النظام السوري.. بين وعود الحرية والواقع المظلم

النظام السوري.. بين وعود الحرية والواقع المظلم

يعيش النظام السوري حالة من الشد والجذب مع الأحداث الدائرة داخل سورية، والواقعة عليها من الخارج، وترسم هذه الحالة ضبابية في مواقف النظام وتعامله مع قضية الإصلاح العام في البلاد التي تعيش تحت حكم الطوارئ وقبضة حزب البعث منذ ما يقارب نصف القرن، مما أصاب الحياة السياسية بالجمود ومكَّن لطائفة تمثل الأقلية من مقاليد الحكم في البلاد، وهمَّش الغالبية وأصاب الحياة الاقتصادية بالتدهور الذي أفرخ مشكلات اجتماعية معقدة ودفع ملايين السوريين للفرار من البلاد.

وتتمثل الضبابية في العديد من مواقف النظام السياسية المتضاربة، فقد أعلن أكثر من مرة عن انفراج الحريات حتى صدَّق البعض فانطلقت العديد من المنتديات السياسية الضيقة ضمن ما يسمى بـ «ربيع دمشق» بعد تولي الرئيس بشار الأسد السلطة عام 2000م، لكن النظام سرعان ما ضيق عليها وعرقل سير مناقشاتها وصنع حولها أجواء من الإرهاب؛ لتخويف الناس من الاقتراب منها، ثم ما لبثت أن أغلقت تلك المنتديات تمامًا وكان آخرها منتدى «الأتاسي للحوار الوطني» الذي أغلق يوم الثلاثاء 24/ 5/ 2005م، واعتقل كل أعضائه، وهو ما أدانته مؤسسات حقوق الإنسان السورية المستقلة مثل المنظمة السورية لحقوق الإنسان والمركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والصحفيين، ومركز الأبحاث والدراسات القانونية، هذا إضافة إلى إدانات المنظمات الحقوقية الدولية.

وأعلن النظام السوري أكثر من مرة إطلاقه لحرية الرأي، ويبدو أن الناس قد صدقوا ذلك فأخذوا يتنفسون الصعداء في ممارسة حرياتهم خاصة الدينية، لكنهم فوجئوا بالسلطات تقوم بعكس ذلك، مجردة حملة من الاعتقالات في مايو الماضي طالت أكثر من 86 شخصًا ثم طالت محمد رعدون، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، حيث اقتحم عناصر من الأمن السياسي مكتبه بمدينة اللاذقية يوم 22/ 5/ 2005م واقتادوه إلى مقر الأمن العام، وفق بيانات المنظمة.

وكان رعدون قد كشف في مؤتمر صحفي في أواخر أبريل الماضي عن وجود أكثر من 1500 معتقل وما بين 1200 وأربعة آلاف مفقود يعتقد أنهم داخل السجون أيضًا.. كما سجلت جمعية حقوق الإنسان السورية في منتصف أبريل الماضي، وفاة ثلاثة عشر مواطنًا سورية تحت التعذيب خلال عام 2004م في فروع الأمن المختلفة.

صحيح أن الرئيس بشار الأسد منذ توليه السلطة عام 2000م أصدر عفوًا سياسيًا خمس مرات من عام 2000م. 2003م شمل 1219 من المعتقلين السياسيين لكن هذا العدد يعد ضئيلًا جدًا بالمقارنة مع إجمالي المغيبين داخل السجون حتى الآن، كما أن عمليات الإفراج كانت تتزامن مع اعتقالات جديدة، وهو ما يكرس السياسة المتناقضة.

وعلى الصعيد المذهبي وصعيد الأقليات رصد المراقبون ومنظمات حقوق الإنسان فتح النظام حرية الدعوة والحركة لبعض الطوائف في مقابل التضييق على الطائفة السنية التي تمثل غالبية المجتمع السوري، وهو ما يشير إلى سياسة الكيل بمكيالين داخليًا، وقال بيان صادر عن المنظمة السورية لحقوق الإنسان في سورية «سواسية»: «تنشط الأجهزة الأمنية بلا كلل لتعقب كل من تسول له نفسه استقبال بعض أصدقائه أو معارفه سواء كانوا رجالًا أم نساء لتدارس القرآن الكريم والسنة النبوية، ويجري بصورة دورية استدعاء أئمة وخطباء لممارسة سادية القمع عليهم لإخافتهم ومن ثم تتم اعتقالات واسعة في هذا الطيف تحت ذريعة السلفية أو الوهابية.. وتساءلت المنظمة السورية: هل الازدواجية في تعامل الأجهزة مع الشرائح العديدة من التيار الإسلامي محض صدفة أم وراء الأكمة ما وراءها؟!».

ومن جهة أخرى، فإن الوعود بإعطاء الأمان للمعارضين في الخارج والراغبين في العودة للبلاد ذهبت أدراج الرياح إذ جرى اعتقال العديد ممن عادوا ولم يعرف مصيرهم حتى الآن، كما أن الوعود بإعادة الجنسية للأكراد السوريين (أكثر من 200 ألف) الذين تم تجريدهم منها عام 1962م ثبت أنها وعود دعائية، كما أن الإعلان عن السماح للسوريين في المهجر بتجديد جوازات سفرهم وإضافة مواليدهم عليها (وهو الحق الذي حرموا منه طويلًا) ثبت أيضًا أنه من الوعود الدعائية، إذ يتعرض كل من يتقدم لتجديد جوازه إلى سلسلة من الإجراءات معظمها بوليسية أمنية تزيد من الشكوك والخوف لدى الناس.

وهكذا تشهد الوقائع على الأرض أن الحملة الإعلامية المكثفة التي أطلقها النظام السوري عن انفراج الحريات وعن إجراءات إصلاحية كبيرة ثبت حتى الآن أنها دعائية لامتصاص الضغوط الخارجية، وقد كان الأولى بالنظام السوري أن ينتهز الفرصة ويعقد مصالحة حقيقية مع شعبه بدلًا من الجري وراء الخارج لالتماس الرضا، فالاحتماء بالشعوب يحقق الأمن والكرامة للأوطان ويحفظ وحدتها وأمنها واستقرارها أما الجري نحو الخارج فهو لا يعدو أن يكون هرولة وراء سراب! ونصيحة للنظام السوري أن يصحح أوضاعه مع الشعب وليطلق الحريات ويفك قيد المعتقلين حتى لا يصبح مصيره كمصير العراق وطاغيته صدام(1).





_________________

(1) نُشر في العدد (1654)، 27 ربيع الأول 1426هـ/ 4 يونيو 2005م، ص 7.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة