإن الإبادة تعني ارتكاب أعمال بنية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، مثل:

  • قتل أعضاء من الجماعة. 
  • إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
  • إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
  • فرض إجراءات تستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال.
  • نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

وبالنظر إلى هذا التعريف يمكن ملاحظة كونه ضيقاً من ناحية الصياغة، فلا يشمل التجويع أو حظر الدواء، وربما كان ذلك مقصوداً حتى يمكن الإفادة منه لوصم دول أو جماعات بتهمة الإبادة، كما أنه لا يشير إلى كيفية التمييز بين «القتل الجماعي» والإبادة، أو بعبارة أخرى؛ هل هناك عدد أو نسبة معينة من الضحايا تفيد حدوث إبادة؟ وأخيراً فإنه يتطلب إثبات النية في التدمير المتعمد، وهي مسألة بالغة الصعوبة؛ لأن من يمارس الإبادة لا يصرح أنه يقوم بها، وعادة ما يرتكبها تحت ستار من الادعاءات الكاذبة. 

وعلى أي حال، فإنه منذ دخول اتفاقية منع الإبادة حيز التنفيذ، وتصديق ما يربو على 150 دولة عليها، فإن المجتمع الدولي عجز عن التدخل لمنع الإبادات المتكررة في البوسنة ورواندا وتركستان وغزة، ولم تدن أي دولة بتهمة الإبادة، اللهم إلا إدانة أفراد معدودين منها بعد محاكمات ربما تمتد لسنوات، وهو ما شجع «الإسرائيليين» على ممارسة الإبادة دون خوف من رادع قانوني رغم رفع دعوى قضائية من جنوب أفريقيا.

من الإبادة إلى الاغتيال

ليست الإبادة الشكل الوحيد للعنف الذي تمارسه «إسرائيل»، فإلى جواره تظهر سياسة الاغتيالات التي تعود بجذورها أيضاً إلى ما قبل إنشاء الدولة، حين كانت العصابات الصهيونية تعمد إلى تصفية العناصر التي يمكنها أن تشكل خطراً مباشراً أو غير مباشر، واستمرت سياسة الاغتيالات قائمة مع فارق يسير؛ وهو أن الاغتيالات في السابق كان يقوم بها عصابات صهيونية وصارت بيد الدولة التي لا تتورع عن استهداف عسكريين أو حتى مدنيين، كما هي الحال حين اغتالت مهندسي البرنامج النووي الإيراني، وقبلهما الزواري، مهندس الطائرات المسيرة التونسي، الذي وضع مشروعه العلمي في خدمة المقاومة.

وعلى الرغم من قدم الاغتيال، فإن ثمة تغيرات طرأت على هذه الأداة السياسية، منها:

1- التوسع المفرط في الاغتيالات، سواء داخل فلسطين المحتلة سيما الضفة إذ قضت «إسرائيل» على جيل كامل من المقاومين الفلسطينيين في مخيمات شمال الضفة (جنين، نور شمس، طولكرم)، وكذلك وسعت من نطاقها الجغرافي لتشمل إيران وتركيا ودولاً خليجية. 

2- رفع سقف الشخصيات المستهدفة؛ حيث شملت زعماء وقادة سياسيين كحسن نصر، وعلي خامنئي، وهذه الشخصيات ما كانت لتستباح من قبل «طوفان الأقصى».

3- الانتقال من الاغتيالات الفردية إلى الاغتيالات الجماعية، فقد قامت «إسرائيل» بتفجير أجهزة البيجر لآلاف من العناصر التابعة لـ«حزب الله»، وعمليات اغتيال قيادات الحرس الثوري وعلماء المشروع النووي الإيراني.

يقف وراء انتهاج سياسة الاغتيال بضعة عوامل، بعضها قانوني ويتمثل في عدم وجود الردع القانوني؛ إذ رغم أن الاغتيال السياسي جريمة مدانة وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، وينبغي أن تحاكم باعتبارها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وبعضها ديني؛ إذ عادة تنتزع الصفة الإنسانية عن الضحايا وتستدعى نصوص توراتية وتلمودية تبارك قتل الأغيار وتعده فضيلة. 

ومن الناحية الواقعية المتعلقة بالمكاسب والخسائر، فإن الاغتيالات يمكنها تحقيق مكاسب لا يمكن الغض عنها، مثل:

1- تعطيل القدرة على التحكم والسيطرة، إذ إن اغتيال القيادات أو الصف الأول يخلق فراغاً مؤقتاً في القيادة، ويفصم عرى الاتصال بين القيادة والصفوف الأدنى.

2- القضاء على كفاءات عسكرية وقيادات تاريخية وخبراء تقنيين يتعذر تعويضهم في مدى قصير.

3- إرهاب الخصم، إذ يحمل الاغتيال وتحديداً في العواصم ذات السيادة رسالة مفادها أن يد «إسرائيل» قادرة على الوصول إلى أي شخص في أي مكان.

4- توظيف الاغتيالات، إذ تستثمر العمليات لرفع الروح المعنوية في الداخل، إذ يتم الترويج لها كبرهان على قدرة «إسرائيل» الفائقة على ردع خصومها وتوفير الأمن لمواطنيها.

5- تقليص الكلفة المادية للحدود الدنيا، ذلك أن المواجهة العسكرية المباشرة تتطلب مادياً أكثر مما تتطلبه عمليات الاغتيال؛ ما يجعل الاغتيال خياراً مرجحاً.

ورغم المكاسب، فإن الاغتيالات تحمل بدورها أخطاراً محتملة، ذلك أن اغتيال القيادات يولد رغبة متزايدة في الثأر، ويوفر مبررات إضافية للعداء، ومن المحتمل أن تحل محل القيادات التي تمت تصفيتها قيادات أكثر صلابة وعنفاً، ومن جانب آخر، فإنها تزيد من تآكل شرعية «إسرائيل» على الصعيد الدولي، ويدفع دولاً محايدة للتفكير في أنها ربما تصبح بدورها هدفاً محتملاً، وأخيراً تظهر الاغتيالات «إسرائيل» أمام الرأي العام العالمي بوصفها تشكيلاً عصابياً يمارس القتل والاغتيال، وليس بوصفها دولة تحكمها سياسات وقواعد قانونية توضح كيفية تعاملها مع خصومه.

لقد تأسس المشروع الصهيوني على العنف بكافة أشكاله ولم يتخلَّ عنه، بل إن استمرار المشروع يظل رهناً بالتمسك بالعنف، لكنه بدوره يولد الثأر المتزايد في نفوس أصحاب الأرض ويدفعهم للمقاومة مهما كانت كلفتها، ويطرح الشكوك حول إمكانية استمرار المشروع استناداً إلى العنف وحده دون غيره من مقومات البقاء كالأمن والاستقرار. 



اقرأ أيضاً:

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. ما خطورته؟ وكيف يمكن مواجهته؟

قانون إعدام الكيان.. قراءة في واقع المنطقة وبشريات الانتصار

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة