5 صور لحرص فتيان الصحابة على الجهاد

إسلام محمود

27 أغسطس 2025

865

5 صور لحرص فتيان الصحابة على الجهاد

لم يكن حبُّ الجهاد في سبيل الله حِكرًا على الرجال الأقوياء، ولا مقصورًا على أصحاب السيوف والرماح، بل سرى نوره في قلوب الفتيان الصغار من الصحابة رضي الله عنهم، حتى صاروا يتسابقون إلى ميادين القتال كما يتسابق الأطفال إلى ساحات اللعب، كانوا يرون في الجهاد شرفًا وكرامة، وطريقًا إلى رضا الله وجناته، فاشتعلت قلوبهم حماسًا، وتاقت نفوسهم إلى مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معارك الإسلام الفاصلة.

5 صور من حرص فتيان الصحابة على الجهاد

إن حرص هؤلاء الفتيان على الجهاد يقدّم أروع صور التضحية والفداء، ويعكس كيف صنعت التربية النبوية جيلًا مؤمنًا، تعلّق قلبه بالآخرة، ولم تشغله الدنيا عن نصرة الدين، حتى غدت أرواحهم أكبر من أجسادهم، وعزائمهم أعظم من أعمارهم.

وفيما يأتي بيان بعض صور حرص فتيان الصحابة على الجهاد في سبيل الله:

1- الفتيان يَعْرضون أنفسهم للجهاد:

كان الفتيان يحرصون على التجهز للقتال، فيلبسون لباس المحاربين ويتقلدون السيوف ويخرجون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون أنفسهم عليه ليجيزهم مع الجيش، وفي هذا أورد كتاب السير مثالاً، ففي غزوة «أُحد» عرض الفتيان أنفسهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم: عَبْداللَّه بن عُمَر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زَيْد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس بن قيظي، وأبو سَعِيد الخدري، وسمرة بن جُندب، ورافع بن خديج، حتى قَالَ رافع: جعلت أتطاول حتى يراني النبي صلى الله عليه وسلم(1).

2- الفتيان يتعلمون المهارات التي تهيئهم للجهاد:

كان الفتيان من الصحابة يحرصون على الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم كانوا يخافون أن يردهم، لصغر سنهم، ولهذا بادر الفتيان بتعلم المهارات القتالية التي يحتاجها الجيش، حتى تكون مسوغا لقبولهم وإجازتهم في صفوف المجاهدين، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ الْفَزَارِيَّ، وَرَافِعَ بن خَدِيجٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ، وَهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ رَدَّهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رَافِعًا رَامٍ، فَأَجَازَهُ، فَلَمَّا أَجَازَ رَافِعًا، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ سَمُرَةَ يَصْرَعُ رَافِعًا، فَأَجَازَهُ، وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، وَزَيْدَ بن ثَابِتٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بن النَّجَّارِ، وَالْبَرَاءَ بن عَازِبٍ، أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ، وَعَمْرَو بن حَزْمٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بن النَّجَّارِ، وَأُسَيْدَ بن ظُهَيْرٍ، أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ، ثُمَّ أَجَازَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً(2).

3- الاختباء بين المجاهدين:

روى ابن سعد عَنْ عَامِرِ بن سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ أَخِيَ عُمَيْرَ بن أَبِي وَقَّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم لِلْخُرُوجِ إِلَى «بَدْرٍ» يَتَوَارَى، فَقُلْتُ مَا لَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: إِنِّي ‌أَخَافُ ‌أَنْ ‌يَرَانِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدَّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الْخُرُوجَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ(3).

4- البكاء من أجل الخروج للجهاد:

في موقف سيدنا عمير بن أبي وقاص الذي سبق ذكره، عندما اختبأ بين المجاهدين حتى لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم فيرده، ظل يحاول حتى عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَاسْتَصْغَرَهُ فَقَالَ: «ارْجِعْ»، فَبَكَى عُمَيْرٌ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم(4).

5- الاستعانة بالكبار والقادة:

كان الفتيان من الصحابة يحرصون على تقديم البطولات الجهادية التي تحرز النصر للمسلمين، وكانوا يستعينون في ذلك بكبار الصحابة والقادة في الميادين، ومن الأمثلة التي تدل على هذا ما رواه البخاري، ومسلم، عَنْ ‌عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ: مِثْلَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ.

قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «‌أَيُّكُمَا ‌قَتَلَهُ؟»، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، ففي هذا الموقف تأكيد على حرص الفتيان على الجهاد وإظهار الشجاعة فيه، رغبة في تحقيق النصر لهذا الدين.

دلالات حرص الفتيان على الجهاد

1- قوة التربية الإيمانية:

أسهمت البيئة التربوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غرس حب الإسلام والاستعداد للتضحية من أجله، حتى بين الصبيان والفتيان.

2- القدوة النبوية في غرس معاني العزة:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع من همم الفتيان، ويستثمر شجاعتهم، لكنه يوازن بين الحماسة والقدرة الفعلية.

3- إعداد جيل يتحمل المسؤولية مبكرًا:

هذه النماذج صنعت جيلًا واعيًا بقضاياه الكبرى منذ صغره، بعيدًا عن الانشغال بالصغائر والتفاهات.

4- الجمع بين التربية والتمكين:

لم يكن ردّ النبي صلى الله عليه وسلم للصغار إحباطًا لهم، بل كان تأهيلاً حتى يكتمل نضجهم البدني والعقلي.




___________________

(1) أنساب الأشراف: للبلاذري (1/ 316).

(2) سيرة ابن هشام (2/ 66).

(3) الطبقات الكبرى: ابن سعد (3/ 149).

(4) المرجع السابق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة