الهجرة النبوية.. من ضيق الواقع إلى سعة الأمل
لم تكن تلك
الرمال المترامية جنوب مكة تعلم أن موعداً استثنائياً ينتظرها؛ موعداً تطؤها فيه
أقدامُ خير الخلق صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه، فتتحول من
صحراء موحشة إلى شاهدٍ خالد على مولد أمة، ومن طريقٍ مجهولةٍ بين الشِّعاب إلى
معبرٍ تعبر منه رسالة الإسلام نحو العالم.
إنها الهجرة؛
ليست قصة قوم ضاقت بهم الأرض فخرجوا يلتمسون مأوى، ولا حكاية فئة ضعيفة هربتْ من
بطش خصومها، بل هي رحلة عقيدة انتصرت على الخوف، ورسالة غلبت الحصار، وجيل دفع من
راحته وأمواله وأهله ثمناً للمبدأ الذي آمن به.
13 عاماً من
الأذى والحصار لم تُطفئ جذوة الإيمان في القلوب، ولم تُضعف عزائم الرجال، حتى إذا
أذِن الله بالفرج انطلقتْ الهجرة لتعلن بدء مرحلة جديدة من تاريخ الدعوة.
فكان أول دروسها
أن المؤمن لا يعيش أسير جراحه، ولا يجعل من آلامه مقاماً دائماً يقيم فيه، يستفيد
من الماضي ولا يُكبّل نفسه به، ويتذكر المِحن ليزداد بصيرة لا ليُحبط، فكم من أمم
غرقت في ذكريات هزائمها فضاعت! وكم من أمم جعلت من عثراتها سلّماً فارتقت!
إنها الهجرة..
حين استنفدت
قريش وسائلها في البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأغرَت الناس بمائة
بعير لمن يأتي بخبرهما، بدا المشهد في أعين الكثيرين شديد القتامة، العيون تترصد،
والفرسان ينتشرون، والطرق تُراقَب، والمدينة ما تزال بعيدة، وفي تلك اللحظات التي
يضيق فيها أفق البشر، كان أفق النبوة مفتوحاً على وعد الله، خرج سراقة بن مالك
متأملًا جائزة عاجلة، يحسب أن المسألة ساعات وينال ما يشتهي، فإذا به يسمع من النبي
صلى الله عليه وسلم ما لم يخطر له على بال: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟».
يا لها من
كلمات! رجلٌ مطاردٌ في صحراء قاحلة، تتبعه قريش بكل ما أوتيت من قوة، ومع ذلك يحدث
الناس عن يوم تسقط فيه أعظم إمبراطورية على وجه الأرض، وتنتقل كنوزها إلى أمة كانت
بالأمس مستضعفة.
فكان الدرس أن
المؤمن لا يقيس المستقبل بظروف اللحظة، ولا يحبس نفسه داخل أسوار الواقع الضيق، بل
يعيش على يقين بأن وعد الله أكبر من كل حسابات البشر، وأن ما عند الله أوثق مما في
أيدي الناس جميعاً.
إنها الهجرة..
تعلمنا أن للفرح
في حياة المؤمن مذاقاً لا يعرفه أهل الدنيا، فما الذي أبكى أبا بكر عندما أذِن له النبي
صلى الله عليه وسلم بالهجرة معه؟ أجاهٌ بلغه؟ أم مالٌ حصّله؟ كلا، إنما بكى لأن
الله اختاره لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة تتقاصر دون شرفها الأمنيات.
بكى فرحاً، كما
روت عائشة رضي الله عنها؛ لأن القلوب المؤمنة ترى النعمة فيما لا يراه الناس نعمة،
وتجد السعادة في مواطن التضحية التي يفرّ منها كثيرون.
ثم مضت الأيام
تكشف صدق تلك المحبة؛ فهذا أبو بكر يمشي تارة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وتارة خلفه، ومرة عن يمينه، وأخرى عن شماله، لا يهدأ قلبُه خشية أن يصل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم مكروه.
فكان الدرس أن
الأخوّة ليست كلمات جميلة تُقال عند الرخاء، وإنما وفاء يثبت عند الشدائد، وأن
الصحبة الصادقة هي التي تجعل الإنسان يقدّم راحة صاحبه على راحته، وأمنه على أمنه،
وحياته على حياته.
إنها الهجرة..
تعلمنا أن
البطولة ليست خطبةً حماسية، ولا عبارةً تتردد على الألسنة، وإنما مواقف تُدفع
أثمانها من المال والراحة والمستقبل، فهذا صهيب الرومي يخرج مهاجراً بدينه، فتتبعه
قريش وتضعه أمام خيارين؛ المال أو الهجرة.
وكان يستطيع أن
يتردد، وأن يساوم، وأن يؤخر القرار، لكنه أدرك أن الطريق إلى الله لا يتسع للتردد
الطويل، فدلّهم على ماله كله، ومضى خفيف اليدين، عظيم القلب، ثابت الخطى.
وحين بلغ خبره النبي
صلى الله عليه وسلم استقبله بالبشارة الخالدة: «ربح البيع أبا يحيى».
فكان الدرس أن
ما يُبذل لله لا يضيع، وأن أعظم الأرباح ليست تلك التي تُحصى بالأرقام، بل تلك
التي يباركها الله ويكتب لصاحبها رضوانه.
إنها الهجرة..
تعلمنا أن
المرأة المسلمة لم تكن يوماً على هامش الأحداث الكبرى، بل كانت شريكاً في صناعة
المجد وتحمل أعباء الرسالة، فأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها لم تنشغل بصغائر
الأمور بينما كانت الدعوة تمر بأخطر مراحلها، وإنما حملت من الهمّ بقدر ما حملت من
الإيمان.
شقّت نطاقها
نصفين لتخدم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، فاستحقت لقب «ذات النطاقين»،
وكتمت السرّ حين جاء أبو جهل يسألها عنهما، فلما لطمها على وجهها لم يزعزعها ذلك
عن موقفها، ثم وقفت أمام جدّها أبي قحافة، فأحسنت تدبير الموقف بحكمة وعقل حاضر، فاجتمع
لها شرف الخدمة، وشجاعة الموقف، وحسن التصرّف.
فكان الدرس أن
الرسالات العظيمة لا يبنيها الرجال وحدهم، وإنما تبنيها قلوب مؤمنة صدقت مع الله،
رجالاً ونساءً، كل يؤدي دوره في موقعه، وكل يسهم في حمل الأمانة بحسب طاقته.
إنها الهجرة..
تعلمنا أن
التمكين لا يولد فجأة، وإنما يسبقه إعداد طويل وبناء عميق للإنسان، فما الذي نقل
المسلمين من غار ضيق في أطراف مكة إلى دولة تقود الجزيرة كلها بعد سنوات قليلة؟ لم
يكن المال، ولا العدد، ولا العُدّة، وإنما الإيمان الذي ربّى النفوس، والعقيدة
التي صنعت الرجال، واليقين الذي لم تزعزعه المحن.
ولذلك لم تكن
الهجرة نهاية مرحلة فحسب، بل كانت بداية مرحلة أخرى أشد مسؤولية وأعظم أثراً، فهناك
انتقل المسلمون من الصبر على الأذى إلى بناء المجتمع، ومن حماية الدعوة إلى حملها
للعالمين.
إنها الهجرة..
ليست ذكرى
نستعيدها كل عام ثم نودعها، وإنما رسالة متجددة للأمة في كل زمان، رسالة تقول
للمنهزم: قم، فإن طريق النهوض لم يُغلق، وتقول للمحبط: لا تيأس، فإن وراء كل غار
مدينة، ووراء كل محنة منحة، ووراء كل تضحية صادقة فتحاً من الله تعالى.
وما أحوج
المسلمين اليوم إلى أن يقرؤوا الهجرة بعين المتعلم لا بعين المتفرج، وأن يستخرجوا
منها أسباب القوة لا مجرد أحداث السيرة؛ فيتعلموا كيف ينهضون إذا سقطوا، وكيف
يتماسكون إذا تكاثرت عليهم الخطوب، وكيف يحفظون وحدتهم في زمن التفرق، وكيف يحملون
رسالتهم بثقة ويقين!
فالهجرة لم تكن
انتقالاً من مكة إلى المدينة فحسب، بل كانت انتقالاً من الضعف إلى القوة، ومن
المعاناة إلى البناء، ومن ضيق الواقع إلى سعة الأمل، وما دام في الأمة رجال ونساء
يحملون روح الهجرة، فإن فجرها قادر أن يتجدد في كل عصر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً