الترابط الأسري في زمن التكنولوجيا.. علاقات عائلية تضعف تحت ضغط الأجهزة الذكية

في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، بدأ السؤال الملحّ يفرض نفسه بقوة: هل سهّلت التكنولوجيا حياتنا فعلًا، أم قسّمت البيوت وأضعفت دفء العائلة؟

التقنيات الحديثة منحت الأسرة الكويتية أدوات تواصل وتعلم وعمل غير مسبوقة، لكنها في المقابل خلقت عالماً افتراضيًا يلتهم الوقت ويقلّص مساحات الحوار ويغلق الأبواب أمام التواصل الحقيقي بين أفراد الأسرة الواحدة.

في عددها (26) الصادر في مايو 2024م، نشرت مجلة «رواء» تحقيقًا موسعًا بقلم هند معوض بعنوان «مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي على الأسرة المسلمة»، تناولت فيه كيف تحوّلت وسائل التواصل إلى «ريح صرصر عاتية» تهز كيان الأسرة، فتقضي على الحوار، وتغيب الهوية، وتزيد العزلة والانحراف السلوكي، بحسب تقرير المجلة، انخفض الحوار التفاعلي بين أفراد الأسرة بنسبة 65.5%.

وكشف تقرير «داتا ريبورتال» أن الفرد يقضي شهريًا 23 ساعة على «يوتيوب»، و19 ساعة على «فيسبوك»، و17 ساعة على «واتساب»، و12 ساعة على «إنستجرام»، و23 ساعة على «تيك توك»، إضافةً إلى «سناب شات» و«ماسنجر» و«تويتر».

هذه الأرقام تعني ساعات طويلة يقضيها كل فرد مع شاشته أكثر مما يقضيها مع أسرته!

انعكاس مباشر.. ارتفاع نسب الطلاق

تنعكس هذه الفجوة الرقمية على الاستقرار الأسري والزواج تحديدًا، ووفق إحصائية نشرها مركز المعلومات بمجلس الوزراء الكويتي، وأكدتها تقارير صحيفة «الأنباء»، تحتل الكويت المرتبة الأولى عربيًا في معدلات الطلاق بنسبة وصلت إلى 48% من إجمالي حالات الزواج خلال السنوات الأخيرة، وتعد وسائل التواصل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في هذا الارتفاع من خلال العزلة العاطفية، وضعف الحوار، وفتح نوافذ للخلافات والاختراقات في الثقة الزوجية.

الجرائم الإلكترونية تهز الأمان الأسري

في مؤتمر مشترك نظمه الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع وزارة الداخلية، كشف العقيد يوسف الحبيب، مدير إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، أن 4096 قضية إلكترونية سُجلت العام الماضي، منها:

- 965 قضية سب وقذف.

- 1993 إساءة استخدام وسائل الاتصال.

- 250 حالة تهديد وابتزاز.

- 124 تحريضًا على الفسق والفجور.

- بلغ عدد الضحايا 3357 ضحية إلكترونية، منهم 2436 مواطنًا كويتيًا.

هذه الجرائم كثيرًا ما تبدأ داخل نطاق الأسرة، وحين يجهل الأهل كيف يتعاملون مع استخدام أبنائهم للأجهزة، أو حين يُترك المراهقون وحدهم في مواجهة محتوى قد يقودهم إلى الابتزاز والسلوك المنحرف.

آراء خبراء ووزارة الداخلية

أجمع المتحدثون في المؤتمر –من وزارة الداخلية وخبراء الجامعات– أن «العائلة هي خط الدفاع الأول»، ودعوا الأُسر إلى التوعية والرقابة التقنية على الأجهزة، وأن يجلس الآباء إلى أبنائهم ليعرفوا ما يتابعونه ويضبطوا مدة استخدام الهواتف والشاشات.

كما شدد العقيد بدر الخبيزي على أن اختراقًا إلكترونيًا واحدًا قد يدمّر أسرة كاملة، وأن مواقع التواصل أصبحت منفذًا لمحتوى لا أخلاقي يستهدف المراهقين تحديدًا.

الحلول والتوصيات

- تقنين الوقت: يوصي الخبراء بتخصيص «ساعة عائلية بلا هواتف» كل يوم، وتطبيق قواعد زمنية صارمة لاستخدام الشاشات، خاصة في أوقات الوجبات والنوم.

- استعادة الدفء: عودة الجلسات العائلية، والنقاش المفتوح، ومشاركة الأبناء في اهتماماتهم، وفتح أبواب الحوار بدلًا من استبدال الرسائل والتعليقات بها.

- التربية الرقمية: تعليم الأبناء قواعد الأمان الإلكتروني وكيفية التصدي للابتزاز الإلكتروني أو المحتوى المنحرف.

- القدوة: يبدأ كل شيء من الوالدين؛ فمن غير المنطقي مطالبة الأبناء بترك الهواتف إذا كان الأهل غارقين فيها.

لا خلاف على أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من نسيج الحياة اليومية في الكويت، لكنها حين تُستخدم بلا ضوابط تتحول من وسيلة تواصل إلى أداة تفكك.

ويبقى إنقاذ الترابط الأسري مرهونًا بعودة «الأب والأم» إلى دورهما التربوي؛ مراقبة، توعية، مشاركة ومحبة.. قبل أن تتحول الأجهزة الذكية إلى «عاصفة صامتة» تقتلع كل دفء إنساني من البيوت.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة