أنفاس الوحي (4)

بين ظلال الطير وسكون اليقين.. قراءة أسلوبية في بلاغة التوكل بين الوحيين

حمدية الجوراني

11 نوفمبر 2025

258

في زحام الدنيا، وتوجس الغد، يقف التوكّل على الله كقنديلٍ للروح، لا يضيء مسارها فحسب، بل يطهّرها من رجفة الخوف، ومن ثِقل التدبير.

إنه مقام الإيمان حين يعرج إلى مقام أسمى وأعلى، بين يدين تعملان، وقلبٍ مطمئنٍ بأنَّ وراء كل سببٍ مُسبِّبًا لا يخذل.

ولأنّ الوحيين الشريفين (القرآن والسُّنة النبوية) هما مرآتا الهداية والبيان، فقد تجلّى فيهما التوكّل بصورةٍ لغويةٍ تجمع بين حركة المخلوق -المتمثلة بالطير- وسكون القلب؛ حركة العمل وثقة التوكّل؛ فكان الحديث النبويّ تصويرًا حيًّا للسعي، وكانت الآية القرآنية سكونًا في محراب اليقين.

من هذا التلاقي بين الطير الرامز إلى العمل، واليقين الرامز إلى الطمأنينة، تولد بلاغة التوكّل التي تتردّد أصداؤها بين السماء والأرض.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حقّ توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (رواه الترمذي).

البنية الشرطية ودلالتها

أولًا: الحديث النبوي:

1- الأداة «لو»:

  • «لو» في العربية أداة شرط غير جازمة، وهي حرف امتناع لامتناع، تأتي عادةً لما هو ممتنع الوقوع أو نادر الحدوث، ووظفها التعبير النبوي في هذا الحديث الذي يعد من جوامع الكلم، في حيز الحض والتحفيز نحو مرتبة لم يبلغها المخاطَب.
  • جاءت «لو» لتفتح أفقًا من الاحتمال المثالي؛ مفاده: أنّ التوكل الحق الكامل ممكن، لكنه نادر الوجود بين الناس، فكأن المعنى: لو تحقق منكم التوكل الحقيقي الذي يليق بعظمة الله، لحصل الرزق بيسر وطمأنينة كما يقع للطير.

2- دلالة الشرط:

  • الشرط هنا ليس اختبارًا منطقيًا، بل هو كشفٌ عن قانونٍ ربانيٍّ؛ أن تحقق التوكل الحق يوجب تحقق الكفاية والرزق.
  • إنّ صيغة الشرط تُبرز العلاقة السببية بين العمل القلبي (التوكل) والنتيجة الحسية (الرزق)، وكأن الحديث يرسم معادلة إيمانية دقيقة.
  • كما أن الجواب «لرزقَكم» جاء بفعل ماضٍ، للدلالة على تحقق النتيجة قطعًا لو تحقق الشرط، وكأن الرزق حتميّ الوقوع عند صدق التوكل.

3- الأثر الدلالي:

  • جعل التوكل في مقام الشرط المفترض يُظهر قيمته العالية التي لا ينالها إلا من صفا قلبه.
  • والشرط هنا يحمل معنى التحريض والتربية الإيمانية: يدفع المخاطب إلى مراجعة صدق توكله على الله
  • افتُتح الحديث بـ«لو» الشرطية ليفتح باب الاحتمال الممتنع غالبًا، ليلقي بظلال التحفيز النبوي اللطيف: لو أنكم تفعلون ذلك حقًّا، لرأيتم من الله ما يعجزكم وصفه.

بهذا التركيب، يُوجّه النبي صلى الله عليه وسلم السامع نحو كمالٍ، قلّ من يدركه؛ فيغدو الحديث دعوةً صامتةً إلى مراجعة الإيمان في عمقه لا في سطحه.

دلالة التركيب المضاف «حقّ توكّله»

يشكل المضاف «حق» بؤرة مركزية في البنية الأسلوبية الواردة في سياق المفعول المطلق المبين لنوع فعل الشرط؛ ليفيد بلوغ الغاية في الصدق والإخلاص؛ فالتوكّل درجات، و«حقّ توكّله» هو أعلى تلك الدرجات، التوكّل الذي لا تشوبه شبهةُ تردّدٍ، ولا التفاتٌ إلى الأسباب كأنها مستقلة بذاتها.

وهذا من أساليب القصر البلاغي، إذ يجعل الرزق مخصوصًا بمن حقّق التوكّل الكامل، لا بمجرد مدّعيه.

التوظيف التصويري في جواب الشرط

«لرزقكم كما يرزق الطير»؛ جاءت جملة الجواب مؤكَّدة باللام، لتُثبِت حتمية النتائج لمن صدق اعتماده.

أما التشبيه بالطير فهو من أرقى صور التشبيه التمثيلي، إذ يُجسّد العلاقة بين الإيمان والحركة في كائنٍ بسيطٍ وفطريٍّ الطاعة، ولعل توظيفه في سياق السعي والحركة؛ لأن الطيران يكون أكثر جهداً من الجري، ولأن محطات التوقف لنيل الرزق أوسع وأعمق، ثم إنها لا تملك شيئاً، لكنها تملك الثقة في مبدع النظام الكوني.

تغدو جائعة، وترجع شبعى، بين الغدوّ والروح تتقلّب في معراج التوكّل.

التحليل اللغوي لبنى الصورة التمثيلية

  • «يغدو»: فعل مضارع يدل على الحركة المبكرة في الصباح، وفيه إيحاء بالنشاط والسعي. والغدوّ في اللغة: الخروج أول النهار. واختيار الفعل المضارع يوحي بالاستمرار والتجدد؛ كأن الطيور لا تملّ توكلها.
  • «خماصًا»: جمع «خَمِص»؛ أي ضامر البطن من الجوع، وفي هذا اللفظ إيحاء بالضعف والافتقار، وهي حالة البدء في الرحلة. وهو يرمز أيضًا إلى الفقر البشري أمام عظمة الرزّاق.
  • «وتروح بطانًا»: «تروح»: تعود آخر النهار، أي بعد الجهد والسعي، و«بطانًا»: جمع «بَطين»؛ أي ممتلئ البطن من الشبع، وفي هذا اللفظ إيحاء بالامتلاء والطمأنينة والجزاء بعد الكدّ.

التحليل البلاغي ورمزية الصورة

الإيقاع اللفظي: تقابل موسيقي جميل بين «تغدو» و«تروح»، وبين «خماصًا» و«بطانًا»، مما يخلق تناظرًا إيقاعيًّا يحاكي حركة الطير ذهابًا وإيابًا.

الطباق: بين «خماصًا» و«بطانًا» طباقٌ بديع يجسّد التناقض الإيجابي (من الجوع إلى الشبع)، وهو طباق حركي ومعنوي في آنٍ واحد.

الزمن: الأفعال المضارعة «تغدو» و«تروح» توحيان بالاستمرارية والتجدد اليومي؛ فالتوكل فعلٌ متكرر لا يكتفي بمرّة.

الاقتصاد اللفظي: في كلمتين فقط (خماصًا – بطانًا) بُني مشهد كامل من المعاناة والسعي والنتيجة، وهذه من أرقى صور الإيجاز النبوي.

الخيال الحركي: الصورة بصرية حركية؛ طيور تغدو في الأفق، تعود مع الغروب. لكنها أيضًا عاطفية: تثير في النفس الأمان والثقة.

الرمز: الطير هنا رمز للعبد المتوكل، و«الغدوّ» رمز للسعي المشروع، و«البطون الممتلئة» رمز للرزق المبارك.

وهكذا يصوّر الحديث بلاغيًا رحلة الإنسان بين حاجته وسَدّها، بين الحركة والسكينة، في نظامٍ لغويٍّ متناغمٍ كرفيف الجناح.

ثانيًا: التوكّل في الآية القرآنية.. بلاغة السكون واليقين:

قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).

التركيب الشرطي وبناء الثقة:

  • بدأت الآية بحرف «الواو»: وهي استئنافية تربط الآية بسياقها السابق في قوله تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 3)، فهي استئناف بياني يشرح سبب الرزق والطمأنينة.
  • «من»: اسم شرط جازم، يفيد العموم، أي: كل إنسان يتوكل على الله؛ أيًّا كان، وأيًّا كان ظرفه.
  • يتوكل: جاء فعل الشرط بصيغة الافتعال (يتوكل) للدلالة على الجهد النفسي في الاعتماد على الله؛ أي ليس توكلًا عادياً، بل هو فعل يحتاج مجاهدة ووعيًا.
  • الجذر (وكل) يفيد إلقاء الأمر إلى غيرك مع الثقة به، فهو يتضمن تسليمًا واطمئنانًا لا مجرد اعتماد، وجاء الفعل بصيغة المضارع ليوحي بالاستمرار والتجدد؛ أي أن التوكل فعل قلبي دائم، لا لحظة عابرة. وجاء جواب الشرط الذي شكل بؤرة مركزية في التركيب الشرطي مقترناً بالفاء ليُعبّر عن سرعة تحقق الأثر، فكأنّ التوكل يثمر الكفاية في اللحظة نفسها.
  • تركيب جواب الشرط الذي شكلته الجملة الاسمية (فهو حسبه) جاء ليكون قصرًا بلاغيًا مؤكدًا تمثل بـ:
  • «هو»: ضمير فصل يفيد التوكيد والحصر.
  • «حسب» تفيد الكفاية المطلقة؛ وهي تشمل الكفاية في الرزق، وفي الحماية، وفي تدبير الأمر كله.
  • حذف متعلق حسبه بمعنى (حسبه في ماذا؟) ليفيد العموم والشمول: أي كافيه في كل شيء.
  • في هذا الإيجاز ثراءٌ معنويٌّ بالغ؛ فحرفان (هو) وكلمة واحدة (حسبه) أغلقت أبواب القلق كلها.

الإيجاز المعجز لفلسفة الحياة الإيمانية

خمس كلماتٍ تختصر فلسفة الحياة الإيمانية كلها، كل كلمة توحي بمعنى يتكون منها قانون منهجي يجسد هذه الفلسفة:

1- «ومن»: توحي بالشمول والاحتواء.

2- «يتوكل»: فعل مضارع يوحي بالاستمرار.

3- «على الله» ذروة الاعتماد.

4- «فهو» تفيد الاختصاص.

5- «حسبه» تختم بالاكتمال.

ثالثًا: بين الحديث والآية.. جدلية الحركة والسكينة:

يتكامل النصّان الشريفان في بنيةٍ جماليةٍ دقيقة:

الحديث يمثل الجهد البشري المتوكل، في حركة الطير.

والآية تمثّل العهد الإلهي بالكفاية، في سكون الجملة.

فالأول يبدأ من الأرض صعودًا نحو السماء، والثانية تنزل من السماء لتطمئن الأرض.

كما أن الحديث صوتُ الجهد، والآية صمتُ الاطمئنان. وفي التقاء الصوتين تكتمل بلاغة التوكّل: أن تسعى كما الطير، وتطمئن كما المؤمن.

رابعًا: التوكّل في المشهد المعاصر:

في عالمٍ يطغى عليه حساب الأرقام والضمانات، يبدو التوكّل كأنه فكرة منسية، غير أن الله يُعيدها في صورٍ معاصرة لا تقلّ بلاغة عن نصّ الوحي.

أمٌّ وحيدة تبدأ عملاً صغيرًا لتطعم أبناءها، تمضي بخطواتٍ خائفة لكنها مؤمنة أن "الله حسبها"، فيفتح الله عليها بركة لا تُفسَّر بالحسابات، مناطها أنني توكلت عليك يا رب خرجت لا أملك دينارا، كالطير ينتظره صغاره في عشه، ومالي غير يقين يملأ الروح، إن الله حسبي وهو الرزاق.

وشابٌّ يفقد عمله في الأزمات، لكنه ينهض من رماده، يبدأ من جديد، فيجد رزقًا لم يكن في باله.

هم أبناء الحديث النبويّ: يغدون خماصًا، ويروحون بطانًا.

خامساً: الأثر التربوي:

التوكّل ليس انسحابًا من السعي، ولا تواكلًا يكسو العجز بثوب الورع، بل ميزانٌ دقيق بين حركةٍ في الأرض وطمأنينةٍ في السماء.

إنه أن تعمل بيدك، وتسلّم قلبك لله.

أن تبذر البذرة وأنت مؤمن أن المطر ليس منك؛ بل من الكريم الذي لا يخذل من رجاه.

فمن صدق توكّله؛ أدرك رزقه، لا لأن الأسباب كافية؛ بل لأن المُسبِّب حسبُه وكافيه.



اقرأ في هذه السلسلة:

قراءة نفسية وبلاغية في مشهد يونس وكعب والشاب الحالم

قصة نوح وابنه والطوفان.. تحليل لمشهد «المسافة الصفرية» في القرآن

نوح.. بين رجاء الأب وحكمة الربّ

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة