في فقه اتخاذ القرار

«السبقدية».. بين الاستسباب والاستقدار (2)

أورهان آقزاده

23 سبتمبر 2026

22

أورهان_آقزاده

تقوم «السبقدية» على فكرة مركزية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؛ أن القرار الصحيح لا يصنعه العقل وحده، ولا يصنعه انتظار القدر بلا عمل، بل يصنعه الجمع بين الاستسباب والاستقدار.

الاستسباب هو أن يأخذ الإنسان بالأسباب الظاهرة وفق السنن الكونية، وهذا يشمل تحديد المشكلة، وجمع المعلومات، وفهم السياق، وتوليد البدائل، والمفاضلة بينها، واستخدام التحليل الكمي والنوعي، والاستفادة من الخبرة والمشاورة، فالإنسان مأمور بالسعي، وبذل الوسع، وعدم العجز، ولا يصح أن يجعل الإيمان بالقدر مبررًا للكسل أو ضعف التخطيط.

أما الاستقدار فهو الاستعانة بقدرة الله، والتفاعل الواعي مع القدر، ومعناه أن يدرك الإنسان أن علمه محدود، وأن النتائج ليست كلها داخلة في قدرته، وأن هناك ما يغيب عنه من خفايا الأمور، لذلك يلجأ إلى الدعاء، والاستخارة، والتوكل، وحسن الظن بالله، لا بوصفها بديلًا عن العمل، بل بوصفها جزءًا من بناء القرار.

«السبقدية» بهذا المعنى لا ترى القدر مجالًا للاستسلام السلبي، وإنما مجال للتفاعل، فالإنسان يسعى، ويخطط، ويستشير، ويحلل، ثم يتوكل على الله مطمئنًا، ولذلك فإن القرار «السبقدي» لا يكتفي بالسؤال: ما البديل الأكثر نفعًا؟ بل يسأل أيضًا: هل القرار منضبط بالقيم؟ هل اتخذ بعد تهيئة إيمانية؟ هل بني على أسباب واضحة؟ هل صاحبه دعاء واستخارة وحسن ظن بالله؟

هنا تظهر قيمة «السبقدية»؛ فهي لا تهدم النظريات السابقة في علم القرار، بل تستفيد مما فيها من أدوات، ثم تضيف إليها البعد الإيماني والقدري، وبذلك يصبح القرار أكثر اتزانًا؛ لأنه لا يتحرك في فراغ مادي بارد، ولا في عاطفة غير منضبطة، بل في مسار يجمع بين العلم والإيمان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة