سؤال قديم جديد.. ماذا يعني انتماؤنا للإسلام؟
سؤال صارخ طرحه
المفكر الإسلامي فتحي يكن منذ ستين عاماً، ولا يزال صداه حتى اليوم يوقظنا
ليسألنا، فالتداعيات التاريخية التي أرّقت المؤلف، من هزيمة عام 1948 إلى نكسة
1967م، جعلته يتساءل: أين المسلمون؟ ثم جاءت بعد ذلك أحداث مشابهة فرضت علينا
جميعاً نفس السؤال؛ مروراً باتفاقية «كامب ديفيد» عام 1978م، وغزو العراق للكويت
عام 1990م، وغزو أمريكا لأفغانستان عام 2001م، وللعراق عام 2003م، ثم التدمير
الشامل والإبادة الجماعية لغزة، وتفكيك أواصر سورية وليبيا والسودان ولبنان.
فلا شك أن ضعف
الانتماء للإسلام، والقصور في فهم حقيقته وتطبيقه، يُعد سبباً رئيساً لتراجع الأمة
وهزيمتها؛ حربياً أو نفسياً أو حضارياً، فهذا الضعف يؤدي إلى التنازع، وقصور
الإرادة، والتخلي عن القيم الأخلاقية والعملية التي تنهض بالأمة، إضافة إلى
استبدال النظم المستوردة بالمنهج الرباني، ويؤدي ذلك إلى تفضيل الانتماءات الضيقة
على مصلحة المسلمين العامة، والتراجع عن التضحية والجهاد بشتى أشكاله؛ بالنفس،
والمال، والعمل، والوقت، والدعوة بالكلمة المكتوبة والمسموعة، والتربية.
هو سؤال مشابه
لسؤال سفيان بن عبدالله الثقفي، قال: قُلتُ: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلامِ
قَولاً لا أسألُ عنه أحَداً بَعدَك، وفي حَديثِ أبي أُسامةَ: غَيرَك، قال: «قُل:
آمَنتُ باللهِ، ثمَّ استَقِمْ» (صحيح مسلم)، أي: قل وأنت موقن بقلبك: آمنت بالله،
ثم داوم على هذا الإيمان بالعمل الصالح الذي يهدي إلى الطريق المستقيم؛ صافياً بلا
شوائب، مستقيماً بلا انحراف، كاملاً بلا تجزئة، خالصاً بلا شرك.
الانتماء ليس اسما في بطاقة هوية
هل الانتماء
لهذا الدين مجرد اسم في بطاقة هوية، أو وراثة عن أب وجد، أو بانتساب لعائلة أو
قبيلة؟ أيكون الانتماء للإسلام لمجرد مكان المولد أو لون البشرة، أو المظهر
والملبس، أو اللغة؟ كلا، بل هو اقتناع وقناعة، وتسليم ورضا، بل هو منهج حياة، بل
هو عهد يصدقه الامتثال، فما نفع النسب إذا قَصُر العمل؟ وما جدوى اللقب إذا غاب
الفعل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «، ومَنْ أبْطأَ بهِ عملُهُ لمْ يُسرِعْ بهِ
نَسبُه» (رواه مسلم).
إن فحصاً دقيقاً
لجوهر الإيمان يكشف زَيف الانتماء الشكلي السطحي الخامل، الذي لا يحمل الولاء
للدين من حب وقرب ونصرة واعتزاز واتباع، فالانتماء الحق هو الالتزام العملي في كل
شأن؛ أن تكون مسلماً في صفاء عقيدتك، في خشوع عبادتك، في رقي أخلاقك، في طيب
معاملتك، حتى في كنف بيتك ومع أهلك، فالله نادانا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) (البقرة: 208)؛ أي خذوا بعُرَى وأحكام الإسلام كلها، ليكون انتماؤنا
حياة تفيض استسلاماً بالالتزام.
من انتمائك أن
تعرف أن للإسلام خصائص ومزايا تميزه عن المناهج الأخرى، ولنتأمل في عظمة المنهج
الذي إليه ننتمي، وبحبله نعتصم، إنه دين حاز الفضل على سائر الملل، وقضى الله له
بالسبق في القول والعمل؛ (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) (النساء: 125).
فمن خصائصه
«الربانية» في الغاية والمصدر، ومنها «التوازن والوسطية»، ومنها «الإنسانية»
بالرحمة الشاملة والكرامة والعدل والتكافل.
دين يجمع بين
«الشمول» الذي يستوعب الزمان والمكان، و«الواقعية والعملية» التي تلامس حياة
الإنسان، دين «الوضوح» الذي لا غموض فيه، و«الكمال» الذي لا نقص يعتريه، يجمع
بجمال باهر بين «الثبات» في الأصول والكليات، و«المرونة» في الفروع والجزئيات.
من انتمائك أن تعرف محاسن الإسلام الوقائية
الوقاية
الأخلاقية بسد الذرائع وضبط الغرائز وحفظ الحواس، والوقاية الفكرية بالتحصين
بالتوحيد والتثبت من الأخبار ومحاربة الشبهات، وإذا قيل: لِمَ هذا الدين؟ فبملء
فيك: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ
وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 71)، إنه الدين الذي ارتضاه الله لنا في كماله وتمامه؛ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة: 3).
من انتمائك أن تعرف أن للإسلام محاسن دعوية
انتماؤك يفرض
عليك أن تكون واجهة دعوية وقدوة حسنة؛ بتعليم الجاهل، ووعظ الغافل، وهداية الحيران؛
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33)، ومن لوازم انتمائك أن تلتزم وتحثَّ على مكارم الأخلاق،
وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق أجمعين؛ (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) (النحل: 90).
في أي مجتمع، كن
كالشامة؛ لا تظلم، لا تجهل، لا تغش، لا تكذب، كن أنت الوجهَ الجميل لهذا الدين،
فالإسلام كالشمس تشرق على الجميع، وكالهواء النقي الذي لا يستغني عنه الخلق.
ومن انتمائي أن أعيش للإسلام
إن حق الانتماء
يوجب علينا الانتقال من مقام «أن نعيش الإسلام» إلى مقام «أن نعيش للإسلام»،
فنُسخّر أذهاننا وعلومنا، وأموالنا، وأوقاتنا وبيوتنا، لرفع بنيان الإسلام وإعلاء
شأنه، وتحقيق مجده، متمثلين قول الله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات: 15).
ومن انتمائي أن أتقصي مصلحة الإسلام
خاصة في وقت
الشدائد، كما تشير الآيات: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا
ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146)،
(الَّذِينَ
اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 172)،
(لَقَد
تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) (التوبة: 117)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال اللهُ يغرسُ في هذا
الدِّينِ غَرْساً يَستعمِلُهم في طاعتِه» (صححه الألباني)، فكونوا هذا الغرس
المبارك.
ومن انتمائي أن ألتزم التعاون مع العاملين للإسلام
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً
وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ» (رواه البخاري)، وقال: «لا تَزالُ طائِفةٌ مِن
أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حتَّى يَأتيَ أمرُ
اللهِ وهم كَذلك» (صحيح مسلم)، هذه الطَّائفةَ تكون بَينَ مكونات الأُمَّةِ؛ مِنَ
كل مسلم متمسك بالكتاب والسُّنة، والعلماء والدعاة والمفكرين والكتَّاب والمجاهدين
والمجتهدين والفقهاء، فالحقّ لا ينقطع في أمة الإسلام؛ جيلاً بعد جيل.
ومن انتمائنا أن نكون واثقين بأن المستقبل للإسلام
لأنه المؤهل
الوحيد لإنقاذ البشرية من شقائها وحيرتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ
اللَّهَ زَوَى لي الأرضَ، فَرَأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وإنَّ أُمَّتي
سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنْها»، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور: 55).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: 24)، فالإسلام ليس مجرد انتساب بالوراثة، بل هو التحول
الجوهري الذي ينقل الإنسان إلى النور فتغدو الحياة أكثر إشراقاً، وأعمق معنى،
وأكثر طمأنينة، وأوفر عزة ومنعة: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُّبِينٌ {15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً