مركز «مهمة المسلمين» في غانا.. نموذج رائد في العمل الإسلامي بأفريقيا
في قلب دولة غانا، الواقعة في غرب أفريقيا، التي تتميز بالاستقرار السياسي والتسامح الديني، يبرز مركز «مهمة المسلمين» في غانا كأحد أبرز المراكز الإسلامية التي تخدم المسلمين وغيرهم منذ أكثر من 6 عقود.
تأسس هذا المركز
عام 1957م، بعد استقلال البلاد مباشرة، ليكون مؤسسة دعوية وخيرية وتعليمية، غايتها
نشر قيم الإسلام السمحة المستمدة من القرآن الكريم والسُّنة النبوية، مع الاهتمام
الكبير بالتعليم، والرعاية الاجتماعية، وتطوير المجتمع المحلي.
وقد صار المركز
اليوم علامة مضيئة في مسيرة المسلمين بغانا، حيث يدير عشرات المدارس، ويشرف على
برامج صحية وخيرية، ويؤسس لمشاريع دعوية عابرة للحدود، رغم ما يواجهه من تحديات
مادية وقانونية ومجتمعية.
مهام المركز الدعوية والخدمية
أولاً: التعليم الديني والدنيوي:
- يشرف المركز
على أكثر من 166 مدرسة تشمل مختلف المراحل الدراسية، من رياض الأطفال وحتى المرحلة
الثانوية، مع دمج القيم الإسلامية في المناهج التعليمية، بحيث يتمكن الطلاب من
الجمع بين المعارف الحديثة وأداء الشعائر الدينية.
- أنشأ المركز
عدداً من المستشفيات الصغيرة ودور الأيتام، بالإضافة إلى مشاريع توفير المياه
العذبة؛ بما يخدم المسلمين والفقراء في الأرياف والمدن على حد سواء.
- يقدم منحاً
دراسية للطلاب الفقراء المتفوقين، كما يوفر برامج تدريب للشباب والنساء، من أجل
إعداد قيادات قادرة على خدمة المجتمع الإسلامي في المستقبل.
ثانياً: الدعوة عبر التعليم والإعلام:
- أصدر المركز
كتباً دعوية عديدة، من بينها كتاب يوضح العلاقة بين نبي الله عيسى عليه السلام،
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، في ضوء العقيدة الإسلامية؛ في محاولة لتقريب
المفاهيم إلى المسيحيين الذين يشكلون غالبية سكان غانا.
- قام بترجمة
معاني القرآن الكريم إلى لغة «توي» (Twi)، وهي من
أشهر اللغات المحلية في غانا؛ ما ساهم في نشر رسالة الإسلام بلغة قريبة من قلوب
الناس.
- يبث محتوى
دعوي عبر القنوات المحلية والإذاعات، مستخدماً لغات متعددة مثل لغة «توي»، و«فانتي»،
و«الهوسا»، لضمان وصول رسالته إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.
ثالثاً: الوحدة والتوعية المجتمعية:
- ينظم المركز
مؤتمرات سنوية مثل «الوحدة في التنوع من أجل مجتمع مزدهر»؛ حيث يجتمع فيها
المسلمون من مختلف المناطق لمناقشة قضاياهم المشتركة وتعزيز روح الأخوة.
- ينظم مسابقات
القرآن الكريم، وحلقات تحفيظ، ودورات لتدريب الأئمة والدعاة، بالإضافة إلى أنشطة
شبابية ورياضية وثقافية.
- يقدم دورات
تثقيفية وتوعوية للحجاج قبل سفرهم إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، حتى يكونوا
على وعي بأحكام المناسك وآدابها.
رابعاً: إنشاء مؤسسات تعليمية متخصصة:
- أسس المركز «المدرسة
الإسلامية الغانية– اللبنانية»، التي تقدم التعليم العصري الممزوج بالقيم
الإسلامية، ابتداء من مرحلة الروضة وحتى الثانوية العامة.
- دعم إنشاء
مدارس إسلامية ثانوية في منطقة «أشانتي»، مثل المدرسة الثانوية الإسلامية في «كوماسي»،
ومدرسة «سكايفيا» الثانوية الإسلامية، حيث تخرّج فيها آلاف الطلاب الذين أصبحوا
اليوم جزءاً مهماً من النخبة العلمية والمهنية في البلاد.
المعوقات والتحديات
1- التمويل المستدام:
رغم حجم
إنجازاته، فإن المركز يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في ضعف التمويل المستمر، إذ تعتمد
أنشطته غالباً على تبرعات أفراد أو هيئات خيرية من داخل وخارج البلاد، ومع كثرة
المدارس والمشاريع الخيرية التي يشرف عليها، تصبح الحاجة ماسة لمصادر دخل ثابتة
ودائمة.
2- الهوية الإسلامية في بيئة متعددة الأديان:
غانا دولة يغلب
عليها المسيحيون، والإسلام يمثل أقلية مهمة بها، ورغم أن الدولة معروفة بتسامحها، فإن
المسلمين يواجهون أحياناً مشكلات، مثل رفض بعض المدارس الحكومية السماح للطالبات بارتداء الحجاب، وقد تدخلت مؤسسات السلام الوطنية للتوصل إلى حلول، لكن القضية ما
زالت تمثل تحدياً مستمراً.
كما أن تمسك
المسلمين بشعائرهم قد يُساء فهمه أحياناً ويُفسر على أنه تعصب؛ ما يتطلب جهداً
دعوياً وإعلامياً لتوضيح الصورة الصحيحة عن الإسلام.
3- تطوير القيادات والكوادر:
الحاجة ما زالت
كبيرة لتأهيل كوادر شبابية قادرة على إدارة المدارس، وتطوير الإعلام الإسلامي،
وتنظيم الأنشطة المجتمعية، ويقوم المركز ببعض هذه الجهود، لكنه بحاجة إلى دعم أكبر
في مجال إعداد القادة والمفكرين المسلمين.
4- التعدد المذهبي والاجتماعي:
يعيش المسلمون في غانا ضمن تنوع مذهبي وفكري (سُنة، شيعة، طرق صوفية، جماعات دعوية مختلفة)، وهذا
التنوع يتطلب جهداً متواصلاً لتعزيز الوحدة والتعاون، ومنع الانقسامات التي قد
تضعف العمل الإسلامي المشترك.
5- التحديات القانونية والتنظيمية:
كونه مؤسسة
أهلية، يجب أن يلتزم المركز بالقوانين والأنظمة التي تفرضها الدولة على المؤسسات
التعليمية والخيرية؛ وهو ما يستلزم جهداً إدارياً وقانونياً دائماً، إضافة إلى
الحذر من أي تسييس أو تضييق محتمل على أنشطته.
إن مركز «مهمة
المسلمين في غانا» ليس مجرد مؤسسة دعوية تقليدية، بل هو نموذج متكامل يجمع بين
التعليم، والرعاية الاجتماعية، والدعوة، والحوار الحضاري، ورغم التحديات التي
يواجهها، فإنه استطاع أن يرسخ وجوداً قوياً للمسلمين في دولة يغلب عليها التنوع
الديني والثقافي.
ويظل نجاح هذا
المركز دليلاً على أن الإسلام يمكنه أن يقدم حلولاً واقعية للمجتمعات، عبر الجمع
بين الأصالة والمعاصرة، والتمسك بالثوابت مع الانفتاح على الآخر، ومع دعم أكبر
وتمويل أفضل، يمكن لهذا المركز أن يتحول إلى تجربة رائدة يُحتذى بها في أفريقيا
كلها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً