تشكيل الوعي..

كيف وُظِّفت القوة الناعمة في عصر الرسالة؟

عبدالقادر وحيد

23 ديسمبر 2025

1209

يخطئ البعض حينما يختزل الإسلام في العبادات فقط، ويظلّ أسيراً لهذه المعرفة، ويجعلها المقياس الأوحد مع متسع الشريعة التي تشمل كل المسلمين على اختلاف مشاربهم وطبائعهم.

إن الحياة المتكاملة أن يعيش فيها المجتمع كاملاً بكل طاقاته -المتباينة قطعاً- بين الناس، فهناك الفقيه والعابد والقارئ والمقاتل والمصارع والشاعر وصاحب النوادر، كل واحد يكمل ما نقص لدى الآخر.

عصر الرسالة كان مفعماً بالحيوية والطاقة، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان معلّماً لأمته، استخدم كل أساليب عصره لنشر الإسلام وتبليغ دعوته.

القوة الناعمة كانت أحد أهم أساليبه في جذب خصومه وضمهم إليه، فهي الصنو والقسيم الآخر للقوة الصلبة العسكرية، ورغم حداثة المصطلح، لكن استخدامه كان مبكراً جداً منذ عصر الرسالة.

ألعاب القوى

ربما يتعجب البعض من وجود هذا المصطلح في عصر النبوة، والحقيقة أنه كان موجوداً عملياً وليس نظرياً بمفهومه الحداثي، فقريش كانت قبلة العرب وكعبتهم في كل شيء، وكان من بين رجالها من يشار إليه بالبنان في الفروسية والمصارعة والصيد والقنص.

لقد توعد القرآن الكريم الوليد بن المغيرة بالعذاب الأليم لأنه كان أكفر قريش، وأكبر عقبة كؤود في وجه الدعوة، رغم ما كثرة ما امتنّ الله عليه من النعم خاصة في المال والبنين؛ (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً {11} وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً {12} وَبَنِينَ شُهُوداً) (المدثر).

فقد ظهر من بين أولاده الفارس الأول وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وكان من بين أولاده عُمارة بن الوليد، بطل قريش لكمال الأجسام، فهو الشاب اليافع الرياضي المتألق الوسيم.

ولعلنا نتذكر أن قريشاً كانت في إحدى محطات التفاوض مع أبي طالب قدمت له عُمارة بن الوليد –أنْهَد فتى في قريش- ليغذّيه ويكون بديلاً للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى يسلّمه لهم ويقتلوه.

لقد اختارت قريش أكفأ الأشخاص وأكملهم جسماً وأكثرهم حضوراً في صالات «الجيم» الرياضية، لأجل أن تُقنع به أبا طالب في فكرتها الشيطانية(1).

ولتقدير قوة وحضور عمارة بن الوليد تسعفنا كتب السيرة أنه كان المفاوض الثاني مع عمرو بن العاص في إحدى وفاداته على ملك الحبشة، فقد اختير بعناية ليكون ضمن الوفد الدبلوماسي، لكنه تحرّش بامرأة عمرو بن العاص، وعندما منعه عمرو ألقاه في البحر، ولكنه فوجئ بأن عمرو بن العاص يحسن السباحة، وهو جانب آخر من جوانب ألعاب القوى في قريش.

وعندما صعد عمرو إلى السفينة عالج الموقف، وخطط لعُمارة بخطة تليق بدهائه، وأنهى حياته في قصة طويلة ومثيرة على أرض الحبشة وحيلة تفوق تصور العقل(2).

هذا العالم المفعم بالطاقة وألعاب القوى لم يغب عن حسّ النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، حيث قرر أن يدخل في أقوى مصارعة في عصر الرسالة، منافسا ركانة بن يزيد المطلبي، المصارع والبطل الذي لا يُهزم.

كان ركانة من أشد الناس وأقواهم، وعندما طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يصارعه قَبِل ذلك، فصرعه صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً.

يقول ركانة: فلم يلبث أن ظهر أمره فأتيته فأسلمت وكان مما هداني الله، أني علمت أنه لم يصرعني يومئذ بقوته لكن صرعني بقوة غيره(3).

برامج الترفيه

لكل عصر وسائل الترفيه الخاصة به والمتسقة مع أعرافه، وقياس كل عصر على آخر فيه ظلم للعصرين معاً، فالآخر ليس كالسابق في زمانه وأشخاصه، لكن تبقى لنا العبرة وهي جوهر ما تهدف إليه دراسة التاريخ، وفي القلب منها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.

يظن البعض أن المدينة في عصر الرسالة كانت ثكنة عسكرية أو لا تنام ليلها من العبادة، ولكن في الحقيقة كان هناك وجه آخر تعيشه كغيرها من مدن جزيرة العرب.

وكان من بين دائرة المباح الفكاهة والتندر بها على نطاق واسع، التي كانت أشبه ببرامج الترفيه و«التوك شو» في واقعنا العاصر.

تؤكد الروايات في عصر الرسالة أن الصحابة كانوا على قدر كبير من الفكاهة والانشراح، ولهم في ذلك قصص طريفة تعكس مسار الحالة المجتمعية في عصرهم، حيث كان صلى الله عليه وسلم جزءاً منه وصانعاً لها في بعض الأحيان، وليس بعيداً أو في خصومة معها.

فق روى البخاري عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أضع تحت رأسي خيطين، فلم يتبين لي شيء، فقال: «إنك لعريض الوسادة»، وفي لفظ: «لعريض القفا، هو بياض النهار من سواد الليل».

وعن عبدالله بن بسر المازني قال: بعثتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطف من عنب فأكلته، فسألت أمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال: «لا»، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رآني قال: «غُدَر غُدَر»!

النعيمان.. وبرامج «التوك شو»!

كان نعيمان رجلاً صالحاً على ما كان فيه من دعابة، مشهوراً بذلك في المدينة، حتى إنه كان يتقاطع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف الطريفة التي تعكس جانباً من جوانب عصر الرسالة وقوتها الناعمة.

كان صانعاً للبسمة والفكاهة -رغم أنه طبق عليه حد الخمر 4 مرات- ومن شدة طرافتها كان الصحابة يتندرون بها عاماً كاملاً، وله في ذلك طرائف وغرائب، ومنها أنه جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد، وأناخ ناقته، فقال بعض الصحابة للنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم -شدة الشوق إليه- ويغرم النبي صلى الله عليه وسلم ثمنها.

قال: فنحرها النعيمان، ثم خرج الأعرابي، فصاح: واعقراه يا محمد، فخرج صلى الله عليه وسلم، فقال: «من فعل هذا»؟ قالوا: النعيمان، فاتبعه يسأل عنه، فوجده في أحد منازل المدينة، قد جعل عليه الجريد والسعف، فأشار إليه رجل، ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه لمكانه.

فأخرجه صلى الله عليه وسلم وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه، فقال له: «ما حملك على ما صنعت؟»، قال: الذين دلّوك عليّ يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل صلى الله عليه وسلم يمسح عن وجهه ويضحك، وغرم رسول الله ثمنها(4).

ومر النعيمان بمخرمة بن نوفل، وقد كفّ بصره، فقال: ألا رجل يقودني حتى أبول، فأخذ بيده، فلما بلغ مؤخر المسجد، قال: ها هنا، فبال، فصيح به، فقال: من قادني؟ قيل: نعيمان، فقال: لله عليّ أن أضربه بعصاي هذه، فبلغت نعيمان فأتاه -مغيّراً صوته- فقال له: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم، فأخذه، فأتى به عثمان بن عفان وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فضربه بالعصا، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبداً(5).

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان محيطاً وصحابته بما يدور حولهم من قوة ناعمة لها تأثير، ولكنه لم يكتفِ بالعلم فقط، بل سعى للانخراط في هذه القوة، وكان جزءاً منها مؤثراً بإيجابيته وأخلاقه العظيمة، ولم يحولها لخصومة مجتمعية.



اقرأ أيضاً:

حرب «الترندات».. محركات البحث في عصر النبوة!

عبقرية النبي ﷺ في توظيف «القنوات الفضائية» في عصره!

كيف تحولت المدينة المنورة إلى جامعة عالمية في 10 سنوات؟



_________________

(1) البيهقي: دلائل النبوة.

(2) ابن كثير: البداية والنهاية.

(3) ابن عبدالبر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

(4) الصالحي: سبل الهدى والرشاد.

(5) ابن قتيبة: المعارف.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة