حين يُدفن إنسان بهذه الطريقة.. مَن الذي مات فينا؟
ليس كلّ ما يُرى
يُصدَّق، وليس كلّ ما يُصدَّق يُحتمل.
فثمّة مشاهد
تعبر العين لتستقرّ في القلب، فتُصدِع فيه شيئًا لا يرمّمه الزمن، تنزع منه القدرة
على التأويل، وتضعه في مواجهة حقيقة مُرّة، قد تدفعه -أحيانًا- إلى إنكار الواقع،
عجزًا عن استيعاب بشاعته.
في عام 2014م،
وفي ذروة المأساة السورية، خرج إلى العلن مقطعٌ عصيٌّ على النسيان من مجزرة
التضامن جنوبي دمشق، كان امتحانًا قاسيًا لإنسانية من يشاهده، شابٌّ يُساق إلى
حتفه، يُلقى في حفرة، ويُهال عليه التراب وهو لا يزال حيًّا، متشبثًا بآخر حصونه:
إيمانه، يردّد بوهن: «لا إله إلا الله»، فيصرخ القتلة: «قل ربي بشار!»، فيأبى،
فيُركل حتى يغيب رأسه تحت الثرى، ليمضي إلى ربّه شهيدًا، نحسبه كذلك ولا نزكّي على
الله أحدًا.
كنتُ أعرض هذا
المقطع آنذاك على بعض الزملاء، فكان ردّ أحدهم: «لا.. مستحيل، هذا تمثيل!»،
مستندًا إلى تفصيلٍ هامشي؛ أحذيةٌ بيضاء، بينما الجيش -في ظنّه- لا يرتدي إلا
البوط العسكري.
لم يكن ذلك
استهانةً، بل هروبًا من مواجهة الحقيقة، فشدّة الصدمة، وعنف المشهد، قد يدفعان
الإنسان إلى إنكار ما يرى، فرارًا من وطأة التسليم به، وهذا ما يسميه علماء النفس «الإنكار»
(Denial)، إحدى أبرز آليات الدفاع النفسي؛ حين يعجز
العقل عن استيعاب صدمة كبرى، يلجأ -لا شعوريًا- إلى رفضها، أو إعادة تأويلها،
بحثًا عن مخرجٍ يُخفّف حدّتها، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.
غير أنّ الحقيقة
لا تتبدّل بإنكارها، ولا تنحجب برفضها؛ بل تبقى كما هي؛ قاسية، جارحة، ثابتة.
إنّ أمجد يوسف
مرتكب مجزرة التضامن ومن معه مثالٌ واقعيّ على بشاعة الإنسان حين ينسلخ من
إنسانيته ودينه وقيمه، ولو فتّشت فيه عن موضع رحمة أو ومضة إنسانية، لما وجدت.
أكان يفكّر
ويشعر؟ أله أسرة؟ كيف كان ينام وفي ذمّته 288 نفسًا أُزهقت بدمٍ بارد، بينهم نساء
وأطفال؟
والأدهى أنّ ما
نُشر ليس إلا جزءًا يسيرًا من الحقيقة؛ فثمة تسجيلات أخرى لم تُكشف، تضمّنت
إعداماتٍ لنساء بطريقة وحشية، يُسحبن من شعورهنّ ويُلقين في الحفرة وهنّ يصرخن، وقد
أشار إلى بعض هذه المشاهد التحقيق الذي أعدّه أنسار شحود وأوغور أوميت أنغور،
ونُشر في صحيفة «الغارديان».
هذا المشهد
الصادم يجيب عن أسئلةٍ ظلّت معلّقة:
هل تُنزع
الإنسانية من الإنسان؟ وهل العلاقة بين الدين والأخلاق علاقة لزوم؟ ولماذا يخلد
المجرمون في النار؟ أليس يكفي أن يُعذّبوا بقدر ما عذّبوا في الدنيا؟
إنّ هذه الجريمة
المفجعة -وأمثالها مما تفطر له الأكباد- تكشف بما لا يدع مجالًا للشك أنّ الإنسان
إذا تخلّى عن دينه، تخلّى تباعًا عن أخلاقه، ثم عن إنسانيته؛ فيبقى في صورته
إنسانًا، وفي حقيقته وحشًا لا يرتوي إلا بالقتل.
فالدين -في
جوهره- ليس طقوسًا تُؤدّى، بل منظومة قيم تُنشئ الضمير، وتبني الحاجز الداخلي الذي
يحول دون السقوط، فإذا انهدم هذا الحاجز، لم يبقَ ما يكفّ النفس عن التوحّش.
مئات الضحايا،
شبابًا وكهولًا، نساءً ورجالًا، كانوا يحملون أحلامًا لم تكتمل، اقتيدوا إلى موتٍ
مُعدّ سلفًا، لا عفوية فيه ولا تردّد، ولم يكتفِ القاتل بالفعل، بل أتبعه بسخريةٍ
وقسوةٍ متعمّدة، لتُقتل الضحية مرّات؛ في كرامتها، وفي إنسانيتها، وفي صرختها
الأخيرة.
ومن هنا نفهم
لماذا جاءت النصوص الشرعية مغلّظةً في تحريم القتل، مشدّدةً في وعيده.
فالجريمة ليست
فردية الأثر، بل كونية الامتداد؛ لأنها تنال من أحد أعمدة الحياة.
ولا تُقاس
العذابات بالمدّة، بل بعمق الألم؛ لذلك لا تُقاس الآخرة بالدنيا، فلو خُلِّد أمجد
يوسف في النار، ما كان ذلك ظلمًا؛ لأن الجروح التي خلّفها لا تندمل، ولأن الدنيا -وإن
طالت- لحظة عابرة، ولو دامت لبقيت جراح الأهالي نازفة إلى الأبد، ومن هنا يتجلّى
معنى قوله تعالى: (وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)؛
عدالةٌ في الميزان، لا قسوةٌ في الحكم.
ثم تأتي العدالة
في صورتها الأرضية، بوصفها ضرورةً لا ترفًا.
فكشف الجرائم،
وملاحقة المجرمين، وإقامة القصاص، ليست مجرّد إجراءات، بل هي إعادة الاعتبار
للإنسان، ولذلك قال تعالى: (وَلَكُمْ
فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 179)؛ ففي
القصاص حياة؛ لأنه يردع ويمنع، ويُطفئ نار الثأر، ويُسكّن صدورًا أحرقتها الفجيعة،
ويعيد إلى المجتمع توازنه المفقود.
لكن، وسط هذا
السواد، يظلّ السؤال الأعمق حاضرًا: ماذا عنّا نحن؟ كيف نحمي إنسانيتنا؟
إنّ الانحدار لا
يقع دفعةً واحدة، بل يبدأ بخطواتٍ صغيرة؛ بتبرير الظلم، بالصمت عن الباطل،
بالاعتياد على مشاهد القسوة، بتبلّد الإحساس، ثم تتراكم، حتى يجد الإنسان نفسه في
موضعٍ لم يكن يتخيّله.
فالقلب إذا خلا
من المعنى؛ امتلأ بأيّ شيء.
إنّ أولئك الذين
ماتوا على تلك الصورة لم يتركوا وراءهم ألمهم فقط، بل خلّفوا اختبارًا لكلّ من
شاهدهم؛ اختبارًا للصدق، وللضمير، وللقدرة على مواجهة الحقيقة.
أمّا الذين
دفنوه، فقد دفنوا -قبل الجسد- آخر ما تبقّى فيهم من إنسانية.
ويبقى السؤال
معلّقًا، لا يغادر: حين يُدفن إنسان بهذه الطريقة، مَن الذي مات فينا؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً