دول مجلس التعاون بعد الحرب
مما لا ريب فيه أن لكل تجربة دروساً مستخلصة، ونحن في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي عاصرنا جملة من التحولات منذ منتصف القرن العشرين، وقبل بزوغ فجر «المجلس»، كانت الروابط الخليجية تتسم بالوداد والتعاون الفطري، حتى تكللت بتأسيس المجلس رسمياً عام 1981م، تزامناً مع اشتعال فتيل الحرب العراقية الإيرانية.
تلك الحرب التي
فُرضت فرضاً على جغرافيا المنطقة، وباتت تشكل تهديداً وجودياً للخليج وللمجتمع
الدولي بأسره؛ نظراً للثقل الاقتصادي الإستراتيجي، حيث يتدفق خمس الطاقة العالمية
من هذه المنطقة الحيوية.
لقد تصدت دول
المجلس لتلك التحديات بحنكة واقتدار، وخرجت من أتون الأزمات أكثر تماسكاً، رغم ما
طالها من استهدافات إرهابية واعتداءات غادرة طالت المنشآت النفطية والمرافق
الحيوية، وصولاً إلى «حرب الناقلات» عام 1986م.
ولم يكد الجسد
الخليجي يستعيد أنفاسه حتى وقع الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت عام 1990م، وهنا
تجلت قيمة الوحدة الخليجية في أبهى صورها؛ إذ انصهرت الأنظمة والشعوب في بوتقة
واحدة، ليولد مفهوم وهوية «المواطن الخليجي» كواقع ملموس لا شعار فحسب.
ومع توالي
الأحداث والاعتداءات الإيرانية المتكررة التي نبعت من دوافع عدائية غير مبررة تجاه
دول المجلس، توحد الخطاب والموقف ليصبح «العدوان على أي دولة عدوان على الخليج
كأمة واحدة»؛ ما جعل الكيان الخليجي أصلب عوداً.
بناء على ذلك،
يتحتم علينا استثمار هذه التجارب في عدة مسارات؛ أولها ضرورة تسريع إنشاء «الجيش
الخليجي الموحد» لحماية المكتسبات من الأطماع الخارجية، فقد أثبتت الوقائع أن
الجارة إيران «صديق من ورق»، وعدو يستر عداءه بلسان معسول، ويصدق في وصفها قول
أمير الشعراء أحمد شوقي:
بَرَزَ
الثَعلَبُ يَوماً في شِعارِ
الواعِظينا!
فَمَشى في
الأَرضِ يَهذي وَيَسُبُّ الماكِرينا!
فهذا الكيان
يحمل في طياته المكر، والأدهى هيمنته على العراق الجار الذي بات يعاني من تعدد
المرجعيات والمليشيات التي تأتمر بأمر الخارج؛ لذا، فنحن في الخليج بحاجة ماسة إلى
يقظة أمنية تامة لمواجهة الخلايا النائمة الموالية للأعداء، محتكمين لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ) (النساء: 71).
كما تبرز الحاجة
لمراجعة شاملة للسياسات الخارجية، والبحث عن تحالفات دولية متنوعة، وإبرام معاهدات
واسعة النطاق مع مختلف القوى السياسية، ويجب أن نحدد بوضوح من هو العدو الحقيقي،
وأن تتوحد بوصلتنا نحو أمن منطقتنا، مع التمسك بالقضايا العربية والإسلامية، وعلى
رأسها القضية الفلسطينية كقضية محورية، وهو ما تجسد في الإدانات الخليجية الواسعة
للانتهاكات الصهيونية بحق المسجد الأقصى.
إننا مدعوون
لمزيد من التنسيق لرفع الجاهزية ومواجهة الأخطار المحدقة، ويظل «المواطن الخليجي»
الركيزة الأساسية لهذه المنظومة، والارتقاء به هو غاية التقدم، وطموحنا الأسمى أن
يُعامل الخليجي في كل دول المجلس معاملة المواطن ابن البلد في كل الحقوق
والواجبات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً