في معرض الكتاب بالرباط 2026..
ابن بطوطة يجمع المغرب والكويت
هناك أماكن لا
تشبه الأمكنة العادية، أماكن تشعر وأنت تدخلها أنك لا تعبر بابًا من خشب وزجاج، بل
تعبر إلى حالة كاملة من الحنين والوعي والدهشة، وكان معرض الرباط الدولي للكتاب
واحدًا من تلك الأماكن؛ رائحة الورق تختلط بأصوات القراء، وأقدام الزوار تتحرك بين
الأجنحة كما لو أنها تبحث عن شيء أكبر من مجرد كتاب.
في الممرات
الطويلة، كان كل شيء حيًا؛ أطفال يركضون نحو قصصهم الأولى، وشباب يحملون الروايات
كما يحمل العائد من الحرب غنيمته الوحيدة، وشيوخ يقلبون كتب الفكر والتاريخ بهدوء
من يعرف أن العمر لا يكفي لقراءة كل ما يحب.
لكن أكثر ما كان
لافتًا في دورة 2026 لم يكن فقط الزخم الثقافي المعتاد، بل ذلك الحضور النسائي
المغربي الواضح داخل أروقة المعرض، لم تعد المرأة هنا مجرد قارئة تمر عابرة بين
الرفوف، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من صناعة المشهد الثقافي نفسه؛ تدير الأجنحة،
وتقترح العناوين، وتنشر، وتترجم، وتصنع المحتوى الثقافي بثقة هادئة.
وفي قلب هذه
الأجواء، بدت الأجنحة الكويتية كأنها جسر مضيء يصل المشرق بالمغرب، إصدارات المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب مصطفة بأناقتها المعتادة، وسلاسل «عالم المعرفة» و«عالم
الفكر» تستعيد ذلك الزمن العربي الجميل الذي كان فيه الكتاب مشروعًا للتنوير لا
مجرد سلعة للبيع.
هناك تحديدًا،
التقت مجلة «المجتمع» بـ3 شخصيات مغربية جمعتهن الكتب رغم اختلاف المسارات؛ د.
صوفيا آدم، الطبيبة والمترجمة والناشرة، وجنات الحولي، أستاذة الرياضيات وصانعة
المحتوى الثقافي، ود. سلمى بوداغ، المتخصصة في العلاج الفيزيائي والطبيعي وصانعة
المحتوى المهتمة بعالم القراءة.
صوفيا آدم.. امرأة تعبر بين الطب والنشر
وسط الحركة
الدؤوبة داخل الجناح الكويتي، بدت د. صوفيا آدم وكأنها تنتمي لهذا العالم منذ
سنوات طويلة؛ امرأة شابة تتحرك بين الكتب والقراء بأريحية واضحة، وتعيش يوميًا
داخل تفاصيل الترجمة والتحرير والطباعة والتوزيع.
ومنذ اللحظات
الأولى للحوار، بدا واضحًا أنها لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها رفاهية، بل
باعتبارها مسؤولية كاملة لبناء الوعي وحفظ الهوية.
وحين سُئلت عن
الكاتبات الأقرب إلى وجدانها، لم تتردد في ذكر اسم الروائية المغربية ليلى
السليماني، وقالت: صراحة، أنا أفضل وأميل كثيراً إلى كتابات الروائية ليلى
السليماني؛ فهي كاتبة مغربية ذات أفق عالمي، وتكتب بأكثر من ثلاث لغات، وحصلت
إصداراتها على جوائز دولية رفيعة كجائزة الغونكور الفرنسية.
ولم يكن حديثها
عن السليماني مجرد إشادة بكاتبة ناجحة، بل بدا وكأنه دفاع ضمني عن فكرة أوسع؛ أن
المرأة المغربية أصبحت قادرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة دون أن تفقد
جذورها وهويتها.
لكن اللافت في
حديثها أنها لم تتعامل مع نجاح المرأة بمنطق الصراع مع الرجل، بل بمنطق التكامل
الثقافي والإنساني، وأضافت: لدينا أيضاً قامات من الكتاب الرجال المغاربة الذين
نعتز بإسهاماتهم الفكرية وبصماتهم العالمية، المبدع المغربي والمبدعة المغربية
يقفان معاً لرفع راية الفكر والثقافة.
جنات الحولي.. حين تتصالح الأرقام مع الأدب
بعد ذلك، تحدثت جنات
الحولي، أستاذة الرياضيات وصانعة المحتوى الثقافي، بصوت هادئ يحمل شغفًا واضحًا
بالكتب والقراءة، قائلة: هذا العام يمثل فرصة أولى وتجربة فريدة بالنسبة لي لأكون
عارضة للكتب، فرغم أن مهنتي الأساسية تعليم الرياضيات، فإن أحب الفضاءات إلى قلبي التواجد
بين الكتب.
ثم أضافت: خلال
هذه التجربة، وجدت في نفسي نفساً طويلاً وصبراً جميلاً في التعامل مع الزوار، حيث
أمنحهم الوقت لأقترح عليهم العناوين المناسبة لاهتماماتهم.
ثم أشارت إلى
ظاهرة لافتة انتبهت إليها خلال المعرض: لاحظت في هذه الدورة حضوراً نسائياً
كثيفاً؛ فالأمهات والنساء عموماً هن اللواتي يشجعن أبناءهن على القراءة، وهذا يعكس
تطوراً كبيراً في مجتمعنا.
وعن حضور المرأة
المغربية داخل المشهد الثقافي، أكدت الحولي أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا
واضحًا، وقالت: في الآونة الأخيرة، خطت المرأة المغربية خطوات واسعة وأصبحت أكثر
حضوراً مقارنة بالماضي، لقد باتت تملك القدرة على الكتابة بحرية والتعبير عن رؤاها
بجرأة ومسؤولية.
وحين سُئلت إن
كان ما تحقق يمثل سقف الطموح، أجابت بثقة: لا، بل المؤكد أن القادم سيكون أفضل
وأكثر غزارة، ما تشهده المرأة اليوم ليس نهاية المطاف، بل خطوة في مسار صاعد.
سلمى بوداغ.. حين يلتقي العلاج الفيزيائي بعالم الكتب
لاحقًا، انضمت د.
سلمى بوداغ إلى الحوار، وهي متخصصة في العلاج الفيزيائي والطبيعي وصانعة محتوى
ثقافي.
وقالت لـ«المجتمع»:
تخصصي الأكاديمي والمهني العلاج الفيزيائي والطبيعي، وفي الوقت نفسه أنا صانعة
محتوى مخصص للقراء والكتب، أمتلك شغفاً كبيراً بالكتب والقراءة.
وأضافت: زيارتي
للمعرض هذا العام تأتي لرصد الإصدارات الجديدة والالتقاء بالقراء والتعرف على مجال
النشر بشكل أوسع.
ثم تحدثت عن
تجربتها السابقة داخل المعرض: في العام الماضي، خضت تجربة ميدانية في عرض الكتب
وبيعها داخل المعرض، وكانت تجربة متميزة؛ إذ مكنتني من التواصل مع شرائح واسعة من
الناس، مضيفة: الإنسان عندما يتواجد في الفضاء الذي يحبه ويشغف به، فإنه يبدع فيه
ويقدم أفضل ما لديه.
ثم تابعت: وجدت
نفسي أميل إلى عوالم الكتب وصناعتها ربما أكثر من ميلي لتخصصي الطبي، ولذلك أحاول
حالياً الجمع بين المجالين.
وعن الحضور
النسائي داخل معرض الرباط، أكدت سلمى أن المرأة أصبحت موجودة في كل التفاصيل،
وقالت: المرأة متواجدة في كل مكان بأروقة المعرض؛ نراها قارئة شغوفة، وأماً تقود
أبناءها نحو المعرفة، كما نراها شريكة فاعلة في كواليس التنظيم وإدارة المنصات.
كما أكدت أن
المرأة أصبحت جزءًا من صناعة الكتاب نفسها، فهي متواجدة بصفتها ناشرة وكاتبة
ومسؤولة أجنحة ومديرة تسويق ومبيعات، كل مجال يتطلبه عالم صناعة الكتاب، أثبتت
المرأة كفاءتها فيه.
وختمت حديثها
قائلة: في البداية، كنت أظن أن مهام البيع والتعامل مع الخدمات اللوجستية قد تقتصر
على الرجال، لكنني عندما خضت التجربة بنفسي، وجدت أن هذا الفضاء يتسع للجميع.
ثم أضافت بثقة: المرأة
تمتلك قدرة فائقة على التواصل وفهم سيكولوجية القارئ وتوجيه خياراته بلباقة وصبر،
وهي قادرة على الإبداع في أي مجال تُتاح لها فيه الفرصة.
وفي النهاية،
بدا المشهد كله وكأنه رسالة هادئة تقول: إن الثقافة العربية لا تزال قادرة على
إنجاب هذا الضوء؛ نساء ورجال يحملون الكتب كما يحمل المؤمن قنديله الأخير في عتمة
طويلة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً