من أسرار البيان النبوي في حديث صيام الست من شوال

يعد الهدي النبوي في الحث على صيام ستة أيام من شوال وسيلة نبوية لترسيخ مفهوم الاستدامة الإيمانية في شخصية المسلم. لقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين صيام هذه الأيام ليفتح أمام الأمة باب الاستزادة من الخير؛ فانقضاء رمضان لا يعني انقضاء العبادة، بل هو انتقال من "فرض المحبة" إلى "نفل الوفاء". وكما أن للصلاة سنناً قبلية وبعدية تجبر كسرها وتتمم نورها؛ فإن للصيام "رواتب" تجعل اتصال العبد بربه حبلا ممدودا لا ينقطع.

وفيما يلي نص الحديث برواياته المتنوعة:

عَنْ ‌أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ ‌سِتًّا ‌مِنْ ‌شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (رواه مسلم في صحيحه)، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى والبزار في مسنده بلفظ: "... ‌وَأَتْبَعَهُ ‌سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ"، وعند ابن ماجه في سننه "‌ثُمَّ ‌أَتْبَعَهُ ‌بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ"، وفي صحيح ابن حبان"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ‌وَأَتْبَعَهُ ‌بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ".

إن المتأمل في روايات هذا الحديث يجد نفسه أمام تعدد مرايا وزوايا ترسم لوحة إيمانية متكاملة ومتعاضدة؛ فكل رواية بلفظها الخاص تفتح نافذة تربوية ونفسية تختلف عن الأخرى.

بين تراخي "ثُمَّ" ومعية "الواو"

تتنوع روايات الحديث بين العطف بـ"ثم" والواو، ولكل منهما دلالة تشريعية وتربوية على النحو التالي:

- دلالة "ثُمَّ" في رواية مسلم والترمذي: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ...». لغوياً، تفيد "ثم" الترتيب مع التراخي. وهذا يتناسب تماماً مع حال المسلم الخارج من مدرسة الصيام؛ إذ يحتاج إلى "فترة نقاهة" وتمتع بأيام العيد التي هي أيام أكل وشرب وذكر. وفي الوقت نفسه فإن "ثم" تطمئن المسلم أنَّ الباب لم يُغلق في وجهه بمجرد انقضاء الشهر، بل هناك متسع لترتيب الأوراق والعودة لميدان الصيام بهدوء وسكينة، دون شعور بالتقصير أو تأنيب للضمير.

- دلالة "الواو" في رواية النسائي والبزار: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ...». "الواو" تفيد مطلق الجمع والاشتراك. وقد تفتح هذه الرواية الباب لمن يخشى على نفسه "فتور العزيمة"؛ فيبادر بالصيام فور انقضاء العيد ليظل في "جو العبادة". كما تفيد هذه الواو ربط العملين برباط "الوحدة الموضوعية"، كأن رمضان والست "كتلة واحدة" في الأجر، وهو ما يحفز المؤمن ألا يفصل في ذهنه بين الفريضة والنافلة، بل يجعل حياته سلسلة متصلة من الطاعات.

دلالة "الباء" الزائدة (بست)

يلاحظ في الروايات التنوع في تعدية الفعل "أتبعه":

 ففي رواية مسلم والنسائي: «أَتْبَعَهُ سِتًّا» بتعدية الفعل بنفسه. وفي رواية ابن ماجه وابن حبان: «أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ» بتعديته بحرف الباء.

والتكامل بين الروايتين يعضد ما سبق في الحديث عن "الواو" و"ثم"..

فرواية "ستا" (بالنصب) تعضد معنى التراخي واليسر؛ فأي ستة أيام تجزئ. أما دخول "الباء" في رواية "بستٍّ"، فهي تفيد في لغة العرب الإلصاق أو المصاحبة. وهذا يربي في النفس معنى "الالتصاق المعنوي"؛ بأن هذه الأيام مكملة لأجر رمضان ولا تنفك عنه في الاعتقاد والنية، سواء التصقت به زماناً (بالصيام بعد العيد مباشرة) أم التصقت به حكما (باعتبارها متممة للأجر).

"مِن شوال".. بين بيان الجنس وابتداء الغاية

اختلف العلماء في دلالة "مِن" في قوله صلى الله عليه وسلم "من شوال"، ولكل قول دلالته الفقهية والتربوية العميقة:

- القول بأنها لبيان الجنس: يفيد أن تكون هذه الأيام من جنس شهر شوال، فلا يجوز تأخيرها عنه. وهذا الرأي يربي في المسلم فقه "احترام المواسم" وتعظيم الزمان المخصوص.

- القول بأنها لابتداء الغاية: وعليه يجوز قضاؤها بعد شوال؛ لأن "مِن" أفادت بداية زمن الصيام ولم تشترط حصره فيه. وهنا نلمس سعة الرحمة، حتى روي عن الإمام مالك -رحمه الله- استحباب صيامها في غير شوال احترازا من إلحاقها بالفرض. يقول ابن إسحاق المالكي في: "ومحمل تعيين محلها في شوال عقب الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده بالصوم، لا لتخصيصها بذلك الوقت". فالمقصود هو "حصول الفعل" في أفضل الأوقات، ولو أوقعها العبد في عشر ذي الحجة لكان حسناً لتحصيل فضيلة الزمانين (ينظر: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب: 2/ 459 و460).

تنكير "ستا" ومرونة العبادة

وردت كلمة "ستا" نكرة في كل الروايات تقريباً. وفي القواعد الأصولية واللغوية، التنكير يفيد الإطلاق والعموم.

فهذا التنكير هو قمة "المرونة النفسية"؛ فهو يفيد أن صيام أي ستة أيام يجزئ، سواء كانت في أوله أم وسطه أم آخره، وسواء كانت متتابعة أم متفرقة. وهذا يرفع الحرج عن الأمة ويراعي تفاوت ظروف الناس واجتماعاتهم في العيد، وهو ما يجعل العبادة "ممكنة" للجميع وليست حصراً على المتفرغين.

تنوع التشبيهات وتراتبية المكافأة

حفز النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذكر "صيام الدهر"، وهو جزاء يقوم على المعادلة الإلهية: الحسنة بعشر أمثالها. صيام رمضان (30 يوماً) يعدل 300 يوم، والست من شوال تعدل 60 يوما؛ فالمجموع 360 يوماً (سنة كاملة تقريبا). لكن انظر كيف تنوعت صياغة هذا الجزاء في الروايات لتستنهض الهمم:

- رواية مسلم: «كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»: تشبيه بالكاف يقرر حقيقة الأجر، فالكاف تفيد المماثلة.

- رواية النسائي: «فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»: استخدام "كأنما" يزيد من قوة التشبيه، وكأن الفعل قد وقع فعلاً بتمامه، وأكد ذلك بلفظ "كله" للإحاطة والشمول.

- رواية ابن حبان: «فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ»: هنا يصل البيان إلى ذروته بالتشبيه البليغ (حذف الأداة ووجه الشبه) واستخدام اسم الإشارة "ذلك" للتعظيم. كأن العمل والجزاء أصبحا شيئاً واحداً لا ينفصم، وهو أعلى درجات التحفيز الإيماني.

بعض المقاصد التربوية من "صيام الست"

إنَّ التوجيه النبوي لهذه الأيام يحمل حكما تربوية عميقة ومقاصد إيمانية سامية، منها:

- اختبار الإخلاص: في رمضان كان الجميع صائماً (ظاهرة اجتماعية)، أما في شوال فالناس مفطرون والمطاعم مفتوحة؛ فالحرص على الصيام هنا علامة الصدق الإيماني، ودليل الإخلاص التعبدي، وكسر لقيود العادة لإرضاء رب العبادة.

- علاج "فتور ما بعد الإنجاز": النفس البشرية تصاب بالخمول بعد المهمات الكبرى. ويأتي صيام الأيام الست تدريبا للمحافظة على اللياقة؛ حتى لا تسقط النفس في فخ الغفلة الطويلة بعد انقضاء رمضان.

- جبر الكسر: النوافل هي جوابر تجبر ما شاب الفرائض من لغو أو تقصير، لتُعرض العبادة على الله في أحسن تقويم؛ ولذا يأتي صيام هذه الأيام ليجبر ويكمل ما قد يكون شاب صيام الفريضة من لغو أو تقصير.

إن القراءة اللغوية والتربوية لحديث صيام الست من شوال برواياته المختلفة، ترسم لنا لوحة إيمانية متناسقة الأغصان، يتنقل فيها الصائم بين ظلال الطاعات. إنها رسالة تقول لنا: إن شوال هو أول اختبار لما خرجت به من "مدرسة رمضان". وليكن شعارنا بعد انقضاء هذا الشهر قول الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}؛ فإذا فرغت من فريضة فانصب في نافلة، وإذا انتهى زمن الصيام المفروض فليبدأ زمن الوفاء المفتوح.

 

اقرأ أيضا:

فضل صيام ست من شوال

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة