خلاف المصلحين.. بين الضرورة الواقعية والضوابط الشرعية (2 - 2)

أسباب الخلاف بين المصلحين

أسباب الخلاف بين المصلحين

إنَّ فهم أسباب الخلاف يرفع الحرج عن النفوس، ويجعل التعامل معه عقلانياً وموضوعياً، ويمكن إجمال أسباب خلاف المصلحين في 4 ركائز رئيسة:

1- طبيعة النصوص الشرعية:

الأحكام الشرعية تنقسم من حيث الدلالة إلى قطعية وظنية، والقطعي يشمل أصول العقائد والمحكمات، بينما الظني يشمل الفروع والوسائل والسياسات، وهذا التفاوت في الدلالة يتيح مساحات واسعة للاجتهاد، حيث تتعدد الأفهام في فهم النص الواحد تبعاً لمعرفة لغة العرب، وعلم الأصول، والناسخ والمنسوخ، وتنزيل النص على الواقع، وأولويات المصلحة، وغير ذلك الكثير.     

2- اختلاف مناهج الاستدلال والترجيح:

حتى مع اتحاد المصلحين في قبول النصوص، فإنهم يختلفون في آليات التعامل معها عند التعارض الظاهري:

  • مصلح يميل إلى الأخذ بظواهر النصوص والوقوف عند حدود اللفظ (المدرسة الأثرية).
  • مصلح آخر يميل إلى رعاية المقاصد والعلل والالتفات إلى روح النص (المدرسة المقاصدية).
  • الاختلاف في حجية بعض الأصول التبعية كالمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وعرف أهل البلد.

3- تفاوت المدارك البشرية والخبرات العملية:

المصلحون ليسوا في درجة واحدة من الذكاء، أو الخبرة السياسية، أو المعرفة بالواقع (فقه الواقع)، فمن كان مخالطاً للناس خبيراً بمكائد الأعداء، يرى من المصلحة ما لا يراه المصلح المنعزل في محرابه الفقهي، والعكس صحيح، وهذا التباين في زوايا النظر (النظرة الكلية مقابل النظرة الجزئية) يولد مواقف واجتهادات متباينة.

4- اختلاف بيئات التنزيل وظروف العصر:

تختلف الفتاوى والاجتهادات الإصلاحية باختلاف الزمان والمكان؛ فما كان مصلحة في عصر أو مصر قد يصبح مفسدة في غيره، وإذا تباينت بيئات المصلحين تباينت رؤاهم تَبَعاً لذلك، وهو ما يعبر عنه الأصوليون بـ«تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال».

المنهج الإسلامي في إدارة الخلاف وضوابطه الأخلاقية

إذا كان الخلاف حتمياً، فإنَّ الإسلام لم يتركه فوضى يمزق كيان المجتمع، بل وضع له أطراً ضابطة تحوله من معول هدم إلى لبنة بناء.

1- القواعد الأصولية الحاكمة للاختلاف:

قاعدة «لا إنكار في مسائل الاجتهاد»: وهي القاعدة الوجيزة التي تمنع المصلح من فرض رأيه الاجتهادي الظني على مصلح آخر، ما دام لكل منهما مستند شرعي معتبر.

تقديم المصالح العليا للأمة: التنازل عن الرأي الفردي أو الفئوي في سبيل الحفاظ على بيضة المسلمين ووحدتهم، كما فعل الحسن بن علي رضي الله عنهما في «عام الجماعة» حين تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، حقناً لدماء المسلمين، وقد يكون العكس هو الصحيح، كما فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في عدم التنازل عن الخلافة لمعاوية، وكل ذلك يخضع للمصلحة العامة، التي تقدر بالاجتهاد وإعمال العقل، وفي كل خير، وفي كل حكمة، المهم عدم فرض رأي، وعدم محاربة الآخر بسبب رأي، بل الحكمة في قبول الآخر.

اعتبار المآلات: دراسة الأثر الرجعي للاجتهاد؛ فإذا كان الرأي صحيحاً في ذاته ولكنه يؤدي إلى مفسدة أعظم، وجب تركه، والقدوة في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين ترك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم علة قريش: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لفضت الكعبة..» (متفق عليه).

2- الضوابط الأخلاقية والنفسية للمصلحين:

تتحرك أخلاقيات الخلاف في الإسلام ضمن مثلث قوامُه: العدل، والمحبة، والتواضع.

الإنصاف والعدل: أن يحمل المصلح كلام أخيه على أحسن المحامل، وألا يتهمه في دينه أو نيته لمجرد المخالفة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان المسلمون يسوغون للاجتهاد في الأحكام الفروعية، ولم يكن أحدهم يقدح في الآخر لعلمهم أنَّ كل واحد مجتهد يطلب الحق».

سلامة الصدر وطهارة القلب: بقاء المحبة والولاية الإيمانية قائمة بالرغم من تباين المواقف، يُروى عن الإمام الشافعي أنه قال ليونس بن عبد الأعلى بعد أن اختلفا في مسألة: «يا يونس، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟».

التواضع العلمي وجلد الذات: إدراك المصلح أنَّ رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب؛ ما ينفي كبر الاستبداد بالرأي.

تداعيات توهم غياب الخلاف

إنَّ الإصرار على رؤية طوباوية (مثالية خيالية) ترفض وجود الخلاف بين المصلحين، تنتج مفاسد فكرية، وحركية خطيرة في واقع الأمة المعاصر، ومن أبرز هذه التداعيات:

1- صدمة الواقع والارتداد الفكري: عندما يتربى الشباب والناشئة على أنَّ أهل الصلاح كتلة صلبة لا تختلف أبداً، ثم يصطدمون بواقع الحياة ويرون تباين الفتاوى، واختلاف الرؤى بين كبار العلماء والمصلحين، يصابون بنوع من الإحباط المعرفي والصدمة النفسية، وقد يؤول بهم الأمر إلى النفور من الدين أو الشك في نزاهة المصلحين أنفسهم، ظناً منهم أنَّ هذا الخلاف دليل على المصلحية والأنانية، وليس نتاج الطبيعة البشرية.

2- التراشق بالبدعة والتكفير (أزمة التفسيق): الجهل بسعة الخلاف الفقهي والسياسي يدفع الطوائف والجماعات الإصلاحية إلى تبادل التهم بالعمالة، أو الخروج عن المنهج، أو الابتداع، فيتحول الخلاف السائغ في الفروع إلى معركة في الأصول؛ ما يمزق القوى الحية للأمة، ويجعلها لقمة سائغة للمتربصين بها.

3- الاستبداد الفكري وصناعة التقليد الأعمى: حين يُمنع الخلاف داخل المؤسسات الإصلاحية تحت لافتة وحدة الكلمة، يُقتل العقل النقدي، وتتحول حركة الإصلاح إلى قوالب جامدة، تكرر أدبيات قديمة لا تجيب عن أسئلة العصر الحاضر، لكن الاستيعاب الواعي للخلاف هو الذي يولد التجديد والاجتهاد المستمر.

بناءً على ما تقدم، هناك عدة نتائج وتوصيات، منها:

أولاً: الاختلاف بين المصلحين والمؤمنين ليس دليلاً على فساد النوايا أو انحراف السلوك، بل هو قَدَرٌ كوني، وجبلّة بشرية لا ترفعها رتبة الصلاح والولاية.

ثانياً: إنَّ الصدر الأول من الصحابة الأطهار، والتابعين لهم بإحسان، اختلفوا في قضايا معقدة (في السلم، والحرب، والسياسة، والمال)، وسجل الوحي ذلك دون أن يقدح في عدالتهم، بل قدمهم للأمة كأفضل جيل إنساني.

ثالثاً: العيب والذنب ليس في أصل الخلاف، وإنما في إدارة الخلاف؛ فإذا تحول الاختلاف إلى بغي، وتدابر، وتقاطع، وخصومة نفسية، صار مذموماً يستجلب العقوبة الإلهية.

رابعاً: إدراج فقه الاختلاف في المناهج التعليمية: يجب أن يتعلم الدارسون في المعاهد الشرعية والجامعات الإنسانية ضوابط الخلاف وآلياته قبل تفاصيل المسائل الخلافية ذاتها.

خامساً: إرساء ثقافة النقد والمراجعات: تشجيع المؤسسات الإصلاحية على تبني ثقافة النقد الذاتي البناء، واعتبار اختلاف الرؤى الداخلية مظهراً من مظاهر الصحة الفكرية لا التمرد والتخلف والتفرق.

سادساً: التركيز على القواسم المشتركة: تفعيل العمل التكاملي بين المصلحين، بحيث يلتقون في المحكمات والقطعيّات (وهي تشكل أكثر من 80% من الدين والسياسة الراشدة)، ويعذر بعضهم بعضاً في الظنيّات والوسائل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة