لماذا نحتاج إلى «السبقدية» في اتخاذ القرار؟ (1)

لماذا نحتاج إلى «السبقدية» في اتخاذ القرار؟ (1)

يعيش صانع القرار في عالم تتسارع فيه المتغيرات، وتتعدد فيه الخيارات، وتزداد فيه الضغوط والتعقيدات، وفي مثل هذا العالم لا يكفي أن يمتلك الإنسان معلومات كثيرة، أو أدوات تحليل متقدمة، أو نماذج كمية دقيقة؛ لأن القرار ليس عملية حسابية فقط، بل هو لحظة تجمع بين العقل، والنفس، والإيمان، والواقع.

لقد قدّمت نظريات اتخاذ القرار أدوات مهمة في التحليل والمقارنة والاختيار، لكنها بقيت في الغالب محصورة في التعامل مع المعطيات الظاهرة والمنطق الصارم، فهي تساعد الإنسان على حساب البدائل، وتقدير النتائج، وتقليل الخطأ، لكنها لا تجيب دائمًا عن الحاجة العميقة إلى الطمأنينة عند اتخاذ القرار، ولا عن السكينة بعد صدوره.

من هنا تبرز الحاجة إلى «السبقدية»(1)، بوصفها إطارًا فلسفيًا ومنهجيًا جديدًا في علم القرار، يقوم على الجمع بين «الاستسباب» و«الاستقدار»؛ فـ«الاستسباب» يعني الأخذ بالأسباب الظاهرة، من جمع المعلومات، وتحليل البدائل، واستخدام الخبرة، والنمذجة، والمشاورة، أما «الاستقدار» فيعني الاستعانة بقدرة الله، والتفاعل الواعي مع القدر، من خلال الدعاء، والاستخارة، وحسن الظن بالله، والثقة بتدبيره.

«السبقدية» لا تلغي العقل، ولا تقلل من قيمة العلم، ولا تدعو إلى ترك الأسباب، لكنها في الوقت نفسه لا تجعل القرار مجرد نتيجة للبيانات والحسابات، إنها تسعى إلى أن يكون القرار متوازنًا بين السبب والقدر، وبين العقل والإيمان، وبين التخطيط والتوكل.

بهذا المعنى، تقدم «السبقدية» رؤية يحتاجها صانع القرار المسلم؛ لأنها لا تفصل القرار عن إيمانه، ولا تجعله أسير الأرقام وحدها، فالقرار في هذه الرؤية ليس اختيارًا بين بدائل فقط، بل مسؤولية تحتاج إلى علم، وصدق نية، وتدبير، واستعانة بالله.

الهوامش
  • 1 السبقدية: نحت من كلمتين هما: «الاستسباب»؛ بمعنى الأخذ بالأسباب الظاهرة، و«الاستقدار»؛ بمعنى التفاعل الواعي مع القدر.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة