بالتوازي مع العدوان الصهيوني.. غزة تخوض معركة صامتة ضد القوارض

جمال خطاب

24 سبتمبر 2026

54

تراكم النفايات الصلبة بالقرب من خيام النازحين

أخبار الفواجع القادمة من غزة لا تتوقف، فبينما تواصل آلة الحرب الصهيونية الإجرامية صب حممها على ما تبقى من بنية تحتية متهالكة، وتلقي أطناناً من المتفجرات لتحرق كل شيء في القطاع، تشتعل في غزة معركة أخرى لا تقل شراسة ولا قسوة عن القصف الصهيوني الهمجي.

معركة شرسة يخوضها الأهالي بأجسادهم الهزيلة المنهكة ضد انتشارٍ غير مسبوق للقوارض، في غزة الآن لم تعد هذه الكائنات مجرد إزعاج عابر، بل تحولت في ظل الدمار الشامل الذي أحدثه العدوان الصهيوني البربري وتراكم المخلفات إلى مفترس لا يرحم يفترس ما تبقى من الصحة العامة؛ حيث أحالت الحرب بيئة القطاع، حاضنة الأبطال، إلى حاضنة خصبة أيضاً لأخطار صحية بشعة تتربص بسكان غزة في أحلك ظروفهم الإنسانية.

معركة غزة الصامتة ضد انتشار القوارض: الواقع الميداني بالأرقام

تظهر البيانات الميدانية الصادرة عن بلدية غزة أرقاماً مفجعة تعكس جائحة بيئية هائلة تعصف بالمدينة، فالبلدية تستقبل شهرياً ما يقارب 1200 شكوى رسمية تتعلق بانتشار الجرذان والقوارض، وتتوزع هذه البلاغات على النحو التالي:

  • 800 بلاغ شهري صادر عن الأسر القاطنة في الأحياء السكنية والمنازل المتضررة.
  • 400 بلاغ شهري من المخيمات ومراكز الإيواء المكتظة، وهي المناطق الأشد هشاشة والأعلى كثافة سكانية.

وهذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعبر عن الحجم الحقيقي والأبعاد الكاملة للمشكلة على الأرض، فهناك آلاف الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها رسمياً، إما لعدم توفر وسائل الاتصال، أو ليأس الأهالي من إمكانية التدخل السريع في ظل استمرار القصف الصهيوني الذي لا يلتفت للتنديدات والاستنكارات الدولية، أو لإدراكهم المسبق بشح الإمكانيات لدى أجهزة القطاع المنكوب.

عجز بلدي خانق

أمام هذا المصائب البيئية والعسكرية، تقف بلدية غزة وبلديات القطاع الأخرى في موقف من يحاول إبقاء الخدمات عند حدودها الدنيا، إلا أن التحديات الميدانية تتجاوز قدرتها بمراحل، ويمكن تلخيص أبرز هذه المعوقات في النقاط التالية:

1- النقص الحاد في الموارد؛ حيث يعاني القطاع من شح شديد في الشحنات الموردة من سموم ومواد مكافحة القوارض جراء الحصار الصهيوني اللا قانوني الخانق وإغلاق المعابر.

2- تدمير الصهاينة للآليات واستهداف العاملين؛ حيث تعرض جزء كبير من أسطول البلدية الخاص بالنظافة والصحة البيئية للدمار المباشر أو التعطل لغياب قطع الغيار والوقود، كما تم قتل الكثير من العمال من قبل جيش الحرب الصهيوني.

3- صعوبة الوصول الميداني، حيث يتعذر وصول طواقم الصحة والبيئة إلى مناطق عديدة بسبب خطورة الوضع الأمني أو التدمير الكلي للشوارع والممرات.

4- اتساع الفجوة بين عدد الشكاوى الواردة والقدرة الفعلية على الاستجابة؛ ما تسبب في تراكم آلاف الطلبات المعلقة وتوسع بؤر الانتشار إلى مناطق جديدة.

حرب حرمان من المقومات الحياتية

ينظر إلى هذه الأزمة البيئية بوصفها نتاجاً مباشراً لسياسة الحصار الصهيوني المفروض على القطاع والتقويض المتعمد لمقومات الحياة.

وفي هذا السياق، يشير مسؤولون وإداريون محليون في قطاع غزة إلى أن تفاقم الكوارث البيئية مثل انتشـار القوارض وطفح الصرف الصحي ليس مجرد عرض جانبي محدد، بل هو نتيجة استهداف صهيوني متعمد للبنية التحتية وتعطيل الأدوار الخدمية للبلديات.

ويؤكد هذا الطرح أن المنع الممنهج لدخول المواد الكيميائية الخاصة بالمكافحة والمبيدات الحشرية تحت ذرائع «المواد مزدوجة الاستخدام»، يحرم المؤسسات الخدمية من خطط الاستجابة الطارئة، ويحول دون تنفيذ الحملات الوقائية والدورية في المدارس والأسواق العامة والشعبية والمخيمات.

بيئة خصبة للأوبئة الفتاكة

على الصعيد الطبي والصحي، يحذر الأطباء والخبراء في مجال الوبائيات من الأخطار الجسيمة الناتجة عن هذا الانتشار العشوائي للقوارض في بيئة تعاني من انهيار المنظومة الصحية ونقص الأدوية والمطهرات.

وتعتبر الجرذان والقوارض نواقل حيوية وميكانيكية لعدد كبير من الأمراض البكتيرية والطفيلية والفيروسية التي قد تؤدي إلى كوارث صحية مجتمعية، ومن أبرزها:

  • حمى التيفود والسالمونيلا الناتجة عن تلوث الأطعمة والمياه القليلة المتاحة بفضلات القوارض.
  • داء الليبتوسبيروز (حمى النواقل) الناتج عن اختلاط مياه الصرف الصحي ببول الجرذان وتماسها مع أجساد النازحين والأطفال.
  • الأمراض الطفيلية والجلدية مثل اللشمانيا وداء الجرب، والتهابات الأنسجة الناتجة عن لدغات البغيث والبراغيث المحمولة على أجسام الجرذان.
  • النزلات المعوية الحادة التي تضاعف نسب الجفاف والموت المفاجئ لدى الأطفال وسوء التغذية بين الرضع.

ويرى الأطباء العاملون في النقاط الطبية والمستشفيات المتبقية أن تجمع النفايات بالقرب من خيام النازحين يرفع معدلات الإصابة بهذه الأمراض بنسب مضاعفة؛ ما يشكل ضغطاً إضافياً على الكوادر الطبية المنهكة.

سلاسل العدوى والتوازن المفقود

يرى خبراء البيئة والصحة العامة، أن قطاع غزة يشهد اختلالاً كبيراً في التوازن البيئي الناتج عن تغير معالم الجغرافيا الحضرية وتدمير الأنظمة الهندسية لإدارة النفايات.

ويرى الخبراء أن الجرذان تتميز بقدرة عالية على التكيف والتكاثر السريع في ظروف الأزمات؛ حيث تستغل الركام المترامي الناتج عن العدوان الصهيوني المستمر، لإنشاء أنفاق وجحور آمنة بعيدة عن آليات المكافحة، بينما توفر لها النفايات العضوية المتراكمة مصدراً مفتوحاً للغذاء.

ويشدد الخبراء على أن الحلول الجزئية القائمة على رش المواد في مواقع فردية لن تكون كافية ما لم ترفق بحملات مسح شاملة، ورفع متزامن للركام، ومعالجة جذرية لمشكلات الصرف الصحي المنسكب في الأحياء المكتظة.

خطة استجابة في ظروف شبه مستحيلة

ضمن مبادرات لمحاولة احتواء هذا التردي البيئي، تم وضع مشروع إغاثي يهدف إلى توفير 1800 كيلوجرام من المواد المتخصصة في مكافحة القوارض، كمرحلة أولى تستهدف الاستجابة للشكاوى المسجلة لدى البلدية وفق آلية التوزيع التالية:

  • المخيمات ومراكز الإيواء: تخصيص كيلوجرامين لكل شكوى؛ إجمالي 800 كجم.
  • الأسر والمنازل: تخصيص 0.5 كجم لكل شكوى إجمالي 400 كجم.
  • الكمية الإجمالية المباشرة 1200 كجم للاستجابة للشكاوى الشهرية.
  • الفائض الإستراتيجي 600 كجم تخصص للتدخلات الطارئة في البؤر العالية الخطورة كالمستشفيات والأسواق والمدارس.

وتعتمد الآلية الفنية للتنفيذ على 3 خطوات متتابعة تبدأ بالاستقبال والتصنيف، ثم الكشف الميداني والتثبت، وصولاً إلى التنفيذ والمتابعة بوساطة الفرق المختصة التابعة لدائرة الصحة والبيئة.

ضرورة إنقاذ استباقية

لا شك أن المعركة الصامتة التي تخوضها غزة ضد انتشار الجرذان والقوارض هي تجلٍّ واضح للآثار البيئية والصحية التي يفرضها العدوان والحصار، فاستمرار تجاهل هذا الملف البيئي الخطير لا يعني سوى السماح بانتشار أوبئة تحصد أرواحا لم تطالها يد العدوان الصهيوني الغاشم بشكل مباشر.

إن دعم بلدية غزة وتزويدها بالقدرات التشغيلية والمواد اللازمة لمكافحة الآفات ليس خياراً ثانوياً أو رفاهية خدمية، بل هو واجب إنساني وصحي عاجل لحماية ما تبقى من أسباب الحياة والكرامة الإنسانية فوق هذه الأرض المكلومة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة