إعادة شراء الوقت.. كيف نستثمر أوقاتنا؟
(وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ
أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: 12)، إن حياة الإنسان لم تكن يوماً عبثاً في ميزان الحقيقة
والحساب الأخروي، ومهما كانت حياة الإنسان وما جرى فيها من خير أو شر، فإنه مقدر
مهما طال عمر الإنسان، لكن الحقيقة الثابتة في معتقدنا هي (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) (المجادلة: 6).
يقضي الإنسان ما
يعادل حوالي 20 عامًا و5 أشهر تقريبًا نوماً، حال كان متوسط عمره 70 عامًا؛ لذا
يجب على الإنسان أن يستثمر حياته في كل خير، وأن ما يطرأ عليه من طوارئ وأزمات لا
يظن أنه في دائرة أو مساحة الوقت المهدر.
ومن أجل الحفاظ
على قيمة الوقت واستثماره، تواصلت «المجتمع» مع عدد من خبراء المجتمع والسلوك
لتقديم روشتة إيمانية وسلوكية ومعرفية، لاستثمار الوقت زمن الأزمات.
خط الألم
مع ازدياد
الأعباء والمسؤوليات، وما يعتري حياة الإنسان من طوارئ، يصل العديد منا إلى ما
يعرف بـ«خط الألم»، وهي نقطة التي نشعر فيها أننا لا نستطيع تحقيق المزيد لأن
وقتنا ممتلئ وتضخمت ساعاته.
وعند الوصول إلى
هذه الحالة، تظهر حلقة إعادة شراء الوقت، وهي عملية مستمرة تساعدك على استعادة
السيطرة على وقتك من خلال:
1- التركيز على
المهام التي تحقق أعلى قيمة مهنية أو شخصية.
2- تحديد المهام
التي تستهلك وقتك دون فائدة حقيقية.
3- تفويض أو
استبدال هذه المهام بأشخاص آخرين يمكنهم القيام بها بكفاءة.
وحول دور الأسرة
في استثمار الوقت، يقول د. مجدي هلال، أستاذ الصحة النفسية بالجامعة الإسلامية، لـ«المجتمع»:
إن هذا ما يدفع الأسر في توزيع الأدوار على أفرادها كل حسب سنه وقدراته وتحقيق
الاعتماد على الذات في كثير من جوانب الحياة اليومية، فبقدر الضغوط وأجواء الحرب
يكون التحدي وتفتق الأذهان نحو الإثراء المعرفي بالقراءة الرصينة ومسارات اكتساب
المهارات الحياتية والعملية وهي كثيرة ومتنوعة، مؤكداً أن هذا أوان التركيز على
اكتساب الضروري والمناسب من تلك المهارات.
وأوضح أن الأكثر
انتشاراً يكون حالة التيه والترقب وتتبع الأخبار والبقاء ساعات طويلة أمام الشاشات
أو المكث أوقات طويلة في مجالس السوالف والحكايات في غير فائدة؛ ما يؤثر على صفاء
الذهن والقدرة على التركيز واللياقة النفسية والذهنية والبدنية، وما يترتب على ذلك
من قصور في الواجبات في وقت يكون الفرد والأسرة والمجتمع في أمسّ الحاجة لهذه
القدرات.
مهارات حقيقية
وأوضح هلال أن
مناخ الحروب وما ينجم عنها من ضغوط يصاحبها أجواء الحمية واستنفار الجهود والقدرات
والرغبة في تقديم شيء والمشاركة في الصمود والنهوض، فزمن الحرب يوفر أجواء من
الجدية والهمة ونبذ الطرف والثرثرة وتضييع الأوقات.
وتابع قائلاً:
لم يعد مناسباً القعود أو تفويت الفرص والأوقات، فلدينا واجب امتلاك مهارات حقيقية
نافعة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولدينا ضرورة في امتلاك مهارات التعامل مع
أجهزتنا وسياراتنا وصيانتها.
كما نبه أنه
يوجد لدينا واجب التعرف الدقيق على مسائل ديننا وأدبيات أخلاقنا بقراءات مختارة
بدقة، ولدينا واجب التعرف على أنفسنا وأسرنا تعرفاً دقيقاً، فقد آن الأوان لنترك
الشاشات ونسعد ببراح الأرواح وتقارب الأفهام.
وشدد على أن زمن
الحرب يفرض علينا ضغوطاً، وفي الضغوط تتفتق الأذهان، وتصفو الأفهام وتعلو الهمم،
فالكل يريد أن يقدم شيئاً، وأعظم ما يقدمه الفرد لحاضره ومستقبله أن يجعل استثمار
وقته عبادة لربه وخدمة لوطنه.
كما نبه أن
الصحة النفسية لأفراد المجتمع زمن الحروب تكون الأطفال والنساء أكثر تأثراً، ويظهر
هذا التأثر في حالات الهلع، والخوف الشديد، والقلق، والاكتئاب، ونوبات البكاء..
وغيره من المظاهر.
استثمار الوقت
فيما أكد محروس سليمان أستاذ علم النفس التربوي المساعد بالجامعة الإسلامية في
حديثه لـ«المجتمع»، أنه يمكن أن نجعل من لحظات الخوف هذه محطة للانطلاق، وذلك من
خلال:
- رتّب
أولوياتك.
- ضع أهدافاً
صغيرة قابلة للتحقيق.
- استغل الوقت
الإضافي الذي قد يوفره التباعد أو الحظر.
- تذكر أن
الهدوء المؤقت ليس سكوناً، بل فرصة للتنفس بعمق قبل السباق المقبل.
- تذكر أن الوقت
أغلى من أن يُهدر على منصات الأخبار.
- اصنع من ساعتك
اليوم كنزاً، فالعاقل من يبني عندما يرتجف الخائفون، واعلم أن المنح تولد من أرحام
المحن، وأن الآمال تخرج من عمق الآلام.
ونبه سليمان إلى
أنه في خضم التوترات المتصاعدة والحروب التي تشتعل بين الحين والآخر، يغفل كثيرون
عن أعظم استثمار يمكن أن يقوموا به؛ استثمار الوقت، فإدارة الوقت في الأزمات ليست
ترفًا، بل ضرورة نفسية وتربوية، فالانشغال المستمر بمتابعة الأخبار قد يولّد القلق
ويضعف التركيز.
وأضاف أن توجيه
الوقت نحو أنشطة بناءة يعزز الإحساس بالسيطرة ويخفف التوتر، فالخوف والترقب يدفعان
البعض إلى متابعة الأخبار بقلق، وإضاعة الساعات أمامها أو في مناقشات عقيمة لا
تغير واقعاً ولا تبني مستقبلاً، مشدداً على أن الحكيم من يدرك أن الأزمات ليست سوى
منعطفات، وأن الوقت يمر في كل الحالات.
تطوير الذات
وتساءل سليمان:
لماذا لا نحول هذه اللحظات العصيبة إلى فرص للإنتاج والتطوير، بدلاً من استنزاف
الطاقة النفسية في متابعة التطورات السلبية؟ فمن الممكن توجيهها نحو:
- تعلم مهارة
جديدة.
- إنجاز مشروع
مؤجل.
- القراءة
والكتابة.
- تطوير الذات،
مثل الحصول على الدورات التدريبية عن بُعد.
- تعزيز الروابط
الأسرية التي غالبًا ما تتأثر بانشغالات الحياة اليومية.
واختتم حديثه
بالقول: إن الأزمات تخلق حالة من العزلة النسبية والخوف من المجهول، وهذا بالذات
ما يجعلها بيئة خصبة للتأمل وإعادة الترتيب، من منا لا يذكر كيف استثمر الناجحون
وقت جائحة كورونا في بناء مشاريعهم الرقمية أو تطوير قدراتهم؟
اقرأ
أيضاً:
الشباب وإدارة
الوقت.. بين علو الهمة وتحديات الواقع
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً